الفنان أحمد ماطر: الفن محاولة لفهم سؤال أكبر.. نقوش أمي علمتني أن الجمال ليس ترفًا
يتفرد الفنان السعودي أحمد ماطر برؤية خاصة تحفر في طبقات الوجود وتذهب أبعد من اللوحة والألوان. من جبال عسير ونقوش والدته، تَخلّقت فطرته الفنية، حمل الضوء والضباب وإيقاع القرية الهادئ، إلى قاعات المتاحف العالمية، مشروعًا فنيًّا مشغولًا بالسؤال أكثر من الجواب. لقد غدا الطبيب السابق أحد أبرز الأصوات البصرية في الفن المعاصر.
استطاع أن يحوّل التجربة السعودية المحلية إلى خطاب بصري يتردد صداه في فضاء عالمي أوسع. عُرضت أعماله في متاحف ومؤسسات عالمية مرموقة، كما نال التقديرات والجوائز، من بينها وسام الفنون والآداب الفرنسي. قام بأدوار مؤثرة في بناء البنية المؤسسية للفن في السعودية، سواء عبر مشاركته في تأسيس مبادرة "Edge of Arabia" أو من خلال قيادته لمعهد مسك للفنون، في مرحلة مفصلية أسهمت في دعم جيل جديد من الفنانين وإبراز الحضور السعودي في المشهد الفني العالمي.
في حواره مع "الرجل"، يفتح أحمد ماطر أبواب تجربته على امتدادها الإنساني والفكري، يكشف طبقات رؤيته للفن بوصفه انتقالًا من تشخيص الجسد إلى تأمل هشاشة الإنسان. ويتوقف عند أعماله التي تناولت مكة المكرمة وتحولات المدينة وأسئلة الهوية في زمن الحداثة المتسارعة، قبل أن يتأمل موقع الفن السعودي اليوم في لحظة تأسيس جديدة. حوار يكشف كيف يمكن للفن أن يكون مرآة للتحول، وأداة لفهم الإنسان وتشكيل المعنى.
الجذور وبصمة المكان
ولدتَ في تبوك ثم نشأتَ في أبها بمنطقة عسير، كيف أثّر المكان بكل حمولاته وخصوصيته على تكوينك وشخصيتك كونك فنانًا؟
ولدتُ في تبوك، لكن تكويني الحقيقي بدأ في عسير. القرية لم تكن مجرد جغرافيا، بل مدرسة حسية كاملة. الجبل لم يكن خلفية، بل هو حضور يومي يفرض إيقاعه. ومن مشهد الضباب الذي كان يهبط فجأة فيحوّل الأشياء إلى أطياف، تعلّمت أن الضوء ليس ثابتًا، بل حالة متغيرة.
عندما انتقلت إلى مدن أكبر، كنت أحمل داخلي هذا الإيقاع الجبلي الهادئ. عسير لم تكن خلفية لسيرتي، بل البنية التحتية لخيالي. كل مكان يحمل ذاكرة، وعوالم الفن لم تتشكل من الفراغ، بل من طبقات متراكمة من الضوء، والروائح، والأصوات الأولى التي سكنت طفولتي.
ذكرتَ أن لوالدتكَ بصمةً في تكوينك الفني، إلى أي مدى رافقك حضورها، وكيف انعكس في لوحاتك وأسلوبك؟
لا أستطيع الحديث عن تكويني الفني دون أن أعود إلى والدتي؛ نشأتُ في بيئة النقوش العسيرية «القط العسيري»، كانت أمي ترسم الحدود أولًا، ثم أملأ أنا المساحات بالألوان. لم أكن أدرك أنني أتعلم التكوين والإيقاع اللوني. تعلمت أن اللون ليس زينة ولا ترفًا، فالمرأة في بيئتنا الجنوبية لم تكن متلقية للجمال فحسب، بل صانعة له، ومؤسسة لذاكرة بصرية جماعية.
هل منحتكَ طفولتكَ في عسير ما يمكن تسميته "حصانة داخلية" أمام تحولات وصخب المدن الكبرى لاحقًا؟
طفولتي منحتني بوصلة داخلية وتوازنًا. لم تمنعني يومًا من المغامرة، وأشعر أن الجذور تعني البقاء في المكان نفسه. على العكس، من يعرف جيدًا من أين جاء، يصبح أكثر قدرة على الذهاب بعيدًا. المدن الكبرى لم تكن بالنسبة لي تهديدًا للهوية، بل كانت مختبرًا جديدًا للأسئلة. كنت أبحث فيها عن المستقبل، عن أشكال جديدة للمدينة، وعن تحولات الإنسان داخلها.
من الطب إلى الفن
من دراسة الطب والتشريح والأشعة إلى عوالم الألوان والفن، عمَّ كنت تبحث في هذه الانعطافة؟ ومن انتصر على الآخر؟
لم يكن الانتقال من الطب إلى الفن قطيعة حادة. الفن كان موجودًا، لكن الطب منحني معرفة أعمق بالإنسان. دراسة التشريح والأشعة جعلتني أرى ما لا يُرى. الأشعة تكشف البنية الداخلية للجسد، لكنها تكشف أيضًا هشاشته.
حين نقلت صور الأشعة إلى الجدار الفني، لم أبحث عن صدمة بصرية، بل عن كشف. تعلمتُ من التشريح أن كل خط له وظيفة، ومن طب العيون أن اللون إدراك قبل أن يكون مادة. لذلك لم أكن أشخّص الجسد فحسب، بل أطرح سؤالًا عن هشاشتنا نحن البشر. الطب علّمني الانضباط، والفن علّمني الشك. لم ينتصر أحدهما، بل تحوّل أحدهما إلى لغة داخل الآخر.
بين الثابت والمتحول
في عملك (المغناطيسية) تبدو أقرب إلى مفكر بصري يقرأ العلاقة بين الثابت الروحي والحركة الإنسانية، ما الفكرة التي كنتَ تختبرها هناك؟
في عمل «المغناطيسية» كنت أختبر فكرة المركز بوصفه معنًى قبل أن يكون شكلًا. الكعبة في العمل ليست تمثيلًا معماريًّا بقدر ما هي نقطة جاذبية ليست فيزيائية فحسب، بل إنسانية وروحية. نحن البشر نبحث دائمًا عن مركز، عن نقطة نستند إليها وسط الفوضى. حركة الطواف نفسها تحمل بعدًا كونيًّا؛ دوران حول ثابت، حركة لا تتوقف، وإيقاع يتكرر كما تتكرر حركة الكواكب حول محاورها. هناك تناغم بين ما هو أرضي وما هو سماوي، بين الجسد الذي يدور والمعنى الذي يظل ثابتًا.
عندما وثّقتَ تحولات مكة، هل كنتَ تخشى أن تضيع ذاكرة المكان وسط سباق العمران؟
عندما وثّقتُ تحولات مكة، لم يكن هدفي أن أحكم على التحول، بل أن أفتح مساحة للتأمل فيه، أن أُظهِر أن المدينة ليست مجرد خرسانة، بل ذاكرة متراكمة، وأن كل طبقة جديدة تضيف شيئًا، لكنها تترك وراءها أثرًا يستحق أن يُرى ويُتأمل
الهوية بوصفها مساحة للتأمل
في أعمالك عن النفط، تبدو كأنك تحذر من "ثقافة أحادية"، ما الذي تخشاه على مستوى الهُوية؟
ما يشغلني ليس النفط بصفته موردًا، بل أثره الرمزي. حين يتحول مورد واحد إلى مركز ثقل شامل، ينشأ خطر الاختزال في بعد واحد. منطقتنا لم تبدأ بالنفط، لكنها دخلت بسببه مرحلة تسارع غير مسبوقة. والسؤال هو: كيف نحافظ على التوازن بين ما هو قيمي وروحي عميق، وبين ما هو اقتصادي وحديث ومؤثر؟
الفن هنا لا يدّعي الحلول، لكنه يخلق مساحة للتأمل. إنه يسمح لنا أن نرى هذه الثنائية بوضوح، لا كونها صراعًا، بل كونها حالة مركبة تحتاج إلى وعي مستمر. وربما مهمتي كوني فنانًا ليست أن أُدين أو أُمجّد، بل أن أفتح نافذة نرى منها هذه الطبقات كلها في آن واحد.
هل ترى أن الحداثة في منطقتنا كانت سريعة إلى حد لم تمنح الإنسان وقتًا ليفهم نفسه؟ وهل للفن دور هنا أم أننا نحمّله ما لا يحتمل؟
ما يميز مرحلتنا هو أننا انتقلنا من أنماط حياة مستقرة نسبيًّا إلى تحولات كثيفة خلال جيل واحد. هذا شكّل هوية مختلفة، جيلًا مستعدًا للتكيّف، لا يرى التغيير بوصفه صدمة بل واقع دائم. من هذه الزاوية، السرعة لم تكن فقط تحديًا، بل كانت أيضًا تدريبًا على المرونة.
والسؤال ليس هل كانت الحداثة سريعة، بل كيف نستوعبها دون أن نفقد قدرتنا على التأمل. لذلك أرى أن الفن ليس رفاهية في زمن التحول، بل ضرورة ثقافية وفكرية. هو المساحة التي نفهم فيها أنفسنا ونحن نتغير، وهو ما سيبقى لنا حين نعود لقراءة هذه المرحلة بعد سنوات طويلة.
الفن بصفته سؤالًا مفتوحًا
قلتَ إن "الفن هو كل الإجابات غير المتوقعة". ما السؤال الذي ما زال يلاحقك حتى الآن؟
عندما قلتُ إن الفن هو كل الإجابات غير المتوقعة، كنت أعني أنه لا يمنح يقينًا، بل يفتح بابًا لسؤال أعمق. السؤال الذي يلاحقني هو: كيف يحافظ الإنسان على معناه وسط هذا التسارع؟
ربما هذا هو السؤال الذي يرافقني: البحث عن التوازن بين الثابت والمتغير، بين الجذر والتحول، بين الداخل والخارج. الفن لا يمنحني إجابة نهائية، لكنه يمنحني مساحة أعيش فيها هذا السؤال بصدق. وربما هذا يكفي.
تمزج بين الوثائقي والمفاهيمي، بين البحث والسرد، ولا تنتمي إلى مدرسة محددة. هل ترفض التصنيف أم ترى الهوية الفنية مشروعًا متحوّلًا؟
لا أنتمي إلى مدرسة محددة لأنني أتعامل مع الفن كأداة تفكير. أحيانًا يكون التوثيق ضرورة، وأحيانًا التفكيك المفاهيمي. الهوية الفنية بالنسبة لي مشروع متحوّل، لأن الواقع نفسه متحوّل. نحن في مرحلة تعاد فيها صياغة مفاهيم المدينة، والاقتصاد، والهوية، حتى العلاقة بالزمن. كيف يمكن لفنان أن يبقى داخل قالب واحد بينما الواقع نفسه يتغير بهذه السرعة؟
أنتَ تستعيد السرديات المنسية وتربط التراث بالعولمة. هل تبحث عن الماضي، أم تراجع الحاضر من خلاله؟
لا أتعامل مع الماضي بوصفه مساحة للحنين، بل مادة للتفكير. هناك فرق كبير بين استعادة الذاكرة واستدعاء nostalgia. حين أعود إلى سرديات منسية أو إلى طبقات تاريخية غير مرئية، فإنني لا أبحث عن إعادة إنتاجها، بل عن مساءلتها في ضوء الحاضر. هذه القدرة على العبور بين الأزمنة هي ما يمنح الفن قيمته الفلسفية. هو ليس أرشيفًا فحسب، ولا توقعًا فحسب، بل مساحة تفكير مفتوحة، إنه مادة للتأمل، وأداة للمساءلة، ومختبرًا للمخيلة.
الفن السعودي… لحظة تأسيس واختبار
هل تعيش الحركة التشكيلية السعودية اليوم لحظة تأسيس جديدة؟ أم لحظة اختبار؟
أعتقد أننا نعيش فعلًا لحظة تأسيس، لكنها في الوقت نفسه لحظة اختبار. هناك حراك غير مسبوق على مستوى البنية التحتية، والمؤسسات، والمساحات، والدعم الثقافي. وما نلاحظه بوضوح هو طاقة شبابية فكرية وفنية رائعة، وفرص حقيقية تُمنح لجيل جديد من الفنانين ليصوغ لغته الخاصة.
أنا متفائل جدًّا، لأنني أرى وعيًا متزايدًا بأهمية الفن كجزء من التحول الثقافي والاقتصادي والاجتماعي. لكن التفاؤل بالنسبة لي مسؤولية أيضًا؛ مسؤولية أن نعمل على تحويل هذه اللحظة إلى بنية مستدامة، لا إلى حدث مؤقت. إذا استطعنا أن نوازن بين الحماس والعمق، بين التوسع والجودة، فأعتقد أننا أمام مرحلة ستترك أثرًا طويل المدى في تاريخ الفن السعودي.
من تجربتك كونك أول رئيس تنفيذي لمعهد مسك للفنون، ماذا تحتاج إليه البيئة السعودية اليوم لتعزيز صناعة فنية مستدامة؟
كانت تجربة غنية ومفصلية في حياتي المهنية. أطلقت عددًا من المشاريع والبرامج التي نرى اليوم ثمارها في قيادات ومبادرات فنية مؤثرة. بالنسبة لي، كانت مسك واحدة من أهم المدارس التي مررت بها؛ هناك تعلّمت كيف يمكن أن يتحول الحلم الثقافي إلى منظومة عمل حقيقية.
من تجربتي في معهد مسك للفنون خرجت بقناعة واضحة: التعليم هو الأساس. لا يمكن بناء صناعة فنية مستدامة دون تعليم نوعي يزرع التفكير النقدي، ويمنح الفنان أدوات معاصرة دون أن يفصله عن جذوره.
كيف يمكن تحقيق توازن بين القيمة الفنية والقيمة السوقية دون أن يبتلع أحدهما الآخر؟
السوق جزء طبيعي من المنظومة الفنية، ولا يمكن إنكار دورها في دعم الفنان واستدامة الممارسة. لكن حين يصبح التفكير موجّهًا بالطلب والبيع، يتحول الفن إلى منتج، ويتراجع السؤال لصالح العرض.
التوازن يتحقق حين يكون للفنان وعي واضح بمشروعه، وحين تكون هناك مؤسسات نقدية وتعليمية تواكب السوق ولا تنقاد لها. السوق الصحية هي التي تدعم التجارب الجادة، لا التي تفرض ذوقًا سريعًا أو موجة مؤقتة، وإذا حافظ الفنان على استقلال مشروعه، فإن السوق ستلحق به في الوقت المناسب، لا العكس.
من المحلية إلى العالمية
عندما تدخل مؤسسات فنية كبرى وأنت تحمل سردية سعودية، هل تشعر أنك تمثل مشروعك الفردي أم بلدًا بأكمله؟
هذا سؤال يحمل مفارقة حقيقية في تجربتي. عندما أكون داخل السعودية، أفكر في نفسي بصفتي مشروعًا فنيًا يسعى إلى الارتقاء بالمحلي إلى مستوى عالمي. أكون منشغلًا بالفنان الفرد، بالمشروع، باللغة البصرية التي أعمل عليها.
لكن حين أكون خارج المملكة، أشعر أنني لا أمثل نفسي فحسب، بل أحمل معي عمق الثقافة السعودية بكل طبقاتها، وتاريخها الطويل، وذاكرتها، والمكان الذي عشت فيه وعرفته من الداخل. لا أرى الأمر تناقضًا، بل هو توازن طبيعي. ربما هذه الحركة المزدوجة هي ما تمنح التجربة عمقها؛ أن تكون فردًا مستقلًا، وفي الوقت نفسه واعيًا بأنك تحمل سردية أوسع منك.
كيف اختلفت قراءات الجمهور لأعمالك بين الرياض ولندن وشنغهاي؟ وهل يغيّرك اختلاف التلقي؟
أوْمن بأن العمل الفني الحقيقي يتجاوز الجغرافيا. واختلاف التلقي لا يغيّر جوهره، لكنه يوسّع إدراكي له. السفر والعرض في مؤسسات مختلفة يمنح الفنان فرصة لتعلم "لغة العالم" بشكل أعمق.
الاعتراف والشك
جرى تكريمك مرات عديدة، هل غيّرتك الجوائز أم أكدتْ ما كنتَ تعرفه عن نفسك؟
الجوائز لا أتعامل معها كونها هدفًا، ولا أظن أنها تغيّر جوهر الفنان. هي لحظة تقدير جميلة، لكنها لا تصنع التجربة ولا تضمن استمرارها. إن غيّرت شيئًا، فهي تغيّر الإحساس بالمسؤولية أكثر مما تغيّر الإحساس بالذات.
وفي الوقت نفسه، لا أنكر أنها تؤكد أحيانًا ما يعرفه الفنان داخليًّا: أن الطريق الذي يسلكه له معنى، وأن العمل يصل إلى الآخر. لكنها تبقى إشارة من الخارج، بينما البوصلة الحقيقية تأتي من الداخل - من الاستمرار، ومن القدرة على إنتاج عمل صادق حتى في غياب التصفيق.
بعد كل هذه الإنجازات، ما اللحظة التي شعرتَ فيها باعتراف داخلي حقيقي بعيدًا عن الأوسمة؟
أعتقد أن أصدق لحظة اعتراف داخلي لم تكن مرتبطة بجائزة أو وسام، بل بلحظة أوسع من ذلك. حين أرى اليوم الفن والثقافة يحتلان مكانة مركزية في حياتنا اليومية في السعودية، أشعر أن هذه النهضة نفسها هي وسام معنوي كبير.
نحن جيل عمل في ظروف مختلفة تمامًا، وكانت الثقافة في كثير من الأحيان هامشية أو فردية. اليوم، حين أرى الفن يتحول إلى ركيزة أساسية في المشهد الوطني، أشعر أن الجهد لم يكن فرديًّا، بل جزء من مسار طويل.
هذا الاعتراف ليس شخصيًّا بقدر ما هو جماعي. أن ترى المجال الذي كرّست له حياتك يكتسب هذه القيمة، هو نوع من الطمأنينة الداخلية. ربما هذا هو الشعور الأعمق: أن ما آمنت به مبكرًا أصبح اليوم جزءًا من واقع أوسع.
هل مررتَ بلحظة شك حقيقية كادت تجعلك تتراجع عن مشروعك الفني؟ وكيف تجاوزتها؟
نعم، مررت بلحظات شك حقيقية. كانت هناك فترات شعرت فيها أن الطريق طويل، وأن الأسئلة أكبر من القدرة على الإجابة، وأن الاستمرار نفسه مغامرة غير مضمونة. كان الشك حقيقيًّا ومؤلمًا أحيانًا.
لكن ما أراه اليوم في مجتمعنا الفني والثقافي في السعودية أعاد الأشياء إلى مجراها الطبيعي. أعاد للحياة ركنها الذي كان ينتظر أن يُضاء. أن ترى الفن والثقافة يحتلّان هذه المساحة، وأن تشعر بأن هناك بنية تتشكل ووعيًا يتنامى، يجعل كل تلك اللحظات جزءًا مفهومًا من مسار أطول.
وأوْمن اليوم بأن الاستمرار في الفن لا يقوم على اليقين الكامل، بل على الإيمان بالفكرة حتى تتضح مع الزمن.
الفن لا يكون وسيلة لغاية أخرى؛ هو غاية في حد ذاته، وما يمنحه معناه هو صدق الالتزام به حتى النهاية.
الإنسان خلف الفنان
ما الذي لا يعرفه الجمهور عن أحمد ماطر الإنسان بعيدًا عن الفنان؟ وكيف تحافظ على توازنك أمام صخب العالم؟
أتعامل مع الفن بجدية، لكنني لا أتعامل مع نفسي بالجدية نفسها. أحيانًا أفضل قرار فني هو إغلاق الهاتف والذهاب للمشي. هناك أستعيد توازني.
الحديث مع ابنتي أزهى يعيد لي هذا التوازن. في بساطتها أجد سعادة صافية لا علاقة لها بالمعارض.
بين هشاشة اللحظة ورغبة الفنان في ترك أثر يدوم، هل تشعر أنك أنجزتَ العمل الذي يمثلك بالكامل؟ أم أن العمل الأصدق لا يزال قيد البحث؟
هناك دائمًا مسافة بين ما ننجزه وما نحلم به، وربما ما يجعل الفن حيًّا هو هذا الشعور الدائم بأن هناك طبقة أعمق لم نصل إليها بعد. كل عمل أعدُّه خطوة، تجربة، محاولة لفهم سؤال أكبر.
أشعر بالرضا عن محطات كثيرة في مسيرتي، لكن العمل الأصدق بالنسبة لي لا يزال في الطريق. ما زلت أبحث، وما زلت أتعلم، وما زال هناك شيء لم يُقل بعد.
عيد الفطر على الأبواب، ماذا تمثل لك هذه المناسبة؟
العيد يعيدني إلى فرحة الطفولة. وهذا العام سيكون العيد الأول لابنتي. في دهشتها أرى العالم يعود إلى حجمه الإنساني البسيط.
Creative & Fashion Director: Jeff Aoun
Photographer: Norah Alamri
Producer: Kawther Alrimawi
Fashion Stylist: Abdulrahman Riyad
Make Up Artist: Haneen Khooj
Assistant Producer: Ahmed Omar
