رئيس مجلس الإدارة والشريك المؤسس لدار Vanguart محمد كوروتورك: الساعة عمارة مرئية تُكتشف قبل أن تُرتدى
لا ينظر محمد كوروتورك إلى الساعة بوصفها منتجًا ميكانيكيًّا يُقاس بالدقة وحدها، بل كمنظومة فكرية تُبنى بالانضباط والإبداع معًا. بخلفية تمتد من عالم الاستثمار إلى كواليس الفورمولا 1، حيث تُحسب القرارات بأجزاء من الثانية، تشكّلت رؤيته لصناعة تقوم على التوازن بين الجرأة والحساب، بين المخاطرة والاتساق.
في دار فانجارت Vanguart، لا تُخفى الحركة خلف الميناء، بل تتحوّل إلى عمارة مرئية تُقرأ كما تُقرأ البنية الهندسية. هنا، تصبح الميكانيكا خطابًا بصريًّا، وتتحول الدقة إلى لغة تصميمية، ويتجاوز الزمن وظيفته كأداة قياس ليصبح مادة تُصاغ.
في هذا الحوار مع «الرجل»، يكشف كوروتورك عن فلسفة تقود علامة مستقلة ترفض التكرار، وتراهن على الأصالة بوصفها استثمارًا طويل الأمد، لا خيارًا مرحليًا.
كيف تصف موقعك اليوم داخل Vanguart: قائد رؤية أم صانع قرار تنفيذي؟
دوري يجمع بين الاثنين، ولكن على مستويات مختلفة. مهمتي الأساسية تتمثل في حماية الرؤية طويلة المدى، مع البقاء منخرطًا بعمق في القرارات التي تشكّل اتجاه العلامة. لا أتولى الإدارة التشغيلية اليومية، لكنني بالطبع حاضر في المحطات المفصلية: الاستراتيجية، وتطوير المنتجات، والثقافة المؤسسية، وبناء الشراكات الرئيسة. في علامة مستقلة، وضوح الاتجاه ليس خيارًا بل ضرورة. الرؤية من دون تنفيذ هشّة، والتنفيذ من دون رؤية قصير الأمد. مسؤوليتي هي ضمان إبقاء الاثنين في انسجام دائم.
ما الأولوية التي تركزون عليها في هذه المرحلة من مسيرة العلامة؟
الأولوية في هذه المرحلة هي الانسجام. النمو لا يُقاس بزيادة الإنتاج، بل بمدى دقة التعبير عمّا نمثّله. نركّز على ترسيخ هوية Vanguart، وتعميق لغتنا التقنية، وضمان أن يبدو كل إصدار جديد امتدادًا طبيعيًّا للقصة نفسها. التحدي الحقيقي ليس في السرعة، بل في الاستمرارية عبر الزمن. وهذا ما نعمل على بنائه اليوم.
ما الدروس التي حملتها من عالم الاستثمار والفورمولا 1 إلى صناعة الساعات؟
من الاستثمار تعلّمت الانضباط: فهم المخاطر، والتحلي بالصبر، والتفكير بمنظور طويل الأمد بدل السعي وراء مكاسب آنية. ومن الفورمولا 1 تعلّمت درسًا محوريًّا: التميز لا يتحقق بشكل فردي، بل من خلال منظومة منسجمة تعمل بدقة مطلقة.
أتذكر وجودي في مرآب أحد فرق الفورمولا 1 قبل سباق، أراقب تمرينًا لتبديل الإطارات. كانت كل حركة محسوبة بأجزاء من الثانية. تعديل طفيف لا يكاد يُرى في صامولة عجلة كان كفيلًا بتغيير أداء الفريق بالكامل. أدركت حينها أن الأداء في ذلك المستوى لا يتعلق بالسرعة وحدها، بل بالتناغم والثقة المتبادلة.
صناعة الساعات تعمل بمنطق مشابه. فالحركة الميكانيكية ليست إنجازًا فرديًا، بل حصيلة عمل مهندسين، وخبراء تشطيب، وصنّاع، يجمعهم فهم مشترك ودقة متناهية. لهذا أرى أن صناعة الساعات الراقية تمثل، في جوانب عديدة، نسخة أبطأ من الفورمولا 1، تحركها الروح نفسها في السعي نحو الكمال.
كيف تبدّل إدراكك للوقت بعد هذه التجارب؟
أصبحت أنظر إلى الوقت كقيمة يجب احترامها، لا مجرد عنصر ينبغي تحسين إدارته.
في صناعة الساعات، لا يمكن استعجال ما هو جوهري. التشطيب يأخذ وقته، والقرارات تنضج تدريجيًّا. الجودة الحقيقية تكشف عن نفسها على مدى سنوات، لا خلال أشهر.
هذا الفهم لم يؤثر فقط في طريقة صنعنا للساعات، بل في كيفية بناء الشركة وإدارتها أيضًا.
متى تحول تأسيس العلامة من شغف شخصي إلى خيار استراتيجي واضح؟
منذ البداية تقريبًا، في مرحلة مبكرة جدًا. الشغف قد يشعل الفكرة، لكن الاستراتيجية هي ما تمنحها الاستمرارية. منذ اليوم الأول، تأسست Vanguart على رؤية واضحة: صناعة ساعات فائقة التعقيد، وتطوير ميكانيكيات أصلية، وإنتاج محدود، وبناء علاقة مباشرة مع جامعي الساعات.
ومع مرور الوقت، تحوّل ما بدأ كمبادرة شخصية إلى مشروع جماعي. كل من ينضم إلى الفريق يضيف طاقة جديدة ورؤية متجددة. في النهاية، بناء علامة ليس رحلة فردية، بل هو مسار تشاركي يشكلّه من يؤمنون بها ويسهمون في تطورها.
ما الفكرة الجوهرية التي تعرّف هوية Vanguart اليوم؟
يمكن تعريف Vanguart بصناعة ساعات ذات طابع معماري. الحركات تُصمَّم كبنى ثلاثية الأبعاد مرئية، لا كآليات مخفية خلف الميناء. نؤمن بأن الساعة يجب أن تُختبر وتُكتشف، لا أن تُرتدى فقط. ينبغي أن تثير الفضول وتكافئ من يتأمل تفاصيلها. منذ اليوم الأول، الأصالة، والوضوح، والعاطفة تمثل الركائز الأساسية لكل ما نقدمه.
اسمك يرتبط بالجرأة وروح المغامرة. كيف تضمن ألا تتعارض الجرأة مع الاستمرارية؟
الجرأة ضرورية، لكن بشرط أن تكون منضبطة. نحن نتخذ مخاطر إبداعية، لكنها ليست عشوائية. كل قرار يخضع لمنظومة تصميم واضحة ورؤية طويلة المدى. الاتساق لا يعني التكرار، بل الانسجام. فالمغامرة لا تكتسب معناها إلا إذا كانت موجهة.
بعض إصداراتكم تتضمن أرقامًا عربية، ما دلالة هذا الاستخدام؟
ليس اختيارًا زخرفيًا. الأرقام العربية جزء من التاريخ المشترك للرياضيات وقياس الزمن. وجودها يعكس أن علم صناعة الساعات «الهورولوجي» إرث عالمي، لا ينحصر في ثقافة واحدة. في الشرق الأوسط يتردد صداه بشكل طبيعي، لكن المقصد عالمي: إبراز الاستمرارية بين الثقافات، والمعرفة، والزمن.
ما الخط الأحمر الذي لن تتجاوزه Vanguart أبدًا؟
المساس بالأصالة. لن نخفف هويتنا من أجل زيادة الإنتاج، أو ملاحقة اتجاهات عابرة، أو اقتناص فرص قصيرة الأمد.
في صناعة الساعات الرفيعة، الثقة هي الأساس، وإذا فُقدت يصعب استعادتها. النزاهة بالنسبة لنا غير قابلة للتفاوض.
كيف تصف جامع الساعات المعاصر مقارنةً بالأجيال السابقة؟
جامع الساعات اليوم أكثر اطلاعًا وفضولًا، وأقل انبهارًا بالأسماء وحدها. هو يبحث عن الأصالة، والشفافية، والسردية المقنعة. يريد أن يفهم لماذا وُجدت الساعة، لا من يقف وراء صنعها فحسب.
