الفنان عبدالمحسن النمر: العالمية أقرب مما نتصوّر… رمضان يعيدني للعائلة والروح، وذكريات البحر
عبدالمحسن النمر ممثل مخضرم، شكّل حضوره علامة فارقة في مسار الدراما السعودية الحديثة. على امتداد أكثر من أربعة عقود، حافظ على خطّ فني هادئ ومتماسك، مستندًا إلى حسّ إنساني عميق وقدرة لافتة على تجسيد شخصيات معقّدة بأداء متوازن، بعيدًا عن الادعاء أو الافتعال. فنان يرى في التمثيل خيارًا واعيًا ومسؤولية تُبنى بالتراكم، لا سباقًا نحو نجاح سريع أو شهرة عابرة.
قدّم النمر خلال مسيرته أعمالًا تركت أثرًا واضحًا في الذاكرة الدرامية السعودية والخليجية، وأسهمت في رفع سقف الأداء والذائقة والرهان على العمق لا السطح. هذا المسار تُوّج بعدد من الجوائز والتكريمات العربية والخليجية، كان آخرها جائزة Joy Awards عام 2026، إلى جانب تكريمات احتفت بمسيرته وإنجازه الفني، اعترافًا بتراكم تجربة صنعت ثقة الجمهور والنقاد معًا.
في هذا الحوار، لا يتحدث عبدالمحسن النمر عن الفن بوصفه مهنة فحسب، بل كخيار وجودي، وتجربة وعي طويل النفس. يستعيد البدايات منذ كان طفلاً يستجدي رفاقه لمشاهدته، يقارب التحولات ويمضي الى عالم الشهرة بتواضع الكبار، ويتأمل راهن الدراما السعودية وطموحها العالمي، مؤكدًا أن المحلية الصادقة، حين تُصاغ بأدوات احترافية، قادرة على العبور إلى العالم بثقة لا استعجال فيها.
البدايات والقدر
. بعد أكثر من أربعة عقود في الفن، هل تشعر أن التمثيل كان خيارًا شخصيًا واعيًا أم قدرًا لم يكن ممكنًا الهروب منه؟
بالتأكيد، ولو عاد بي الزمن مرة أخرى، لما ترددت للحظة في أن أتبع شغفي واختياري للتعبير عن ذاتي من خلال صياغة الواقع وتجسيده، إما مسرحياً أو سينمائياً أو بأي طريقة متاحة.. وأؤكد أن الفن اختيار وليس قدراً محتوماً.
وأنا مدرك تماماً منذ اللحظة الأولى أن اختياري فقط يحتاج إلى الوقت، كي يعلن مشروعيته واستحقاقه.. وفي زمننا الآن، ونحن نعيش هذا الانفتاح العظيم نحو الفنون، نحو الإبداع، أعيش المرحلة الماسية تجاه قناعاتي.
. هل هناك لحظة من طفولتك، تعود إليها حينما تستعرض مشوارك في التمثيل، ولماذا بقيت حيّة في ذاكرتك حتى اليوم؟
دائمًا وأنا أقف أمام عمالقة التمثيل في الوطن العربي، مع أكبر المخرجين وفي دائرة إنتاجية تكاد تكون الأضخم، أتذكر ذلك الطفل الذي كان يستجدي بقية الأطفال كي يشاهدوا ما يقدمه على خشبة مسرح بدائي في أحد الأزقة الضيقة. ومازلت مندهشًا، كم كان يحمل بداخله من طموح يتجاوز الحدود.
منعطفات وتحديات
. عاصرت مرحلتين في الدراما السعودية: مرحلة الشح ومرحلة الوفرة. أيهما كانت أصعب على الفنان الحقيقي؟ ولماذا؟
لكل مرحلة صعوباتها: في الأولى، حالة عدم التبني وشح الفرص ومحاولة البحث عما يشبهني أو على الأقل ما أتمنى أن أقدمه، كانت أشبه بالبحث عن إبرة في كوم من القش. والمرحلة الثانية، وبرغم كل هذه المشروعية وكثافة الفرص، إلا أن المسؤولية الكبيرة تجاه الذات في الاختيار، تكون صعبة لدرجة الرعب.
. هل هناك قرار مهني اتخذته في وقت مبكر وكانت نتائجه خارج التوقع، لكنه شكّل لاحقًا نقطة تحوّل في مسيرتك؟
نعم قرار تفرغي للفن، وتركي لوظيفتي وهي مصدر الدخل الأساسي لي ولعائلتي، كان قرارًا صعبًا للغاية، إلا أن النتائج الإيجابية فاقت التوقعات ولله الحمد، وعلى الصعيدين المادي والمعنوي.
. برأيك، ما الذي يُسقط الفنان أسرع: الفشل المتكرر أم النجاح السريع أم غرور الشهرة؟
كل هذه الأسباب، فالفشل المتكرر يعني الإفلاس، والنجاح السريع سيف قاتل إن لم تستطع المحافظة عليه والاستمرار، والغرور مقبرة الإبداع.
الدراما السعودية
. عادة ما هو روتينك في موسم رمضان، وما الطقس الأحب إلى قلبك في هذا الشهر الفضيل؟
العائلة لها النصيب الأوفر من بعد غياب، والأجواء الروحانية لها لذتها، رمضان هو اقتراب أكثر للروح وما يحيط بها من أرواح.
وللبحر أيضا نصيب في هذا الشهر، فأنا من مدينة ساحلية (الدمام)، وعادة الذهاب للصيد في فترة ما قبل الإفطار، لها طعم الذكريات.
. كيف ترى تطور الذائقة السعودية تجاه الدراما المحلية خلال السنوات الأخيرة؟
الجمهور السعودي كوّن ذائقته الفنية قبل هذا التطور الذي تعيشه الدراما السعودية الآن، هو مثقف فنيًا ويسبق المشتغلين في هذا المجال، ويبدو أنه المؤثر الحقيقي على محتوى الذائقة، فهو لا يقبل إلا ما يشبهه.
. هل تعتقد أن لدينا اليوم عملًا رمضانيًا سعوديًا قادرًا على الاستحواذ جماهيريًا؟ ولماذا؟
بكل ثقة: نعم، ولك في (خيوط المعازيب) و(شارع الأعشى) والكثير من الأعمال الأخرى خير دليل على ذلك.
. وأنت تشاهد نفسك تؤدي دورًا ما، بماذا تهتم أكثر، بالمظهر أم تعابير الوجه أم الحوار واللغة، أم تركز على تفاعل الآخرين معك؟
عندما أقرر تقمص شخصية ما، بالتأكيد أتعامل مع كل تفاصيلها الخارجية والداخلية، حتى المحيط بها من عناصر بما في ذلك شركائي الآخرون من فنانين وفنيين، وأقصد بالفنيين: المكياج والملابس والديكور حتى إكسسوار الشخصية.
اقرأ أيضًا: الفنان براء عالِم: العالمية وعدٌ قريب والتمثيل علّمني الكثير عن نفسي
الرؤية الشخصية والأداء
. اشتهرت بتجسيد الشخصيات المركبة خُلقيًا. كيف تجعل المشاهد يفهم الشخصية دون أن يبرر أفعالها؟
عندما تقدم لي شخصية ما أشعر بالمسؤولية تجاه تصرفاتها، قناعتها، مبادئها، حتى انتماءاتها، بغض النظر عن إيماني الشخصي بأفكارها. فقط أحاول أن أصدقها وأنقلها بصدق، وأترك الباقي للمتلقي ليحكم عليها. محاكمتها ليس من دوري وعملي.
. ما الدور الذي استنزفك نفسيًا أكثر من غيره، ليس لصعوبته التقنية بل لثقله الإنساني؟ وهل تحتاج إلى وقت طويل للتخلص من الشخصية التي تؤديها؟
آخر دور استنزفني هو شخصية القبطان سلطان في مسلسل "المرسى"، وعرض أخيرًا على mbc. استنزف الكثير من مشاعري لصعوبة مشاهده على المستوى الانفعالي، وأيضًا لقسوته. كنت ألهث من شدة ما يحتاج إليه من جهد نفسي بعد كل مشهد. ربما الخبرة سهلت علي التحكم في الدخول الى أعماق الشخصية، وأيضا الهروب منها بسرعة خصوصًا عندما تكون سلبية.
. هل هناك نوع من الأدوار أصبحت تتجنبه اليوم قناعةً لاخوفًا؟
ألتزم بقناعة قديمة في الاختيار؛ أرفض ما لا يشبهني فنيًا أو يفتقد العمق، وما عدا ذلك فأنا منفتح على كل التجارب.
الجوائز والاعتراف المهني
. حصلت على جائزة "الممثل المفضل" في Joy Awards 2026، وذلك عن دورك في مسلسل "المرسى"، ماذا مثلت لك على المستويين الشخصي والمهني؟ وهل شعرت أنها متاخرة أم في وقتها؟
الجوائز والتكريمات بلا أدنى شك هي، كما تفضلتم، اعتراف مهني وفني يحتاج إليه الفنان بين حين وآخر، فهي محفز أيضًا للعطاء ولبذل المزيد للوصول إلى مناطق إبداعية جديدة.
ولكن جائزة Joy Awards لها طعمها الخاص لعدة أسباب:
أولاً، لعالميتها وشموليتها. ثانيًا، هي جائزة مرتبطة بمضمار تسابق يشمل كل الأعمار والفئات، لا تعتمد على تاريخ أو طول تجربة الفنان أو قصرها، بل ترتبط بإنتاجه خلال عام أو موسم، الكل متاح له التسابق. وحين تفوز بالمركز الأول يعني أنك قادر على أن تكون الأفضل، ولا تزال. ثالثًا، هي جائزة عالمية (سعودية) أخذت مكانتها العالمية بجدارة، والدليل، هذا التسابق من كل المبدعين في العالم على الحضور أو السعي للحصول عليها. رابعًا، إن الحكم فيها وصاحب القرار هو الجمهور وبكل شفافية.
. ما التكريم الأقرب إلى قلبك خلال مسيرتك؟ وبرأيك هل الجوائز تنصف دائمًا؟ هل لها سلبية ما؟
ربما يكون التكريم في مهرجان أفلام السعودية في دورته العاشرة ذا طعم مميز بالنسبة لي، لأنه يشمل مسيرتي كاملةً في هذا المجال، وكونه يأتي من مدينتي التي نشأت فيها ووسط الأهل والأقربين. إنه التكريم الذي له اعتباره الخاص وعاطفته المميزة.
. ماذا يعني لك أنك ممثل؟ أو من وجهة نظرك ما الذي يميز الفنان الممثل عن الإنسان العادي؟
بالتأكيد هذا الشغف لا يأتي إلا من خلال موهبة خصك الخالق بها، وهي إذا صح التعبير قدرة خاصة في قراءة المواقف في الحياة وإعادة صياغتها بإتقان. وبهذا يمتلك الممثل لغة وأدوات مختلفة للتعبير تتجاوز حدود التعبير اللفظي.
الإنتاج والاستثمار بالفن
. خضت تجربة الإنتاج إلى جانب التمثيل. متى أدركت أن الفنان لا يكفيه الإبداع وحده بل يحتاج لفهم الاقتصاد خلف العمل؟ ماذا تعلمت من تجربة الإنتاج؟
تجربتي في الإنتاج ليست طويلة ولا متصلة، بل جاءت متقطعة مرتبطة تمامًا بمحاولة تقديم المختلف والسعي إلى خلق مناخ فني يشبهني أو يعبر عن ذاتي. وعندما اصطدم الفنان بداخلي مع المنتج التاجر (وهذا حق مشروع لا أعيبه)، ولكنه بالتأكيد يرغم الفنان أحيانًا على بعض التنازلات المرتبطة بالنظرة الاقتصادية، اخترت الوقوف مع الفنان ووأدت التاجر بداخلي، ولذلك ابتعدت عن الإنتاج كي أستمر في مساحة أكثر حرية.
. ما الفرق الجوهري الذي لمسته بين عقلية الفنان وعقلية المنتج أو رجل الأعمال؟
بالنسبة للتاجر أو المنتج: واحد + واحد = اثنين.
أما الفنان: واحد + واحد = ثلاثة، وأحيانًا أربعة أو خمسة، فهو خارج القواعد والمألوف.
. هل تشجّع رجال الأعمال السعوديين على دخول مجال الدراما والسينما؟ وما الشروط التي تجعل استثمارهم ناجحًا وبلا مغامرة وغير متسرع؟
أنصح وبكل ثقة، فالاستثمارات مجدية جدًا، إذا تمت إدارتها بعقلية تستطيع الوصول إلى التوازنات التي يراعى فيها جميع الجوانب الاقتصادية والفنية. هذا أولاً، وثانيًا إعطاء كل صاحب تخصص مساحته الإبداعية دون قيود.
اقرأ أيضًا: صدق الأداء يصنع الإلهام الفنان السعودي أحمد شعيب: أبحث عن الحقيقة في كل مشهد
الطموح للعالمية
. الدراما السعودية تطمح للعالمية. هل ترى أن لدينا فرصة؟ وما الثيمة التي توصلنا لهذه المرتبة؟
الدراما السعودية بكل أشكالها المرئية والمسموعة تعيش عصرها الذهبي وبخطوات واثقة ومتوثّبة. والوصفة السحرية للوصول برأيي، تأتي من خلال محليتنا وجذورنا، ولكن بأدوات عالمية، ونحن قادرون.
. هل لديك شخصية محددة تطمح أن تؤدي دورها في عمل سينمائي أو تلفزيوني؟ ولماذا؟
على مستوى السينما، القائمة تطول، فنحن في خطواتنا الأولى، والمخزون كبير جدًا، ما زال بكرًا. أما التلفزيون فقدّمت الكثير، وما زال الكثير. الحياة، مع موروثنا في مملكتنا العظيمة مترامية الأطراف، غزيرة الثقافة، وعميقة التاريخ… نحن نملك نبعًا لا ينضب من الحكاية.
. ما أكثر ما يقلقك اليوم في سرعة الإنتاج الحالية: النص، التدريب، أم الاستسهال وغياب التراكم الفني؟
إن كان هناك قلق حقيقي، فهو يكمن وراء القدرة على صياغة الحكاية بشكل يحولها إلى واقع سينمائي أو تلفزيوني، وأقصد بذلك (السيناريست) المتخصص، ومن بعده القوة الإنتاجية التي تستطيع تحويل هذا السيناريو إلى حياة حقيقية. وتأتي بقية التفاصيل بناءً على ذلك.
الإنسان خلف الفنان
. كيف أثرت الرحلة الفنية الطويلة على علاقتك بالعائلة؟ ومن هو الشخص الذي يهمك رأيه أكثر بعد كل عمل؟
النجاح والاستمرار لا يأتي بجهد فردي، وإلا فاقت التضحيات النتائج، وهذا ميزان غير عادل حتى إن أوصلك للنجاح. فكونك ناجحًا في عملك، وحين يأتي هذا النجاح على حساب من حولك مرغمين، معناه أن هناك خللًا كبيرًا. إلا إذا كان من حولك يعيشون نجاحك بحب ورضى ودعم، هنا يعتدل الميزان. أما بخصوص مَن يهمني رأيه، وبالتأكيد عائلتي أولاً، أهل بيتي يمثل رأيهم مقياسًا حقيقيًا بالنسبة لي، فهم لا يجاملوني.
. لنفترض أن أحد الأولاد يريد دخول عالم التمثيل، بماذا توصيه؟
في الواقع، أخاف عليه من صعوبة الطريق لا من المهنة نفسها. التمثيل جميل لكنه قاسٍ، ويحتاج من يدخله إلى شغف حقيقي واستعداد لتحمّل المسؤولية.
استراحة محارب
. ما هو عملك التالي؟ ولو خُيّرت بين دور يخلّدك جماهيريًا وآخر يرضيك فنيًا فقط، أيهما تختار اليوم ولماذا؟
الآن أعيش فترة استراحة، في الواقع بعد مشوار مسلسل المرسى أحتاج لفاصل زمني يهيئني لما بعده.
البطاقة التعريفية:
الاسم: عبدالمحسن محمد النمر
الجنسية: سعودي
مكان الميلاد: الأحساء
الحالة الاجتماعية: متزوج ولديه بنتان وولدان
المهنة: متفرغ للتمثيل
الهوايات: التمثيل والترحال
أهم الجوائز والتكريمات:
2026 – جائزة Joy Awards: الممثل المفضل عن فئة المسلسلات
2025 – تكريم الإنجاز الفني – مهرجان الشارقة السينمائي
2025 (نوفمبر) – تكريم – مهرجان السينما الخليجية (مسقط – عُمان)
2025 – تكريم – مهرجان أوتنابيشتم الدولي للإبداع (بغداد)
2024 – أفضل ممثل – جائزة الدانة للدراما (البحرين)
2024 – تكريم عن الأعمال والمسيرة الفنية – مهرجان أفلام السعودية (الدورة العاشرة)
2020 – جائزة مهرجان الضيافة – دبي
2016 – اختياره في استفتاء مجلة "سيدتي" لثلاثة أعوام متتالية
2009 – جائزة مهرجان القاهرة للإعلام العربي
Creative & Fashion Director: Jeff Aoun
Photographer: Norah Alamri
Producer: Kawther Alrimawi
Fashion Stylist: Rana Dmeean
Makeup Artist: Miryam Ibrahim
Camera Assistant: Adam Alrahal
Camera Assistant: Abdulaziz Alnour
