ياسر سعيدان بطل العالم في الراليات الصحراوية: الصحراء لا تُجامل… الفوز لمن يضبط إيقاعه على الرمال
ياسر سعيدان ليس اسمًا عابرًا في عالم الراليات. قبل أيام، تصدّر المشهد السعودي في رالي داكار 2026 بحلوله ثانيًا في الترتيب العام لفئة «تشالنجر»، مؤكّدًا حضوره بين نخبة المتسابقين المحترفين، في واحد من أطول سباقات العالم وأقساها. نتيجة جسّدت وعدًا قطعه قبل الانطلاق في حوار مع الرجل: إما الفوز، أو السعي إليه… دون أي خيار ثالث.
هذا الإنجاز يرسّخ مكانته كأحد أبرز الأسماء التي أعادت رسم صورة السائق السعودي في الراليات الصحراوية العالمية. لم يكن طريقه إلى منصات التتويج معتمدًا على السرعة وحدها، بل على مسار طويل من الصبر والانضباط والتحمّل، قاده إلى الفوز ببطولة العالم في ثلاث فئات مختلفة، وإلى نيل وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى كأول بطل عالم سعودي في اتحاد السيارات والدراجات النارية.
في حواره مع الرجل، يبتعد سعيدان عن لغة الأرقام، ويتحدّث عن الرالي بوصفه سباقًا مع النفس قبل أن يكون سباقًا مع الآخرين. يشرح كيف تعلّم أن التحكم بالذات أهم من الاندفاع، وأن الصبر شرط لاجتياز المراحل الصعبة، وأن الخسارة جزء من الطريق لا نهايته. وبين الأسرة، والصحراء، والطموح الذي لم يكتمل بعد، يقدّم رؤيته لمعنى الإنجاز الحقيقي: أن تُنهي كل مرحلة وأنت ما زلت قادرًا على مواصلة الطريق، مهما قست الظروف.
بدايات مبكرة وتحوّل
ما أول صورة تحتفظ بها في ذاكرتك عن السيارات أو الصحراء؟ ومتى أدركت أن هذا العالم قد لا يكون مجرد شغف عابر، بل مسار حياة؟
الصحراء هي جزء من ثقافتنا وارتبطت بنا كجزء من أسلوب حياتنا. بفضل الله عاش جيلنا في المدن والحضارة والتمدن، ولكن ذلك لم ينسنا أصلنا ولم يغير حبنا للصحراء، فأجدادنا عاشوا في الصحراء بوصفها موطنًا لهم، ولكن جيلنا الآن يرتبط بالصحراء في أجمل أوقات السنة وهو فصل الشتاء وهطول الأمطار ونمو العشب، فتبدو الصحراء بأجمل حليها.
اكتسبت مهاراتي في القيادة بالصحراء منذ الصغر لأني كنت أشاهد في التلفزيون الراليات، وأبهرت بأسلوب قيادتهم وسرعتهم في الصحراء، ومع الوقت والممارسة اكتسبت خبرة، وأدركت أن عالم الراليات أصبح مسار حياة بالنسبة لي بعد حصولي على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى.
ما أول سيارة قدتها؟ وما الإحساس الذي تركته فيك، ولا يزال حاضراً حتى اليوم؟
لا أذكر أول سيارة قدتها؛ لأنني منذ صغري كنت أقود مختلف المحركات. كان لديّ حب استطلاع وشغف للتعرّف إلى أي آلة تعمل على عجلات. قدت محراثًا زراعيًا، وقُدت شاحنات ورافعات، وغيرها الكثير. كنت أحب أن أفهم كيف تعمل كل مركبة، وكيف تُقاد، أيًّا كانت، كلما صادفتني.
بدأت مسيرتك في سباقات الدراجات النارية قبل الانتقال إلى السيارات. ما الذي قادك إلى هذا التغيير؟
بدأت الراليات في السعودية عام 2006 مع انطلاق رالي حائل، وكانت في ذلك الوقت مقتصرة على السيارات فحسب، ولم يُفتح المجال لمشاركة الدراجات النارية إلا في عام 2012. وكنت حينها قد اتخذت قرار التحوّل إلى السيارات وبدأت في الاستعداد والتجهيز. ومع الأسف، لم تكن الدراجات النارية تحظى بالاهتمام نفسه الذي تناله السيارات، إذ كان التركيز الأكبر موجّهًا دائمًا نحو سباقات السيارات.
قرار وإصرار
هل تتذكر لحظة قال لك فيها أحدهم: "هذا الطريق صعب… اختر غيره"؟ وكيف أثّرت تلك اللحظة في إصرارك أو خياراتك لاحقاً؟
هذا الكلام كنت أسمعه دائماً بأساليب مختلفة خلال مسيرتي، لكن منذ بداية مشواري رسمت مساراً واضحًا لي أطمح لتحقيقه، فلا أهتم ولا أستمع لأي كلام محبط. لدي قناعة أن من حق الإنسان أن يحلم وأن يسعى لتحقيق أحلامه، وقد حققت -ولله الحمد- الجزء الأكبر من أحلامي، وحصلت على أشياء لم أتخيل أني سأحصل عليها، وهذا من فضل رب العالمين.
ما أول ثمن حقيقي دفعته مقابل اختيارك هذا الطريق؟ وهل كنت تدرك حجمه حينها؟
مع انطلاق الراليات، تغيّر مسار حياتي تمامًا؛ لم أعد ياسر الذي كنت عليه قبلها. بذلت الكثير من وقتي ومالي وحياتي الاجتماعية، فقد أخذت الراليات الكثير مني دون أن أدرك ذلك قبل أن أخوض غمار هذه المسيرة الحافلة بالتعب والإنجازات.
هل مررت بلحظة فكرت فيها بجدية أن هذا المجال لا يستحق الاستمرار فيه؟ وما الذي أعادك إلى السباق؟
لا، لم أفكر لحظة في ترك الراليات، بل على العكس، كنت دائمًا أفكر في كيفية تعزيز مسيرتي وزيادة نجاحاتي في هذا المجال.
ما القرار الأصعب الذي اتخذته في مسيرتك حتى الآن، حتى لو لم يره أحد ولم يظهر في النتائج؟
قررت التوقف عن المشاركة في فئة ULTIMATE والعودة للمنافسة في فئة SSV، بهدف الفوز ببطولة العالم فيها. جاء هذا القرار بعد أن أضاف الاتحاد الدولي للسيارات فئة جديدة، حيث كنت قد فزت سابقًا ببطولة العالم في فئتين من أصل ثلاث فئات، وبإضافة الفئة الجديدة أصبحت المنافسة على أربع فئات. كان قرارًا صعبًا أن أهبط إلى فئة أقل، لكن هدفي منذ بداية مشواري كان الفوز بجميع فئات السيارات، والحمد لله استطعت أن أحقق ذلك.
داكار كاختبار إنساني
رالي داكار ليس سباق سرعة فقط. ما الذي يختبره في الإنسان قبل مهارته كسائق؟
رالي داكار لا يعتمد على سرعة السائق للفوز، بل على قوة تحمله للمراحل الصعبة والطويلة والحفاظ على السيارة بدون أعطال. فرغم التطور الذي وصل له مصنعو سيارات الرالي، لجهة قوة تحمل سياراتهم للتضاريس الصعبة، إلا أنها في نهاية المطاف تبقى آله لها حد للتحمل. والمنظمون لرالي داكار يسعون كل عام لجعل المسار أصعب من الدورة السابقة، لذلك يواجه المتسابق صعوبات كثيرة مثل التضاريس والمسافات الطويلة والقيادة طوال النهار بشكل يومي وأحيانا بالليل وبمختلف الأجواء، ففي داكار كل يوم يكون الجو مختلفًا، إما باردًا أو حارًا، أو معتمًا أو ممطرًا، كذلك لا يكون مستوى الغبار ثابتًا.
ما اللحظة التي شعرت فيها أنك تواجه نفسك، لا الصحراء ولا المنافسين؟
أنا أعتبر رالي داكار سباقًا مع النفس؛ فالمراحل ليست مجرد منافسة بين المتسابقين. للفوز في داكار، يجب أن تتحكم بنفسك، وأن تتجنّب الاستعجال، وأن تتحلّى بالصبر دون الانشغال بالنتيجة، لأن النتائج تتغير يوميًا، ومن يفقد السيطرة على نفسه سيخسر بالتأكيد.
في مشاركتك في داكار على أرض السعودية، ما الهدف الشخصي الذي وضعته لنفسك قبل الانطلاق؟
الفوز برالي داكار في فئة تشالنجر (CHALLENGER)، فأنا، ولله الحمد، سبق أن حققت بطولة العالم في ثلاث فئات مختلفة، ولكن لم أفز برالي داكار، وأسعى لتحقيق ذلك.
اقرأ أيضًا: الطيار السعودي عبدالله القبلان: أخفيت شغفي 15 عامًا.. واليوم أُحلّق مع الأخضر في بطولات العالم
الإنجاز ومعناه
اليوم، وبصدق كامل: هل أنت راضٍ عمّا قدمته حتى الآن؟ ولماذا؟
بالتأكيد، ولله الحمد، لقد حققت إنجازات لم يسبق لأي شخص في التاريخ تحقيقها، حيث فزت ببطولة العالم للراليات الصحراوية كروس كونتري (RALLY RAID) في ثلاث فئات من أصل أربع: SSV، CHALLENGER، STOCK، كأول سائق في تاريخ الكروس كونتري يحقق هذا الإنجاز. كما نلت وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى، كأول بطل عالمي سعودي في اتحاد السيارات والدراجات النارية.
متى تغيّر مفهوم "الإنجاز" لديك من نتيجة أو مركز إلى تجربة ومعنى أعمق؟
بعد حصولي على وسام الملك عبدالعزيز تغيرت أشياء كثيرة عندي، وأصبح الإنجاز لدي له معنى، وكل جهد له تقدير.
كيف يتعامل ياسر سعيدان مع الخسارة اليوم مقارنة ببداياته؟
أتعلم منها وأسعى لمعرفة الأسباب والعمل على تفاديها و تحسين أدائي.
الأبوة والحياة الخاصة
أنت أب لعدد من الأبناء، كيف تشرح لهم طبيعة المخاطرة التي تعيشها دون أن تزرع الخوف؟
الحمد لله، هم مطلعون على كل تفاصيل حياتي ويعلمون المخاطر، لكن التحدّي الأكبر عندي يكون مع والديّ، فهما من أواجه معهما المخاوف في كل مرة أشارك بها في الرالي، بل في كل مرحلة من مراحله. والوالدة تبقى قلقة عليّ طوال اليوم، تتابع أخبار الرالي، ولا تطمئن إلا بعد أن أتصل بها صوتًا وصورة.
بعد هذه المسيرة الشاقة، كيف تنظر إلى فكرة أن يسير الآخرون، أو حتى أبناؤك، على خطاك في عالم الرالي؟
الطريق في الرالي ليس سهلًا، وفيه معاناة كبيرة ويحتاج إلى دعم وصبر للاستمرار، لذلك لا أقدّمه كحلم جاهز لأي شخص. لكنني في المقابل لا أؤمن بحرمان أحد من شغفه. مع أبنائي، لا أفرض عليهم طريقًا، ولا أمنعهم من رياضة يحبونها، بل أشجّعهم على الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية. التجربة حق، لكن الاستمرار قرار، ومن يختاره يجب أن يكون مستعدًا لما يتطلّبه قبل أن يستمتع به.
ما الدور الذي للمرأة في حياتك في خلق هذا التوازن بين المغامرة والاستقرار؟
الرياضات الخطرة، تحتاج إلى دعم الأسرة بشكل كامل: الوالدين والإخوة والأخوات والزوجة، والشخص الممارس لها يحتاج إلى هذا الدعم النفسي لرفع عزيمته من أجل الاستمرار.
السرعة بين المهارة والتهور
ماذا تعني لك السرعة اليوم؟ هل ما زالت إثارة، أم أصبحت لغة تفكير؟
السرعة هي فن، يحتاج الى مهارة وبيئة مخصصة لممارسته، وبغير ذلك يعد تهورًا.
متى تشعر بالسلام بعيداً عن المحركات والصحراء؟
في المنزل أمام شاشة التلفزيون، حين أجلس لأشاهد المسلسلات، وكذلك في العمل وفي التجمعات العائلية.
ما الذي تتعلمه من الصحراء، ولا يمكن أن تتعلمه في أي مكان آخر؟
الصحراء تعلمك الصبر وسرعة البديهة والقدرة على التكيف مع تغير التضاريس والأجواء. السائق لا بد له أن يتكيف مع الأجواء التي يعيش فيها، كذلك تعلمك عظمة خلق الله وقوته.
السعودية والمستقبل
برأيك، ما الذي يحتاج إليه المتسابق السعودي الطموح اليوم أكثر: المال أم الدعم أم الجرأة أم الصبر؟
المال هو العامل الحاسم، لأن رياضة المحركات من أكثر الرياضات تكلفة في العالم، وكل ما يحيط بها يعتمد على الإمكانيات المادية. لكن عندما يتوافر هذا الدعم، تأتي بعدها الجرأة والصبر والعمل الجاد لتحويل الفرصة إلى نجاح.
كيف انعكست التحولات التي تعيشها المملكة على واقع رياضة السيارات، من وجهة نظرك كسائق عاش المرحلتين؟
الفرق بين المرحلتين كبير جدًا. عشتُ فترة لم يكن فيها اتحاد للسيارات والدراجات النارية، وعانينا خلالها كثيرًا لأن رياضة المحركات كانت ممنوعة، ولم يكن لها أي إطار رسمي. اليوم نعيش مرحلة ازدهار وتطور حقيقي؛ فالسعودية تستضيف أقوى السباقات على مستوى العالم، وأصبحت من أفضل الدول في تنظيم واستضافة البطولات الدولية، حتى إنها حصدت جوائز من الاتحاد الدولي للسيارات تقديرًا لجودة التنظيم والاستضافة.
كل هذا تحقق بفضل الله، ثم بفضل خادم الحرمين الشريفين وحرصه على دعم الشباب والرياضة في المملكة، وبفضل سمو ولي العهد محمد بن سلمان الذي رفع مستوى الرياضات والاستضافات والرياضيين في السعودية، وحرص على أن نكون وجهة للعالم وأجمل مكان لمختلف الفعاليات الرياضية.
بعد كل ما عشته، كيف ترى نفسك بعد خمس سنوات؟ وأين تريد أن تكون قصتك قد وصلت؟
ما زال أمامي هدفان أساسيان من قائمة أحلامي. الأول هو الفوز ببطولة العالم للراليات الصحراوية (كروس كونتري) في فئة ألتيميت (ULTIMATE)، وبذلك أكون قد حققت الفوز في جميع فئات السيارات. أما الهدف الثاني، فهو الفوز برالي داكار، وهو حلم كبير أسعى إليه بكل تركيز.
البطاقة التعريفة
الاسم: ياسر سعيدان
الميلاد: 11 يناير 1977 في الرياض، السعودية
الهوايات: قيادة الراليات، والسفر، واستكشاف الطبيعة
العائلة: أب لخمسة أطفال
المهنة: سائق رالي ومستثمر في القطاع العقاري والتجاري
الدراسة: دبلوم تسويق + دبلوم برمجة وتحليل نظم
مشاركاته وإنجازاته في الراليات:
2026
حلّ وصيفًا في المركز الثاني برالي داكار ضمن فئة CHALLENGER، مسجّلًا أحد أبرز الإنجازات السعودية في هذه الفئة المتقدمة.
2025
فاز بخمس مراحل في رالي داكار ضمن فئة CHALLENGER، مؤكّدًا تطوره التنافسي وقدرته على مجاراة نخبة السائقين عالميًا.
2024
تُوّج ببطولة العالم للراليات الصحراوية (كروس كونتري) في فئة SSV.
صعد إلى منصة التتويج في رالي داكار ضمن فئة SSV، محققًا المركز الثالث بعد أداء قوي وانتصارات في مراحل متعددة.
2021
حقق المركز الثاني في بطولة العالم للباها، مواصلًا حضوره القوي في بطولات الطرق الوعرة العالمية.
2020
أنهى رالي داكار في المركز التاسع على الترتيب العام، في أحد أصعب نسخ السباق.
2017
فاز ببطولة العالم للراليات الصحراوية (كروس كونتري) في فئة T2، ليعزّز مكانته بين أبطال الفئات الإنتاجية.
2016
حقق المركز الثالث في رالي داكار ضمن فئة T2، ليصبح أول سائق سعودي يصعد منصة التتويج في رالي داكار.
2013
تُوّج ببطولة العالم للراليات الصحراوية في فئة T3، بعد بدايات واعدة في هذه الفئة.
2012
بدأ مشاركاته الرسمية في الراليات ضمن فئة T3، وكان من أوائل السائقين السعوديين الذين نافسوا في هذه الفئة.
تكريمات
حصل على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى، بصفته أول بطل عالم سعودي في اتحاد السيارات والدراجات النارية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Creative & Fashion Director: Jeff Aoun
Photographer: Norah Alamri
Fashion Stylist: Ninorta Malke
Producer: Kawther Alrimawi
Make Up Artist: Haneen Khoj
Camera Assistant: Adam Alrahal
Camera Assistant: Abdulaziz Alnour
Editor: Ali Sadalh
