خبيرة الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي د. فاطمة بنت مرضي الحربي: القمة ليست نهاية الطريق، بل بدايته والعطاء يبدأ من حيث نشأت
أول سعودية تُتوَّج بلقب أفضل امرأة في العالم في الأمن السيبراني لعامين متتاليين
بعد أن تُوِّجت بلقب أفضل امرأة في العالم في الأمن السيبراني لعامين متتاليين (2024 و2025)، واختيارها سفيرة للمملكة العربية السعودية في المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول، تواصل الدكتورة فاطمة الحربي ترسيخ حضورها كأحد أبرز الأسماء السعودية المؤثرة في المشهد التقني العالمي. تعمل الدكتورة فاطمة الحربي اليوم إلى جانب نخبة من الخبراء الدوليين على تطوير أطر حوكمة تقنية تُعيد تعريف العلاقة بين الابتكار والأمان، وهي تمثل المملكة في المحافل العالمية، من خلال الجمع بين العمق البحثي، والمسؤولية الوطنية، والرؤية المستقبلية.
في البداية.. عرفينا بنفسك؟
باحثة وأكاديمية في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، أعمل على تسخير البحث العلمي والعمل الاستشاري لتعزيز التقنية المسؤولة وحماية البنى الرقمية، وأوْمن بأن التقنية رسالة تتجاوز الأدوات، لذا أكرس جهودي لبناء مبادرات ترفع الوعي وتمكن الكفاءات، سعيًا لتحقيق أثر واقعي ومستدام يخدم أمن المجتمع.
الأمن السيبراني والحضور العالمي
الأمن السيبراني بحر واسع، ما هي القضية التقنية التي تشغل بالكِ حاليًا وتعملين على إيجاد حلول لها؟
تتركز اهتماماتي البحثية الحالية حول "أمن الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي المسؤول"، مع التركيز على حماية البنى التحتية والمدن الذكية. وانطلقتُ من التشفير وأمن البيانات وصولًا إلى تطوير حلول عملية تعتمد على القياسات الحقيقية، لضمان موثوقية هذه الأنظمة وقابليتها للمساءلة، بما يتماشى مع الأولويات الوطنية للمملكة العربية السعودية وتطلعاتها العالمية.
حصدتِ عددًا من الجوائز والألقاب العالمية، أبرزها لقب "أفضل امرأة في العالم في الأمن السيبراني" لعامين متتاليين. ماذا تعني لكِ هذه التكريمات؟
بحمد الله سبحانه وتعالى أولًا وأخيرًا، كان الشعور مزيجًا من الامتنان والخشوع والفخر الهادئ. استحضرتُ رحلة طويلة من الجهد والتحديات غير المرئية، ولم أتعامل مع هذه الجوائز والألقاب كإنجازات شخصية بقدر ما هي مسؤولية وثقة. فقد حصلت على جائزة المرأة المتميزة وجائزة شقائق الرجال، وتم اختياري ضمن أفضل 40 شخصية عالمية شابة في مجال الأمن السيبراني، إضافة إلى إدراجي في قوائم عالمية مرموقة. بالنسبة لي، كل تكريم هو شهادة على مسار طويل من العمل والالتزام، ورسالة تمثّل وطني والمرأة السعودية، وتؤكد أن الاستمرارية في العطاء لا تقل أهمية عن الوصول.
جرى اختياركِ سفيرةً للمملكة في المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول، كيف تنظرين إلى أهمية هذا الدور، وما الذي تمثّله لكِ هذه المسؤولية وطنيًا وعالميًا؟
أرى هذا الدور مسؤولية وطنية تعكس الثقة العالمية بالكفاءات السعودية، ودور المملكة في قيادة الذكاء الاصطناعي المسؤول. ومن خلال عملي ضمن لجنة عالمية، أسهمت في إعداد إطار دولي أُعلن في «دافوس 2026» لترسيخ الاستخدام الآمن والخلقي للذكاء الاصطناعي، إلى جانب العمل على تأسيس الفرع السعودي للمجلس لتعزيز الأثر المؤسسي محليًا. وعلى المستوى الشخصي، يمثل هذا الدور رسالة عن حضور المرأة السعودية في مواقع صنع القرار عالميًا.
ثقة الأسرة ودعم المشرفين
في مسيرتكِ الأكاديمية والمهنية، من كان أول داعم آمن بقدرتكِ على خوض مجال الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي رغم تحدياته وقلة الحضور النسائي؟
كان الدعم الأسري هو الركيزة الأولى في رحلتي، إذ منحتني عائلتي ثقة حقيقية لبناء ذاتي والتعلّم دون خوف، وأكاديميًا وجدت دعمًا من أساتذة ومشرفين آمنوا بقيمة البحث الجاد وجودة الفكرة بعيدًا عن الصور النمطية، ما رسّخ لدي قناعة بأن التميز العلمي لا يحده جنس أو مجال.
ما هو التحدي التقني أو المهني الأصعب الذي واجهكِ خلال مسيرتكِ البحثية، وكان كفيلًا بأن يجعلكِ تتراجعين، لكنكِ أصررتِ على تجاوزه؟
تتمثل أصعب تحدياتي البحثية في مواجهة غياب النتائج الفورية ونقص البنية التحتية المتخصصة، وهو تحدٍّ كاد يدفعني للتراجع لولا الإيمان بقيمة البحث العميق. ورغم تعقيد المسار، استمددت الإصرار من النهضة البحثية للمملكة؛ حيث أسهمت مبادرات "هيئة البحث والتطوير والابتكار" ومنحها، وبرامج "الهيئة الوطنية للأمن السيبراني" النوعية، ومعسكرات "سدايا" المتخصصة، في تحويل هذه الصعوبات إلى فرص مكنتني من الاستمرار وتطوير قدراتي البحثية بما يتماشى مع التطلعات الوطنية.
المرأة السعودية وبيئة العمل
كيف تقيّمين واقع تمكين المرأة في الجامعات السعودية اليوم؟
شهدت الجامعات السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا في تمكين المرأة أكاديميًّا وإداريًّا وقياديًّا، واليوم لم يعد دور المرأة الجامعية مقتصرًا على التدريس أو البحث، بل أصبحت حاضرة في مواقع اتخاذ القرار، وفي قيادة الوحدات الأكاديمية، والبرامج، والمبادرات المؤسسية، وهو ما يعكس تغيرًا حقيقيًا في الثقافة الجامعية نحو تقييم الكفاءة والإنجاز قبل أي اعتبارات أخرى، وأعتقد أننا بدأنا حقًا نلمس ثمار هذا التمكين داخل الجامعات السعودية.
رُشحتِ لفرص عمل في شركات عالمية لكنك اخترتِ العودة إلى المملكة.. ما السبب؟
عدتُ إلى أرض الوطن مدفوعةً بقناعة راسخة بأن العطاء الحقيقي يبدأ من حيث نشأت؛ فبرغم الفرص العالمية في كبرى شركات التقنية مثل Google وMicrosoft وMETA، اخترتُ توظيف خبراتي للمساهمة في تحقيق رؤية المملكة 2030. إن إيماني بأن قيمة النجاح تكمن في الأثر المجتمعي هو ما يقودني اليوم لمواصلة رحلة الابتكار والتحول التقني بكل شغف، وفاءً لوطنٍ منحني الكثير.
اقرأ أيضًا: رائدة اليوغا السعودية نوف المروعي: التوازن يبدأ من الداخل.. وطموحي أن تدخل اليوغا كل بيت
إدارة الوقت… بمعادلة إنسانية
بالانتقال إلى الجانب الشخصي، كيف تنجحين في إدارة "خوارزمية" وقتك بين مسؤولياتك المهنية ودوركِ كأم، وكيف تنعكس الأمومة على توازنكِ اليومي؟
العائلة تأتي دائمًا في المقام الأول، وأتعامل مع الوقت كمورد ثمين يحتاج إلى تحديد أولويات واضح ومرونة أكثر من البحث عن الكمال. ألتزم بمبدأ 8-8-8 بين العمل والنوم والحياة الشخصية، وأحرص على حضور حقيقي مع بناتي. فالأمومة تمنحني طاقة وصبرًا وتنظيمًا ينعكس إيجابيًّا على عملي، وبناتي مصدر إلهامي وتوازني الحقيقي، كما أن الأمومة بالنسبة لي ليست عائقًا، بل مصدر قوة وتنظيم وسلام نفسي.
هل تشارككِ بناتكِ اهتماماتكِ التقنية، وكيف تشرحين لهن طبيعة عملكِ المعقّد بلغة قريبة من عالمهن؟
أرى في طموح بناتي وتطلعهن لأن يصبحن عالمات دافعًا أكبر للعطاء؛ فغرس قيمة العلم فيهن جزء من رسالتي. أحاول تبسيط ما أعمل عليه لهن بلغة قريبة من عالمهن، وأوْمن بأن الحضور النوعي في المنزل هو ما يمنحني الطاقة للإبداع في عملي، ويحوّل مسؤولياتي اليومية إلى أثر أرجو أن يمتد لهن وللوطن.
في ظل ضغوط العمل وتعدد المسؤوليات، كيف تستعيدين توازنكِ النفسي؟ وما الرسالة التي توجهينها لكل أم طموح تخشى أن يسرقها النجاح المهني من أسرتها؟
أوازن ضغوط عملي بالتنظيم الذكي والابتعاد عن الصراعات الجانبية، وأستعيد طاقتي بالتقرب إلى الله والصلاة، فهي منبع طمأنينتي. أجد في البحر ملاذًا لصفاء ذهني، وفي السفر وجمعات الأهل والأصدقاء مكافأة تسعدني، وهذا المزيج بين الروحانية والترويح عن النفس يمنحني الثبات والحماس.
ورسالتي لكل أم طموح أن العائلة أولًا وأخيرًا، والطموح الحقيقي يمكن توجيهه دون المساس باستقرار البيت؛ فالأم القوية تصنع توازنها الخاص، وتزرع أعظم إنجازاتها في قلوب أبنائها.
القمة بداية وليست نهاية
بعد الوصول للقمة العالمية، ما هو الحلم القادم الذي تسعى الدكتورة فاطمة الحربي لتحقيقه على أرض الواقع؟
أوْمن بأن الوصول للقمة ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمسؤولية أكبر؛ لذا فإن حلمي القادم هو تأسيس مركز بحثي وطني رائد يجمع نخبة الكفاءات من داخل المملكة وخارجها، لنصنع معرفة حقيقية ونطور حلولًا متقدمة في الذكاء الاصطناعي المسؤول والأمن السيبراني، سعيًا لترك أثر مستدام يخدم وطني ويُعزز ريادته العالمية.
البطاقة التعريفة
الاسم: د. فاطمة بنت مرضي الحربي
مكان وتاريخ الميلاد: جدة – 6 أكتوبر 1986
الحالة الاجتماعية: متزوجة ولها ابنتان
الهوايات: السباحة، القراءة، الطبخ، الألعاب الإلكترونية
الدراسة: دكتوراه في علوم الحاسب الآلي من جامعة University of California, Riverside تخصص الأمن السيبراني
أبرز الإنجازات
أفضل امرأة في العالم في الأمن السيبراني لعامي 2024 و2025
ضمن أفضل 40 شخصية عالمية شابة في مجال الأمن السيبراني
حاصلة على جائزة المرأة المتميزة وجائزة شقائق الرجال
أدوار ومناصب
أستاذة جامعية وباحثة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي
سفيرة المملكة في المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول
عضو لجنة دولية لصياغة أطر الذكاء الاصطناعي المسؤول
