بين الحقيقة والمجاملة.. لماذا يعزز الكذب الإيجابي الروابط الإنسانية؟
يترعرع كثيرٌ منا على معادلة أخلاقية راسخة مفادها أن الصدق فضيلة والكذب رذيلة، وأن طريق العلاقات الإنسانية السليمة يمرّ حتماً عبر الحقيقة كاملةً غير منقوصة.
غير أن جسماً متنامياً من أبحاث علم النفس بات يُقدّم صورة أكثر تعقيداً لهذه المعادلة، وهو ما خلصت إليه دراسات نُشرت في دوريات علمية من بينها Journal of Personality and Social Psychology.
يُفرّق الباحثون بين نوعين من الكذب: كذب يخدم المتكلم، وكذب يخدم الطرف الآخر.
وهذا الأخير هو ما يُطلق عليه الباحثون "الكذب الإيجابي"، وهو قول غير صحيح تكون النية الأولى فيه وقاية المخاطَب من أذى عاطفي لا مبرر له.
ومن أبرز تجلياته اليومية: مدح تسريحة شعر لا تعجبك، أو طمأنة زميل قلق قبيل عرض مهني، أو إخبار أحد أفراد العائلة أن هديّته كانت ما تتمنى.
أثر الكذب الإيجابي على بناء الثقة
كشفت دراسة في دورية Journal of Personality and Social Psychology أن الناس يكذبون في نحو واحدة من كل خمس تفاعلات اجتماعية، ونسبة ملحوظة من هذه الأكاذيب تصبّ في مصلحة المخاطَب لا المتكلم.
وجاءت دراسة نُشرت في دورية Organizational Behavior and Human Decision Processes لتُقلب الحدس الشائع رأساً على عقب، إذ وجد الباحثون أن الكذب الإيجابي أفضى إلى ارتفاع مستوى الثقة بين الأطراف، فما يستجيب له الناس ليس الصدق في حدّ ذاته، وإنما النية الحسنة.
وعام 2022، عزّزت مراجعة شاملة في دورية Current Opinion in Psychology هذا الاتجاه، خالصةً إلى أن الكذب لحماية الآخرين من الأذى العاطفي غير الضروري يُدرَك باعتباره فعل عناية لا خيانة.
كما أثبتت دراسة في دورية Journal of Experimental Psychology: General عبر ثلاث تجارب متتالية أن التعاطف يُفضي سببياً إلى ارتفاع معدل الكذب الإيجابي.
متى يتحول الكذب الإيجابي إلى سيطرة؟
بيد أن الأبحاث لا تُعدّ تصريحاً مفتوحاً بالخداع. تُحدّد مراجعة Current Opinion in Psychology الظروف التي ينقلب فيها الكذب الإيجابي إلى ضرر: حين تكون الحقيقة ذات قيمة عملية حقيقية للشخص، أو حين ينطوي الكذب على رسالة ضمنية مفادها أن الطرف الآخر لا يستطيع تحمّل الواقع، فيتحوّل ما بدا رعايةً إلى وصاية تنتزع منه حق اتخاذ قراراته بوعي وحرية.
الخط الفاصل هو حاجة الشخص إلى المعلومة؛ فإن كانت الحقيقة ستُمكّنه من قرار أفضل أو تُهيّئه لمواجهة أمر عسير، فإن حجبها يخرج من دائرة العناية ليدخل دائرة السيطرة.
ما تنتهي إليه هذه الأبحاث دعوةٌ إلى فهم أعمق لوظيفة الصدق؛ فهو ذو قيمة لأنه يُتيح للناس الثقة ببعضهم، لا لأنه غاية في ذاته.
