دراسة جديدة تكشف لغز الجلطات الدموية بعد التطعيم بلقاح كورونا
نجح فريق دولي من العلماء في أستراليا وكندا وألمانيا، في تقديم إجابة علمية حاسمة حول اللغز الذي رافق ظهور جلطات دموية نادرة وخطيرة، في أجزاء غير معتادة من الجسم لدى عدد محدود من الأشخاص، وذلك بعد أشهر من انطلاق حملات التطعيم العالمية باستخدام لقاحات كورونا.
ووفقًا لما نشره موقع ذا كونفرسيشن، كشفت الدراسة أن هذه الجلطات الخطيرة ارتبطت حصريًا بنوع معين من اللقاحات، وهي التي تعتمد على تقنية "الفيروس الغدي" أو "الأدينوفيروس".
ويعمل هذا الفيروس في اللقاح كـ "وسيلة نقل" أو "ناقل فيروسي"؛ حيث يتم تعديله مخبريًا ليكون غير ضار، وتتركز مهمته فقط في حمل شفرة وراثية من فيروس كورونا وتسليمها لخلايا الجسم لتحفيز المناعة، كما هو الحال في لقاح "أسترازينيكا".
وأكد العلماء أن استخدام هذا الناقل الفيروسي، هو العامل المشترك الذي أدى لنشوء تلك الجلطات الغامضة لدى فئة محدودة من الأشخاص.
آلية تكون جلطات لقاح كورونا
أطلق الباحثون على هذه الحالة اسم "نقص الصفائح الدموية والتخثر المناعي الناجم عن اللقاح" (VITT)، وتحدث عندما يشن الجهاز المناعي هجومًا خاطئًا على أحد بروتينات الجسم الطبيعية الذي يسمى "Platelet Factor 4".
وبينما تعد الأجسام المضادة التي تتعرف على هذا البروتين جزءًا من الاستجابات المناعية الطبيعية، إلا أن الأجسام المضادة التي تتطور في حالات "VITT" تكون "لزجة" بشكل غير طبيعي؛ حيث تلتصق بقوة ببروتين "Platelet Factor 4"، وتجذب جزيئات عديدة لتشكل تجمعات بروتينية ضخمة تُعرف باسم "المجمعات المناعية"، مما يؤدي في النهاية إلى تشكل جلطات دموية تهدد الحياة.
وعمل الفريق البحثي، الذي ضم ريتشارد بوكا وسامانثا مونتاجو من جامعة برمنغهام، لسنوات على دراسة بيولوجيا هذه المتلازمة، مع التركيز على كيفية تنشيط هذه الأجسام المضادة للصفائح الدموية.
وكان السر يكمن في كيفية تحفيز التطعيم لتكوين هذه الأجسام، وهو ما كشفته الدراسة عبر فحص 100 مريض بمتلازمة "VITT" من مختلف أنحاء العالم.
أسباب حدوث تجلط بعد لقاح كورونا
لعبت المصادفة دوراً محورياً في هذا الاكتشاف، حيث تبين أن اثنين من المرضى كانا قد تبرعا بالدم في السابق، مما أتاح فحص عينات أُخذت منهما قبل تلقي لقاحات كورونا، كانت مخزنة في ثلاجات خدمة الدم الألمانية.
وأثبتت النتائج أن الأجسام المضادة المتورطة في "VITT" تبدأ في الأصل كأجسام مضادة تتعرف على بروتين فيروسي يسمى (Protein VII)، والذي يُرجح أنه نتاج ذاكرة الجهاز المناعي من إصابات سابقة بفيروسات "الأدينوفيروس" الشائعة في الطفولة، والتي تسبب أعراض الرشح البسيطة.
وأوضح الباحثون أنه في الحالة الطبيعية، يقوم الجهاز المناعي بإجراء تعديلات بسيطة على أسلحته (الأجسام المضادة) لتصبح أكثر قوة في مواجهة الأمراض.
لكن في حالات المصابين بجلطات لقاحات كورونا، رصد العلماء تحولاً مفاجئًا وغير متوقع؛ حيث طرأ تغيير دقيق جدًا على هذه الأجسام المضادة، جعلها، وبدلاً من محاربة الفيروس، تلتصق ببروتينات الدم في الجسم بقوة هائلة مسببة التجلط.
وتؤكد الدراسة أن هذا الخلل النادر لا يحدث إلا عند اجتماع عاملين معاً: الأول أن يكون الشخص حاملاً لصفة جينية نادرة في جهازه المناعي منذ الولادة، والثاني أن يقع ذلك التغيير العشوائي المفاجئ في خلاياه أثناء استجابتها للقاح.
وهذا التفسير العلمي يفك لغز ندرة هذه الحالات، إذ من الصعب جدًا أن يجتمع هذان العاملان لدى شخص واحد في وقت واحد.
ويعد هذا الاكتشاف حيويًا لتطوير لقاحات كورونا واللقاحات المستقبلية المعتمدة على "الأدينوفيروس" لتجنب هذا التفاعل المناعي، خاصة وأن هذه التقنية تظل أداة أساسية ومنخفضة التكلفة لمواجهة الأوبئة، كما يساعد في فهم حالات مشابهة لـ "VITT"، تظهر أحيانًا نتيجة عدوى فيروسية طبيعية، أو تسبب جلطات متكررة وسكتات دماغية لدى حديثي الولادة.
