رئيس مجلس إدارة عطور لوتاه سلطان عبدالله: لكل عطر روح وذاكرة… الخليج اليوم ينافس العلامات العالمية
لم يكن العطر في حياة سلطان عبدالله، رئيس مجلس إدارة عطور لوتاه، مجرد مهنة أو منتج، بل تجربة إنسانية تشكلت منذ الطفولة، حين كان يراقب طقوس جدته في إعداد البخور، ويتعلم منها أن العطر ليس ما نحبه فحسب، بل هوية ومشاعر تحمل روحًا متصلة بالذاكرة والجذور.
في هذا الحوار مع الرجل، يؤكد سلطان عبدالله أن العطر معنى قبل أن يكون علامة، وحكاية قبل أن يكون صيحة. فمن الجدة إلى الوالدة، تبلور وعيه العطري على احترام الحِرفة والقيم، وهو ما ينعكس اليوم في رؤيته لصناعة العطور في الخليج، كصناعة قادرة، بأصالتها وثراء سردها المرتبط بالمكان، على الوقوف بثقة إلى جانب أبرز العلامات العالمية.
الجذور والإرث العائلي
ترتبط بدايات شغفك بالعطور بجدتك. كيف أيقظت هذه العلاقة المبكرة اهتمامك بالعطر، ليس كهواية بل كمسار حياة؟
أولى ذكرياتي مع العطر لا تنفصل عن جدتي. لم تعلمني فن صناعة العطور بمعناه التقني، بل علمتني كيف يحمل العطر المشاعر والذاكرة والحضور. كنت أراقبها وهي تُحضر البخور والروائح، ولم يكن ذلك مجرد عادة يومية، بل كان طقسًا متكاملًا. ومع مرور الوقت، أدركت أن العطر لم يكن مجرد شيء تحبه، بل لغة كانت تتحدثها بعفوية. هذا التعرض المبكر شكّل فهمي للعطر كشيء إنساني عميق، وتحول بشكل طبيعي من إعجاب إلى غاية ومسار حياة.
ما الأثر الإنساني أو القيمي الذي لا تزال تحمله معك من جدتك حتى اليوم، وينعكس على شخصيتك وقراراتك؟
علمتني الصبر، والنزاهة، واحترام الحِرفة والناس. كانت تؤمن بأن أي شيء يُصنع بعناية يحمل روحًا، ولا يزال هذا المبدأ يوجه كل قرار أتخذه حتى اليوم. سواء في القيادة أو الإبداع، أُقدر العمق أكثر من السرعة، والأصالة أكثر من الانسياق وراء الصيحات. تأثيرها يذكرني دائمًا بأن النجاح لا يُقاس بالنمو وحده، بل بالقيم التي نحافظ عليها في الطريق.
بدأ المشروع مع الجدة ثم ازدهر مع الأم، وكأن العطر في حياتك مرتبط بالعائلة وبالمرأة تحديداً. كيف انعكس هذا المسار الخاص على ذائقتك العطرية وعلى هوية عطور لوتاه؟
المرأتان الأهم في حياتي كان لهما دور أساسي في تشكيل إحساسي بالعطر وفي ملامح عطور لوتاه. فهمهما العميق، وحسهما الإنساني، وعلاقتهما القريبة بالروائح أثرت في طريقة إدراكي للتوازن والأناقة في صناعة العطور. واليوم تعكس عطور لوتاه هذا الامتداد؛ عطور تحمل قوة مع رقي، وتعبيرًا واضحًا مع ثبات. إنها علامة قامت على احترام التقاليد، والمشاعر، وفن الحكاية.
العطر كهوية وثقافة
العطر يتجاوز كونه تركيبة نفحات. ما المعاني التي يمثلها لك شخصياً؟ ولماذا تعتقد أن الإنسان ارتبط بالعطر منذ أقدم الحضارات؟
العطر بالنسبة لي هو هوية، وغالبًا ما يرتبط بالذاكرة. من خلاله نستعيد الأماكن، والأشخاص، واللحظات حتى بعد أن تمضي. منذ أقدم الحضارات، استخدم الإنسان العطر في الطقوس، وفي التداوي، وفي التعبير عن الذات، لأنه يخاطب اللاوعي مباشرة، ويتجاوز المنطق ليصل إلى المشاعر. ولهذا يبقى العطر خالدًا عبر الزمن؛ لأنه يربطنا بذواتنا وبجذورنا.
كيف تنظر إلى الذائقة العطرية في الخليج العربي؟ وما الذي يميزها عن مجتمعات أخرى من حيث العمق والجرأة والمكونات؟
الثقافة العطرية في الخليج العربي تتميز بعمقها ورقيها العالي. فهي تُقدر الغنى، وطول الثبات، والحضور الواضح، وغالبًا ما ترتكز على مكونات مثل العود، والعنبر، والمسك، والتوابل. وعلى عكس مدارس عطرية تميل إلى الخفة، تحتفي منطقتنا بالقوة والتعقيد. فالعطر هنا ليس مجرد إضافة، بل هو تعبير واضح وامتداد للهوية.
من الحِرفة إلى الريادة
من واقع تجربتك، كيف يمكن لحرفة تقليدية مثل العطور أن تتحول إلى مشروع ريادي ناجح؟ وأين يكمن الحد الفاصل بين الشغف والاحتراف؟
الشغف هو نقطة البداية، لكن الاحتراف هو ما يضمن الاستمرارية والنمو. تتحول الحرفة التقليدية إلى مشروع ريادي ناجح عندما يُدعَم الإبداع بهيكل واضح، وانضباط، ورؤية محددة. يجب احترام الحرفة وفي الوقت ذاته فهم متطلبات العمل، وعند هذا التوازن فقط يمكن لكليهما أن يزدهرا.
كيف تحافظ عطور لوتاه على توازن دقيق بين الأصالة الإماراتية والابتكار المعاصر في عالم سريع التغير؟
نبدأ كل ابتكار بسؤال واحد: ما القصة التي نريد روايتها؟ يمنحنا الإرث أصالتنا، فيما يتيح لنا الابتكار مخاطبة جمهور عالمي. نحن نحترم المكونات والأساليب التقليدية، لكننا نعيد تقديمها من خلال تركيبات معاصرة وتصميم حديث. هذا التوازن يسمح لنا بالبقاء متجذرين، مع الاستمرار في التطور.
اقرأ أيضًا: أدريان بوشارد رئيس ساعات رادو: المملكة قصة حب عمرها ستة عقود.. والشغف بصمتنا في كل ساعة نصنعها
الصناعة والمشهد التنافسي
هل ترى أن صناعة العطور في الخليج العربي باتت اليوم قادرة على الوقوف إلى جانب مدارس عريقة مثل المدرسة الفرنسية؟ وأين تتجلى نقاط القوة؟
نعم، بكل تأكيد. تمتلك منطقة الخليج اليوم مدرسة عطرية خاصة بها، متجذرة في ثراء المكونات الخام، والطقوس الثقافية، والبعد العاطفي العميق. تبرز نقاط قوتنا في القدرة على السرد، وفي غنى المكونات، وفي الفهم الطبيعي للتركيبات الجريئة. وبدل المنافسة عبر التقليد، يتمثل دورنا في صياغة روايتنا الخاصة وتقديمها بثقة على الساحة العالمية.
في سوق تنافسي ومتشبع، أين تتركز المنافسة الحقيقية في عالم العطور في منطقتنا؟ وهل لا تزال هناك فجوات يمكن البناء عليها؟
تتركز المنافسة الحقيقية في الأصالة. فالمستهلك اليوم أكثر وعيًا، ويبحث عن المعنى لا عن العلامة وحدها. ولا يزال هناك مجال لعلامات تقدم قصصًا صادقة، وحِرفة متقنة، واستمرارية في المستوى. الفجوة ليست في العدد، بل في العمق.
القيادة والإنجاز
في مسارك المهني، ما الإنجاز الذي تعدّه الأقرب إلى قلبك؟ وهل تشعر بالرضا عما تحقق حتى الآن؟ ولماذا؟
أقرب إنجاز إلى قلبي هو بناء علامة حافظت على جذورها، وفي الوقت نفسه استطاعت أن تنال ثقة تتجاوز الحدود. وصول عطور لوتاه إلى أشخاص يفهمون قيمها ويقدرونها يمنحني شعورًا عميقًا بالرضا. ومع ذلك، يبقى الرضا مؤقتًا دائمًا، فهناك الكثير مما لا يزال ينتظر الاكتشاف والتطوير.
الرؤية والمستقبل
كيف ترى مستقبل صناعة العطور في المنطقة خلال السنوات المقبلة، في ظل تغير الأذواق وصعود العلامات المستقلة؟
المستقبل واعد. فمع تحول الأذواق وازدياد حضور العلامات المستقلة، تتجه صناعة العطور في المنطقة نحو تنوع أوسع وتعبير أكثر نضجًا. هناك توجه متزايد نحو التجربة والابتكار، مع الاستمرار في الاستناد إلى الإرث. هذا التوازن هو ما سيرسم ملامح المرحلة المقبلة لصناعة العطور في الشرق الأوسط.
ما النصيحة الأهم التي تقدمها لرواد الأعمال الراغبين في دخول عالم العطور، بين الشغف والاستثمار؟
أنصح باحترام الحِرفة قبل السعي وراء السوق. التعلم العميق، والصبر، والبناء بوعي هي عناصر أساسية. فالشغف وحده لا يكفي، كما أن الاستثمار دون روح لا يصنع علامة تدوم. أكثر العلامات رسوخًا هي تلك التي توازن بين الاثنين.
البطاقة التعريفة
الاسم: سلطان عبدالله
المهنة: رجل أعمال - قيادي في قطاع العطور الفاخرة
المسمى الوظيفي: رئيس مجلس الإدارة – Lootah Perfumes.
الاهتمامات: يربط التراث بالحداثة، ويقدم العطر كـ "أرشيف حي للذاكرة"
