الفنان براء عالِم: العالمية وعدٌ قريب والتمثيل علّمني الكثير عن نفسي
من بين نجوم العالم العابرين فوق السجادة الحمراء لمهرجان البحر الأحمر، تختار الرجل أن تحاور ابن المدينة التي تحتضن هذا الألق المتجدّد، براء عالم، الفنان الذي تشكّلت رؤيته بين أزقة جدة ومن ملح بحرها. خرج من شغف التحليل السينمائي إلى فضاء الأداء الإبداعي، ليصبح أحد أبرز وجوه الجيل الجديد، جيل يتطلّع إلى صناعة سينما سعودية تنحت لغتها الخاصة وتقدّم صورتها للعالم بثقة لا تخلو من الجرأة.
وفي قلب المهرجان، يرى عالم ما هو أبعد من البريق، فالحضور بالنسبة إليه امتداد لعلاقة عميقة بمدينة كوّنت وعيه البصري وصقلت حساسيته تجاه اللقطة والضوء والإنسان. جدة، كما يصفها، ليست خلفية للمشهد بل شريكة في تكوينه، والمهرجان ليس احتفالًا عابرًا، بل منصة يُعاد فيها تشكيل الخريطة السينمائية السعودية، وتُختبر عبرها قدرة الحكايات المحلية على العبور إلى فضاءات أوسع.
وفي هذا الحوار، يكشف براء عالم عن رؤيته للممثل بوصفه معماريًّا للمعنى، لا مجرد حضور أمام الكاميرا، فالأداء عنده فعل معرفة، واللقطة موقف يحمل صدقًا قبل أن تحمل جمالًا. يبحث عن نصوص تنبض بروح حقيقية، وعن أدوار تختبر هشاشة الإنسان وعمقه، مؤمنًا بأن السينما السعودية تتقدم فعلًا، لا بالاستعارة من الآخرين، بل بجرأتها على رواية قصتها بلغتها الخاصة وبإيقاعها الذي لا يشبه أحدًا.
جدة والحكاية من البداية
نشأت في جدة، وتعود اليوم إليها في الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر بوصفك أحد أبرز الوجوه السعودية الشابة. ماذا تعني لك هذه العودة؟
وُلدتُ في مكة المكرمة العاصمة المقدسة، قبلة المسلمين وإحدى أكثر المدن تنوعًا وتجانسًا ثقافيًا على الكوكب، لكن جدة كانت دائمًا المدينة التي تشبهني وتشبه أحلامي. هي المكان الذي شهد أولى خطواتي، وأولى محاولاتي لفهم العالم، وأول شعور بأن الصورة يمكن أن تصبح لغة.
اليوم، وأنا أعود إليها في الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر، أشعر أن المدينة تحتضنني من جديد ولكن بشكل مختلف؛ كأنها تقول لي: هذه هي اللحظة التي كنت تنتظرها.
ما هي مشاعرك وأنت ترى نجوم العالم يتجولون في مدينتك جدة؟
رؤية نجوم العالم يتجولون في شوارع عرفتها طفلًا هو شعور لا يوصف. هناك شيء عميق يحدث داخلي.. شيء يشبه اكتمال دائرة. قبل سنوات، كنت أتابع المهرجانات عبر الشاشة، أحاول استيعاب معنى أن يقف ممثل على السجادة الحمراء. واليوم، هذه المشاهِد تحدث في مدينتي، وأكون جزءًا منها. جدة لم تعد مدينة فقط، بل أصبحت منصة للحلم العربي والسعودي، وهذا بحد ذاته حدث تاريخي.
ما الذكريات الأولى لكَ مع السينما أو الصورة في شوارع جدة؟
ذكرياتي الأولى مع السينما، فهي ليست مرتبطة بقاعة مظلمة أو شاشة كبيرة. بل بأزقة وشوارع مكة وجدة. كنت أراقب حركة الناس، والألوان، والضوء الذي ينعكس في حواري المدينة وعلى البحر، وأتساءل: لماذا تبدو بعض اللحظات أجمل من غيرها؟ كانت تلك التساؤلات أولى بذور شغفي بالصورة. قبل أن أمسِك كاميرا، كنت ألتقط اللقطات بعيني وأعيد ترتيبها في رأسي. من هناك بدأت علاقتي الحقيقية مع السينما.
من "فيلمر" إلى ممثل محترف
بدأت رحلتك عبر قناة "فيلمر" وتحليل الأفلام. كيف صاغت هذه المرحلة هويتك الفنية؟
تجربتي في "فيلمر" لم تكن مجرد قناة على اليوتيوب؛ كانت معملًا سينمائيًا. كنت أحلل الأفلام، لكن كان ذلك في الحقيقة تدريبًا على صناعة الأفلام أيضًا. تحليل المونتاج، والموسيقى، والإخراج، والأداء.. كل ذلك كوّن لدي فهمًا معمقًا للسينما.
كنت أعيش بين عالمين: عالم صانع المحتوى الذي يشرح الفيلم للمشاهد، وعالم الفنان الذي يتعلم من كل فيلم يمر أمامه.
ما اللحظة التي شعرت فيها أنك لم تعد مجرد صانع محتوى بل ممثل وصانع أفلام له مشروعه الخاص؟
التحول الحقيقي جاء عندما بدأت أسمع تعليقات من مخرجين وممثلين يقولون: "تحليلك للفيلم جعلني أرى عملي بطريقة جديدة". كانت تلك إشارة بأن مشروعي أكبر من مجرد محتوى.
ثم جاءت تجربة "شمس المعارف" التي أعدها نقطة التحول الكبرى. شعرت وقتها أنني عبرت الجسر من الحديث عن السينما… إلى أن أكون جزءًا منها. أن أختبر التمثيل بكل تفاصيله، وأن أفهم معنى أن تقف أمام الكاميرا لا خلفها. من "فيلمر" تعلمت لغة السينما، ومن التمثيل تعلمت عن نفسي الكثير.
التطور، والرؤية، والجيل الجديد
كيف تقيم تطور السينما السعودية اليوم مقارنة ببداياتك؟
إذا قسنا تطور السينما السعودية خلال السنوات الأخيرة، سنجد أنها لم تسِر بخطى طبيعية… بل بقفزات.
عندما بدأت العمل في هذا المجال، لم تكن البيئة واضحة كما هي اليوم. لم يكن هناك هذا الكم من الإنتاج، أو هذا الحضور على المستوى الإقليمي والعالمي. الآن نحن أمام صناعة تتشكل بسرعة، تتوافر فيها الفرص، وتُفتح فيها الأبواب أمام الأجيال الجديدة.
قلت إن «السينما السعودية ينتظرها مستقبل باهر». ما الذي يجعلك تؤمن بذلك؟
قلت سابقًا إن «السينما السعودية ينتظرها مستقبل باهر».. وما زلت مقتنعًا بذلك، لأننا نملك شيئًا يندر وجوده في الدول الأخرى: حكايات جديدة لم تُروَ بعد. العالم شاهد ملايين القصص من هوليوود وأوروبا وآسيا، لكنه لم يشاهد بعد قصصًا حقيقية من جدة، والرياض، والطائف، والأحساء.. من حياتنا اليومية، من ثقافتنا، من صراعاتنا وهواجسنا.
كأحد أفراد الجيل السينمائي الأول… ما الدور الذي تشعر أنك تؤديه ضمن هذا الحراك؟
أشعر أن دوري يتجاوز التمثيل. نحن جيل يسهم في بناء لغة سينمائية سعودية، في وضع معايير جديدة، في تقديم الصورة السعودية للعالم. لدينا مسؤولية بأن نقول شيئًا، لا أن نكرر ما قيل.
كيف تقرأ ذائقة الجمهور السعودي اليوم مقارنة بالأفلام الهوليوودية؟ وما أثر الجمهور على طريقة اختيارك للأدوار والنصوص؟
أما الجمهور السعودي اليوم، فقد تغيّر كثيرًا. أصبح أكثر وعيًا، أكثر طلبًا للجودة، وأكثر اهتمامًا بهوية العمل. الجمهور يريد محتوى يلامسه، لا نسخًا من أعمال أجنبية. وهذا يفرض عليّ كممثل مسؤولية اختيار أدوار أصيلة وصادقة، ونصوص تحمل روحًا لا مجرد أحداث.
اقرأ أيضًا: صدق الأداء يصنع الإلهام الفنان السعودي أحمد شعيب: أبحث عن الحقيقة في كل مشهد
مهرجان البحر الأحمر وتجربة "صيفي"
ماذا يمثل لك مهرجان البحر الأحمر بوصفك ابن المدينة وممثلًا وصانع أفلام سعوديًا؟
مهرجان البحر الأحمر ليس مجرد احتفالية سينمائية. هو فرصة للقاء العالم، للانفتاح على تجارب جديدة، ولعرض أعمال تحمل روح هذه الأرض. بالنسبة لي، كوني ابن هذه المدينة، أحمل تجاه المهرجان علاقة خاصة، أشعر أنه جزء من رحلتي، وأن نجاحه ينعكس مباشرة على مستقبل السينمائيين السعوديين.
كيف ترى أثر المهرجان في فتح الأبواب أمام السينما السعودية، أين نحن من العالمية؟
المهرجان فتح أبوابًا كنا بحاجة إليها. واليوم، نحن أقرب إلى العالمية من أي وقت مضى.
عندما شاركت بفيلم "صيفي" في الدورة الماضية، اكتشفت كيف يرى الجمهور الدولي الفيلم السعودي. كانت تجربة تعلمت منها الكثير، خصوصًا حول أهمية التواصل بين الصناعة المحلية والعالمية.
تعود هذا العام بفيلمك القصير "حارس التاريخ" ضمن فئة سينما سعودية جديدة، ما الذي تمثله لك هذه المشاركات؟ وما هو سقف طموحك من المهرجان؟
هذا العام أعود بفيلمي القصير "حارس التاريخ" ضمن فئة سينما سعودية جديدة، وهو عمل يحمل بصمتي كممثل وصانع أفلام. الفيلم يتناول علاقة الإنسان بالإرث والذاكرة، وكيف يمكن للحارس البسيط أن يصبح خط الدفاع الأخير عن تاريخ بأكمله. مشاركته في المهرجان خطوة مهمة في طريقي الفني، وطموحي أن يصل هذا الفيلم إلى مهرجانات عالمية أخرى.
تحديات المهنة وتوازن الفن والتجارة
تحدّثتَ عن «النصوص الضعيفة التي تفتقر للصدق والأصالة»… كيف تتعامل مع هذا التحدي بوصفك ممثلاً؟
النص هو الأساس. كثيرًا ما أواجه نصوصًا تفتقر للصدق أو العمق. عندما يحدث ذلك، أحاول إما تطوير النص مع الكاتب، أو الاعتذار عنه. لأن الممثل مهما كان موهوبًا لا يستطيع أن يعالج نصًا لا يحمل جوهرًا حقيقيًا. أحتاج إلى أن أفهم الشخصية: دوافعها، ضعفها، قوتها… وإذا لم أجد ذلك في النص، فلا يمكن أن أقدّم أداءً أقتنع به.
وأنت تعمل على فيلمك القصير الأول. أشرت إلى صعوبات التمويل، ما رسالتك للمستثمرين الراغبين في العمل بهذا القطاع؟
في تجربة إخراج فيلمي القصير الأول، اصطدمت بتحديات التمويل. وهذا طبيعي في صناعة ناشئة. رسالتي للمستثمرين واضحة:
هذا القطاع ليس مغامرة، بل فرصة استثمارية تتطور بسرعة.
العالم يتجه نحو دعم القصص المحلية، وهناك منصات ومستثمرون يبحثون عن محتوى جديد. الدخول الآن في الصناعة السعودية يعني أن تكون من أوائل المؤثرين فيها.
كيف تتعامل مع المعادلة الصعبة بين القيمة الفنية والنجاح التجاري؟ وهل اضطررت للتنازل لصالح السوق؟
المعادلة بين الفن والنجاح التجاري، من أصعب التحديات. أحيانًا يكون المشروع فنيًا بحتًا، وأحيانًا يجب مراعاة السوق. لكنني أحاول دائمًا ألا أفقد جوهر العمل. لم أتخذ قرارًا فنيًا يومًا بسبب السوق وحده، بل أوازن بين الاثنين. النجاح الحقيقي يأتي عندما تلامس العمل فنيًا ويصل في الوقت نفسه إلى الجمهور.
بين "كوبريك" والذكاء الاصطناعي
تحدّثت عن تأثير "ستانلي كوبريك" على رؤيتك للحياة قبل الفن. ما الذي جذبك في أعماله؟
تأثير ستانلي كوبريك عليّ لم يكن فنيًا فحسب بل فلسفيًا. في أعماله، أرى الحياة من خلال الصورة: أسئلة عن الوجود، الزمن، الإنسان. كوبريك يخلق عوالم دقيقة، كل عنصر فيها يؤدي وظيفة. وهذا ما جعلني أتعلم أن اللقطة ليست مجرد صورة، بل هي موقف، فكرة، حالة إنسانية.
هل تبحث، مثله، عن "الكمال" السينمائي؟ وهل يسبب ذلك ضغطًا عليك؟
هل أسعى للكمال كما يفعل؟ ربما. لكنني مؤمن بأن الكمال الحقيقي هو الصدق. أن تمنح الشخصية حقها، أن تعطي أفضل ما لديك. السعي للكمال جميل، لكن يجب ألا يتحول إلى عبء. اليوم أحاول أن أكون صادقًا مع كل مشروع أكثر من أن أكون "مثاليًا".
برأيك، هل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدًا للممثلين أم أداة يمكن أن تفيد الممثل والكاتب؟
الذكاء الاصطناعي موضوع شائك. البعض يراه تهديدًا، وأنا أراه أداة. لن يستبدل الممثل، لكنه سيغير شكل الصناعة. قد يُستخدم في بناء عوالم، تحسين عمليات الإنتاج، أو تحليل النصوص. المهم هو ألا نسمح له بأن يأخذ مكان "الروح" التي لا يمكن للآلة أن تمتلكها.
الأدوار والهوية
قلت في حوار سابق إنك تقوم بتجارب أداء في دول مختلفة. ما نوع الأدوار التي تبحث عنها؟
تجارب الأداء التي أقوم بها خارج السعودية نابعة من رغبة في النمو وتوسيع الحدود. أبحث عن أدوار تحمل صراعًا، تمزقًا داخليًا، شخصيات ذات عمق نفسي، أو رمزية. أحب الأدوار التي تختبر الممثل وتضعه في مواجهة مع نفسه قبل الكاميرا.
هل هناك دور عالمي (شخصية ما) تتمنى أداءها ذات يوم؟
الدور العالمي الذي أحلم به، ليس للجمهور بقدر ما هو لي شخصيًا. ربما شخصية تاريخية، أو دور لرجل يعيش أزمة وجودية، أو شخصية في عالَم خيالي يفتح الباب للابتكار. المهم أن يكون الدور صادقًا ومختلفًا.
الإنسان خلف الفنان
كيف يبدو يومك العادي بعيدًا عن الكاميرا؟
وراء الكاميرا، حياتي بسيطة جدًا. أستيقظ وأقرأ، أمضي وقتًا مع عائلتي، أشاهد الأفلام، أكتب، وأحاول أن أعيش يومي بسلام. أحب أن أبتعد أحيانًا عن الصخب لأتذكر لماذا بدأت هذا الطريق.
ما الدور الذي تقوم به عائلتك في رحلتك الفنية؟
عائلتي تؤدي دورًا كبيرًا في دعمي. وجود والدي الشاعر حسين عالم شكّل وعيي مبكرًا نحو الفن والكلمة والمعنى.
ما الهوايات التي تمنحك توازنك؟
هواياتي تتنوع بين السينما، والقراءة، والسفر، والبحث في الفنون. هذه الأشياء تمنحني توازنًا لا يمكن الاستغناء عنه.
ما الإنجاز الذي تحلم بتحقيقه خلال السنوات المقبلة؟
طموحي في السنوات القادمة أن أستمر في أعمال تحمل قيمة فنية، وأن أساهم في صنع سينما سعودية تصل إلى العالمية بجودة، لا بضجيج.
وكيف تتصور مستقبل السينما السعودية بعد 5 سنوات؟
مستقبل السينما السعودية بعد خمس سنوات أراه مستقبلًا مشرقًا. سنرى أفلامًا سعودية في مهرجانات مهمة، وسنشهد أسماء جديدة تصنع فرقًا. نحن في بداية الطريق فقط، وما ينتظرنا أكبر مما مضى.
البطاقة التعريفة:
• الاسم الكامل: براء حسين عالِم (Baraa Alem)
• المهنة: ممثل، مخرج، صانع محتوى سينمائي
• تاريخ ومكان الميلاد: مكة – 26 نوفمبر 1994
• الموطن: المملكة العربية السعودية
• التعليم: بكالوريوس الإعلام – جامعة الملك عبد العزيز بجدة
• الأسرة: ابن الشاعر السعودي حسين عالِم والمعلّمة إيمان جمعة
أبرز المحطات الفنية
• 2025 — مسلسل "شارع الأعشى" | دور سعد
• 2024 — فيلم "صيفي" | دور زرياب
• 2023 — فيلم "حوجن" | بدور حوجن
• 2022 — فيلم "سكة طويلة" | دور ناصر المهند
• 2020 — فيلم "شمس المعارف" | بدور حسام الخياط في أول ظهور سينمائي بارز
الأعمال القادمة
• فيلم قصير جديد قيد الإنتاج من إخراج وبطولة "إسماعيل الحسن" بعنوان "ظرف".
• فيلم رعب طويل قيد الإنتاج مع المخرج "هشام فقيه".
• مسلسل درامي ضخم على MBC في موسم رمضان 2026
Creative & Fashion Director- Jeff Aoun
Photographer / Norah Alamri
Fashion Stylist/ Rana Saba
Producer / Kawther Alrimawi
Assistant Producer / Ahmed Omar
