حين يصبح الفشل وقودًا للإبداع: دروس من شركة Supercell
https://unsplash.com/photos/group-of-people-using-laptop-computer-QckxruozjRg
في عالم الأعمال التقليدي، يعد إلغاء المشاريع بعد إنفاق ملايين الدولارات عليها كارثة تستوجب المحاسبة وربما الطرد، أما في مكاتب شركة “سوبرسل Supercell” في “هلسنكي”، فالمشهد مختلف تماماً. عندما يقرر أحد الفرق إيقاف مشروع لعبة جديدة، يُحتفى بذلك القرار، ليس بشكل رمزي، بل من خلال حفل رسمي يشارك فيه الفريق بأكمله.
قد يبدو هذا السلوك عبثيًا أو استفزازيًا في ثقافة تمجّد الاستمرار مهما كانت التكلفة وتعتبر الإلغاء اعترافًا بالفشل. لكن هذا "الجنون" المنهجي هو بالضبط ما حوّل شركة صغيرة إلى واحدة من أنجح شركات الألعاب في التاريخ، بقيمة سوقية تُقدَّر بمليارات الدولارات ومكّنها من تحقيق نجاحات متكررة في صناعة شديدة المنافسة.
فيما تُبنى قصص النجاح على ما أُنجز ووصل إلى السوق، تقوم فلسفة "سوبرسل" على الاعتراف الصريح بما لم ينجح، وعلى اعتبار القرارات التي اتُّخذت خلف الكواليس لإيقاف مشاريع واعدة ظاهريًا عنصرًا أساسيًا في مسيرتها.
نجاح هذه الشركة لم يُبن على الاستمرار في كل ما بدأت به، بل على التخلي والإلغاء الواعي وإلغاء عدد كبير من المشاريع التي لم ترق إلى طموحاتها طويلة المدى، وهو ما يمنحها القدرة على التركيز على الألعاب التي تحقق فرقاً حقيقياً في السوق العالمية.
إعادة تعريف الفشل: احتفال لا وصمة عار
نجاح شركة "سوبرسل" لم يكن ضربة حظ، بل نتيجة ممارسة الإلغاء الواعي للمشاريع. في مسيرة الشركة حتى الآن، تم إلغاء أكثر من ٣٠ مشروعًا لتتمكن من إنتاج خمس ألعاب عالمية ناجحة مثل "كلاش أوف كلانز Clash of Clans" و"برول ستارز Brawl Stars". هذه المقاربة غير المألوفة تقدم دروسًا حول كيفية تحويل الفشل المؤسسي إلى انتصار دائم.
في "سوبرسل" لا يتم النظر إلى إلغاء مشروع على أنه فشل فردي أو علامة على ضعف الفريق، بل كخطوة استراتيجية ضمن عملية الابتكار. يتم توثيق أسباب الإلغاء ومناقشتها داخل الفرق، ويُحتفى بالقرارات التي أدت إلى التوقف عن المشاريع.
قد يبدو الأمر سرياليًا، لكن عندما يقرر أي فريق إيقاف مشروع لعبة قضوا شهورًا طويلة في العمل عليه، لا يذهبون إلى مكاتبهم مطأطئي الرؤوس، إنما يشاركون في الحفل الرسمي الذي يُقام على شرفهم.
هذا الاحتفال ليس سخرية من الجهد الضائع، بل هو تكريم للشجاعة. يصعد الفريق إلى المسرح أمام الشركة بأكملها، يشرح أسباب عدم النجاح، ويشارك الدروس المستقاة من الفشل سواء التقنية أو الإبداعية.
الهدف من ذلك هو كسر حاجز الخوف الذي غالبًا ما يدفع بالموظفين للتمسك بمشروع فاشل. فالرسالة واضحة تمامًا هنا: الفشل لا يُعاقَب، بل يُستفاد منه.
مشاريع لم تر النور
المشاريع التي ألغتها “سوبرسل” والأسباب الكامنة خلفها تظهر أن القرار كان واعياً، وأن الدروس المستفادة كانت حاضرة لدعم نجاح مشاريع مستقبلية.
"سماش لاند Smash Land" لعبة واعدة جدًا وصلت إلى مرحلة الإطلاق، لكنها أُلغيت لأنها لم تحقق معدلات استمرار اللاعبين المطلوبة. الدروس التي تم تعلمها من هذا الفشل ساهمت لاحقًا في نجاح لعبة "كلاش رويال Clash Royale".
في المقابل، هناك مشاريع أُلغيت لأنها لم تكن بالجودة التي تريدها الشركة، مثل "سبوكي بوب Spooky Pop" التي لم تقدم ما هو مبتكر وثوري. أما لعبة "هاي داي بوب Hay Day Pop"، فرغم القاعدة الجماهيرية الكبيرة التي تتمتع بها لعبة "هاي داي" الأصلية، فقد أُلغيت لأن فلسفة الشركة واضحة: إما أن تكون ظاهرة عالمية أو لا يتم إنتاجها.
الإلغاء المبكر كأداة ابتكار
في “سوبرسل” يُنظر إلى الإلغاء المبكر كأداة استراتيجية ضمن دورة الابتكار. فكلما جرى تحديد المشاريع غير الواعدة في مراحلها الأولى، تم الحفاظ على الطاقة والموارد والوقت لاستثمارها في الأفكار الواعدة، بدلاً من الغرق في مشاريع متوسطة الجودة قد تنهك الفرق وتقلل من معدلات الإبداع.
من منظور استثماري، إيقاف المشاريع الفاشلة هو قمة الذكاء الإداري، وذلك بهدف:
تجنب مغالطة التكلفة الغارقة (Sunk Cost Fallacy) : عدم الاستمرار في مشروع فاشل لمجرد ان الشركة أنفقت الكثير من المال أو الوقت سابقاً.
تحرير المواهب: بدلاً من تقييد أفضل العقول في صيانة لعبة ميتة “إكلينيكياً” يتم نقلهم للعمل على ابتكار اللعبة التالية التي ستحقق نجاحاً باهراً.
هيبة العلامة التجارية: اللاعب يثق أن اسم الشركة يعني جودة فائقة، وذلك لأنها عودت جمهورها على إنتاج الممتاز فحسب. فجملة “جيد بما يكفي” لا مكان لها في “سوبرسل”.
هذا النهج يسمح للشركة بتجربة أفكار جريئة ومبتكرة، حتى ولو كان احتمال نجاحها الأولي منخفضاً، ويحول الفشل المحتمل إلى قاعدة معرفية يمكن البناء عليها لتحقيق النجاحات الكبرى لاحقاً.
الدروس المستقاة من تجربة “سوبرسل”
تجربة “سوبرسل” تقدّم مجموعة من الدروس العملية لأي شركة أو فريق يسعى للابتكار والنجاح في بيئة عالية المخاطر. بالإضافة إلى فلسفة الشركة المتعلقة بالفشل وعدم اعتباره وصمة عار، والإلغاء المبكر الذي يوفر الوقت والموارد ويساعد على التركيز على المشاريع الأخرى، هناك مجموعة إضافية من الدروس التي يمكن لأي شركة الاستفادة منها:
المعايير العالية أولاً: التميز قبل الكم
في “سوبرسل”، الجودة والابتكار هما المعياران الأساسيان قبل إطلاق أي منتج. تختار الشركة المشاريع التي تستحق التنفيذ بصرامة، حتى لو تطلّب ذلك إلغاء ألعاب شبه جاهزة. السؤال لا يكون "هل ستحقق اللعبة أرباحًا؟"، بل "هل سنفتخر بإطلاق هذه اللعبة؟". أبرز مثال على ذلك إلغاء لعبة “هاي بوب” رغم تحقيقها مليون دولار للشركة، لأنها لم ترقَ إلى مستوى التميز المطلوب.
ثق في الخلية The Cell : الفرق تتمتع باستقلالية كاملة، وهي مسؤولة ١٠٠٪ عن مشاريعها، وتملك قرار إلغاء لعبتها بنفسها، ما يعزز روح المسؤولية والالتزام الشخصي بالنجاح.
الشفافية المطلقة : عندما يتعلم الجميع من خطأ فريق واحد، تتطور الشركة بأكملها كجسد واحد، ما يرفع مستوى الابتكار والجرأة على التجربة.
قرارات تبنى على الحدس والبيانات معاً: دمج الجانب الإنساني بالأرقام هو سبب النجاح في “سوبرسل”، التي تعتمد على أرقام الإطلاق التجريبي، مثل معدلات استمرار اللاعبين لتوجيه القرارات، ولكن حدس الفريق غالبًا ما يكون العامل الأهم في القرار النهائي.
التعلم المستمر أهم من النتيجة الفردية لكل مشروع: التركيز على المعرفة المكتسبة من كل تجربة وتعميمها على الشركة التي تعمل “كخلايا” تعمل من أجل هدف واحد.
في المحصلة، نجاح ”سوبرسل” لم يُكتب بأكواد الألعاب الناجحة فحسب، بل كُتب في المشاريع التي لم تخرج للنور. لقد أثبتت الشركة أن الطريق إلى القمة يمر عبر مقبرة الأفكار والمشاريع، وأن الشجاعة للإلغاء سمحت للأفكار العظيمة أن تبصر النور.
