لماذا نشعر ببرودة العظام؟ كواليس التغيرات الحيوية ونقص فيتامين D
مع انخفاض درجات الحرارة، يبرز التعبير الشائع «أشعر بالبرد في عظامي» كأحد أكثر الشكاوى تداولاً، وهو وصف دقيق يتجاوز في دلالته مجرد الإحساس بقشعريرة الجلد السطحية، ليعكس شعوراً عميقاً يتغلغل في ثنايا الجهاز الهيكلي وأعماق الجسم.
ويوضح "آدم تايلور"، أستاذ التشريح في جامعة لانكستر، أن هذا الشعور ليس مجرد خيال، بل هو نتاج تفاعلات فيزيائية وحيوية معقدة، خاصة في المناطق ذات الرطوبة العالية التي تسرع سحب الحرارة من الجسم بمعدل يفوق الهواء بـ 70 ضعفاً، مما يؤدي لامتصاص الملابس للرطوبة ونقل البرودة مباشرة للأنسجة العميقة.
تأثير انخفاض الحرارة على كفاءة العظام والجسم
وكشف موقع ذا كونفرزيشن عن حقيقة علمية مفادها أن العظام لا تمتلك مستقبلات حرارية مباشرة كما هو الحال في الجلد، نظراً لكونها محمية بطبقات كثيفة من العضلات والأنسجة الضامة؛ غير أنها تتأثر بلسعات البرد عبر شبكة عصبية دقيقة تقع في قشرتها الخارجية المعروفة باسم «السمحاق» (Periosteum)، وهي المسؤولة عن نقل إشارات الألم والضغط إلى الدماغ.
وتعمل هذه الشبكة كخلايا عصبية مرتبة بنمط يشبه الشبكة لتحسس التشوه أو الإصابة؛ لذا فإن التعرض الطويل للبرودة لعدة أسابيع قد يؤدي لنتائج هيكلية، منها تقليل كثافة العظام المعدنية وتقليص طولها وسماكتها، مما يجعل الحفاظ على دفء الجسم ضرورة طبية.
طريقة التخلص من الشعور ببرد العظام
لا يتوقف التأثير عند هذا الحد، فالبرد يتسبب في زيادة لزوجة "السائل الزليلي" الذي يعمل كمزلق للمفاصل، مما يجعله أكثر كُثافة ويصعّب من عملية الحركة الطبيعية، وهو ما يفسر معاناة المصابين بالتهاب المفاصل الروماتويدي أو هشاشة العظام.
كما تتقلص الأنسجة وتزداد تيبساً، حيث تفقد الأوتار والأربطة التي تربط العظام مرونتها، مما يتطلب قوة عضلية أكبر لتحريك الجسم ويحفز مستقبلات الألم التي يترجمها الدماغ كإحساس ببرودة داخلية عميقة ناتجة عن الضغط الميكانيكي.
إلى جانب ذلك، يلعب نقص أشعة الشمس دوراً محورياً في إدراك هذا الألم؛ إذ يؤدي انخفاض مستويات فيتامين D المرتبط بغياب الشمس شتاءً إلى زيادة الحساسية لآلام الجهاز العضلي الهيكلي.
وتشير التقارير العلمية إلى أن نقص فيتامين D لا يقتصر تأثيره على الجانب العضوي فحسب، بل يمتد ليرتبط بشكل وثيق بزيادة أعراض القلق والاكتئاب الشتوي، وهي اضطرابات نفسية تؤدي بدورها إلى تغيير جذري في مستويات تحمل الشخص لدرجات الحرارة المحيطة، مما يضاعف من وطأة الشعور ببرودة العظام القاسية.
ولتجاوز هذه الموجات، ينصح الخبراء بزيادة السعرات الحرارية لتوليد الطاقة، وارتداء طبقات متعددة من الملابس، والحفاظ على الحركة المستمرة لضمان تدفق الدم إلى الأطراف وحماية العظام من تداعيات الانخفاض الحاد في درجات الحرارة وضمان بقاء حرارة الجسم الحيوية عند 37 درجة مئوية.
