في ذكرى غرق تيتانيك.. كوارث بحرية أشد مأساوية
حين يُذكر غرق السفن أو الكوارث البحرية، تقفز تيتانيك إلى الذاكرة بوصفها المأساة الأشهر في التاريخ الحديث.
غير أن هذه الصورة الشائعة تخفي خلفها سجلًا طويلًا من حوادث بحرية أخرى لا تقل فداحة، بل يتجاوز بعضها تيتانيك من حيث عدد الضحايا، أو حجم الثروات المفقودة، أو تأثيرها المباشر في مجريات حروب عالمية.
في هذا التقرير، نزيح الستار عن كوارث طواها النسيان، وسفن سقطت خارج دائرة الضوء رغم ما حملته من مآسٍ غير مسبوقة.
سفينة San José
نبدأ الحكاية بالعودة قليلًا إلى الوراء، وتحديدًا إلى القرن الثامن عشر، حين كانت سان خوسيه تتصدر المشهد بوصفها واحدة من أبرز السفن الشراعية التابعة للإمبراطورية الإسبانية.
في صيف عام 1708، وأثناء رحلة عودة مثقلة بالخيرات من العالم الجديد إلى إسبانيا، وجدت سان خوسيه نفسها في مواجهة مباشرة مع سفينة حربية إنجليزية.
كانت السفينة تحمل كنزًا هائلًا يضم شحنات ضخمة من الفضة، وأحجارًا كريمة نادرة، وما يُقدَّر بنحو ثمانية أطنان من الذهب، فضلًا عن بضائع ثمينة أخرى جعلت منها هدفًا ثمينًا في زمن الحروب البحرية.
ولكن لم يكتب لتلك الرحلة أن تكتمل، ففي أعقاب الاشتباك، غرقت سان خوسيه واستقرت في قاع البحر الكاريبي على عمق يناهز 2000 قدم، حافظةً أسرارها ومعها ثروة قُدّرت آنذاك بما بين 7 و12 مليون بيسوس، وهو رقم مهول بمعايير ذلك العصر.
ظلّت السفينة حكاية معلّقة بين الأسطورة والواقع، حتى كشف عنها الستار بعد أكثر من ثلاثة قرون، عندما تم العثور على حطامها في نوفمبر 2015، في عملية أحاطتها السرية من كل جانب.
ومنذ لحظة اكتشافها، تكرّس حضور سان خوسيه بوصفها أغنى حطام سفينة عُرف حتى اليوم، لما كانت تحمله من كنوز نادرة وثروات لا تُقدَّر بثمن.
سفينة Empress of Ireland
في عام 1914، وقبل أن يلتقط العالم أنفاسه من تحولات مطلع القرن العشرين، شهدت المياه الكندية واحدة من أكثر المآسي البحرية قسوة، حين غرقت سفينة الركاب إمبريس أوف آيرلاند في نهر سانت لورانس، تاركة وراءها فصلًا داميًا في تاريخ الملاحة.
لم تكن إمبريس أوف آيرلاند سفينة عادية؛ فقد شكّلت، إلى جانب شقيقتها إمبريس أوف بريتين، حجر الأساس لمرحلة جديدة في النقل البحري.
صُممت السفينتان خصوصًا لتلبية الطلب المتسارع على الهجرة من مدينة ليفربول الإنجليزية إلى كندا، ومنذ عام 1906، بدأت السفينتان تشغيل خدمة منتظمة أسبوعية، وسرعان ما اكتسبتا سمعة لافتة؛ بفضل حجمهما الكبير، وسرعتهما العالية، ومستوى الراحة الذي وفرتاه مقارنة بالسفن المنافسة.
وفي 15 مايو من عام 1914، أبحرت إمبريس أوف آيرلاند من ليفربول في رحلتها الأخيرة من دون أن يلوح في الأفق ما ينذر بالخطر. وبعد أقل من أسبوعين، وتحديدًا في 28 مايو، غادرت كيبيك عائدة نحو إنجلترا، وعلى متنها 1,057 راكبًا و420 فردًا من الطاقم.
لكن الساعات الأولى من 29 مايو حملت معها الكارثة، إذ كانت السفينة تشق طريقها عبر ضباب كثيف يخيم على نهر سانت لورانس، وفي تلك الرؤية المحدودة، وقع الاصطدام القاتل مع السفينة النرويجية SS Storstad.
لم تستغرق المأساة وقتًا طويلًا؛ ففي أقل من 15 دقيقة، كانت إمبريس أوف آيرلاند قد انقلبت على جانبها وغاصت في أعماق النهر، تاركةً مئات الأرواح عالقة بين المياه الباردة والفوضى المفاجئة، في واحدة من أسرع حوادث الغرق التي عرفها تاريخ السفن الكبيرة.
ورغم أن هذه الكارثة كثيرًا ما توارت في الظل بسبب حوادث أكثر شهرة مثل تيتانيك ولوسيتانيا، فإن غرق إمبريس أوف آيرلاند يظل من أكبر الكوارث البحرية من حيث عدد الضحايا، بعدما أسفر عن وفاة أكثر من ألف شخص، في مأساة لا تقل فداحة عن غيرها، وإن قلّ حضورها في الذاكرة العامة.
سفينة Lusitania
ننتقل هنا إلى مأساة بحرية من نوع مختلف؛ فهذه المرة لا يتعلق الأمر بحادث عرضي أو خلل ملاحي، بل بفعلٍ حربي مقصود، شكّل إحدى أكثر لحظات الحرب العالمية الأولى إثارة للجدل.
كانت لوسيتانيا سفينة ركاب بريطانية فاخرة، تجوب المحيط الأطلسي حاملةً مدنيين من جنسيات متعددة، حين تحوّلت رحلتها في 7 مايو 1915 إلى هدف عسكري مباشر.
قبالة السواحل الأيرلندية، أطلقت غواصة ألمانية طوربيدًا أصاب السفينة إصابة قاتلة، لتجد لوسيتانيا نفسها فجأة في قلب صراع لا يميّز بين ساحات القتال وأماكن السفر المدني.
لم تمنح الكارثة وقتًا طويلًا للتدارك؛ في غضون 18 دقيقة فقط، غرقت السفينة بالكامل، مخلفةً 1,198 قتيلًا من أصل 1,959 شخصًا كانوا على متنها.
أثار استهداف سفينة ركاب مدنية بهذا الشكل موجة غضب دولية واسعة، وساهم بشكل مباشر في قلب الرأي العام ضد ألمانيا، ولا سيما داخل الولايات المتحدة، حيث شكّل غرق لوسيتانيا إحدى اللحظات المفصلية التي مهّدت لتغير المواقف تجاه الحرب والانخراط فيها لاحقًا.
سفينة Titanic
يصعب الخوض في تاريخ الكوارث البحرية من دون التوقف عند تيتانيك، الحادثة التي تجاوز صداها حدود زمانها لتصبح مرجعًا دائمًا لكل ما كُتب عن مآسي البحر في العصر الحديث.
لم تأتِ شهرة هذه الكارثة من حجم الخسائر وحده، بل من الصورة التي صُنعت للسفينة قبل انطلاقها؛ فقد رُوِّج لتيتانيك لسنوات بوصفها إنجازًا هندسيًا لا يُقهر، وسفينة يُستحيل غرقها، وهو ما جعل سقوطها المفاجئ بمثابة صدمة مدوية زعزعت الثقة في وهم التفوق التقني المطلق.
خلال رحلتها الأولى، التي انطلقت من ساوثهامبتون متجهة إلى نيويورك، اصطدمت السفينة البريطانية بجبل جليدي في مياه شمال الأطلسي.
وفي الساعات الأولى من صباح 15 أبريل 1912، وخلال أقل من ثلاث ساعات، كانت تيتانيك قد استسلمت للأعماق.
أسفرت الكارثة عن وفاة ما يقرب من 1,500 شخص من الركاب وأفراد الطاقم، فيما نجا 710 فقط، في واحدة من أكثر الحوادث البحرية مأساوية وتأثيرًا في التاريخ.
سفينة Wilhelm Gustloff
على الرغم من فداحة تلك الحادثة، لا تحظى مأساة فيلهلم غوستلوف بالشهرة التي تناسب حجمها، رغم أنها تُعد، بالأرقام المجردة، أكبر كارثة بحرية في التاريخ من حيث عدد الضحايا.
أُنجز بناء هذه السفينة عام 1937 في ألمانيا، ولم تُصمَّم في بدايتها لأغراض عسكرية، وإنما جزء من برنامج ترفيهي واسع عُرف باسم «القوة من خلال الفرح»، خُصص لتنظيم الرحلات البحرية والسياحية للعمال الألمان.
ولكن، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تغيّر دور السفينة بشكل جذري، إذ استُخدمت لفترة بوصفها سفينة مستشفى، قبل أن تُسحب من هذا الدور وتُوظّف لاحقًا في مهام عسكرية ولوجستية أكثر خطورة، وصولًا إلى استخدامها في عمليات إجلاء واسعة مع اقتراب نهاية الحرب.
وفي 30 يناير 1945، وخلال الأيام الأخيرة من الحرب، كانت فيلهلم غوستلوف ضمن عملية إجلاء واسعة للمدنيين والجنود الألمان من شرق بروسيا، في محاولة يائسة للفرار من التقدم السريع للجيش السوفيتي.
حملت السفينة على متنها آلاف الأشخاص، في ظروف بالغة الازدحام، وأثناء إبحارها في بحر البلطيق، رصدتها الغواصة السوفيتية S‑13، التي أطلقت عليها ثلاثة طوربيدات متتالية.
لم تصمد السفينة طويلًا؛ وفي أقل من ساعة، كانت قد غرقت بالكامل، تاركةً وراءها واحدة من أكثر مشاهد الغرق مأساوية في التاريخ الحديث.
تُقدَّر حصيلة ضحايا هذه الحادثة بنحو 9,400 شخص، بينما لم ينجُ من الغرق سوى قرابة 1,200 ناجٍ فقط.
وبذلك، يفوق عدد قتلى فيلهلم غوستلوف ضحايا تيتانيك بما لا يقل عن أربعة أضعاف، لتتصدر هذه الحادثة سجل الكوارث البحرية من حيث الخسائر البشرية.
