القيادة بعد المؤسس: استراتيجيات انتقال السلطة وضمان استمرارية النمو
حينما يبتعد مؤسس الشركة عن دفة القيادة، لا يتغيّر اسم الشخص الجالس على المكتب فحسب؛ بل تتغيّر قواعد المشهد بأكمله.
مرحلة ما بعد المؤسس تكشف عن سلسلة من القضايا العميقة المتعلقة بجوهر الشركة: من ملامح ثقافتها الداخلية، إلى هويتها التي تشكّلت على مدار سنوات، وصولًا إلى الطريقة التي تُصنع بها القرارات، في غياب الشخصية التي كانت تمثل المرجع الأول لكل تفصيلة.
وفي هذا التقرير، نذهب أبعد من مجرد توصيف المرحلة لنفهم كيف يمكن لهذا الانتقال الحرج أن يتحوّل من مصدر قلق إلى مساحة رحبة لإعادة البناء، ونافذة تمنح الشركة فرصة حقيقية للنمو والتجدد.
تحديات المرحلة بعد المؤسس
عندما تغادر الشركة ظلّ مؤسسها، لا يكون التحدي إداريًا فحسب، بل بنيويًا وعاطفيًا في آنٍ واحد. فغالبًا ما تتماهى ملامح المؤسسة مع شخصية المؤسس، فتتشكل الثقافة الداخلية وآليات القرار على مقاس حضوره ورؤيته، لا على قواعد مستقلة قابلة للاستمرار.
ضمن هذا الإطار، يصبح التخلي عن زمام القيادة عملية شاقة؛ إذ يميل بعض المؤسسين إلى التشبث بالسيطرة، أو الركون إلى ثقة مفرطة في قدرات الفريق القائم، دون أن يواكب ذلك إعداد ممنهج لتعاقب قيادي حقيقي.
ونتيجة لذلك، تتراكم ارتباطات نفسية تُقيّد الحركة، ويتباطأ اتخاذ القرار، وتظهر فجوات خفية في جاهزية الصف الثاني، ما يجعل مرحلة الانتقال عرضة للتعثر، وربما للانقطاع الكامل إن لم يتم الأمر بوعي وحسم.
الفرق بين الإدارة والقيادة في هذه المرحلة
في هذه المرحلة الحساسة من عمر الشركة، لا يعود التفريق بين الإدارة والقيادة ترفًا نظريًا، وإنما يتحول إلى عامل حاسم في سلامة الانتقال واستمرارية الكيان.
القيادة هنا تضطلع بدور استشرافي يتجاوز إدارة الواقع القائم، إذ تعيد صياغة الرؤية، وتبني شرعية جديدة للتأثير، وتعمل على إعداد جيل قيادي قادر على حمل المشروع خارج إطار الشخص الواحد.
في المقابل، تظل الإدارة الضلع التنفيذي الذي يحفظ توازن المؤسسة، عبر ضمان انسياب العمليات، وترسيخ الإجراءات، وتحويل النوايا الكبرى إلى أنظمة قابلة للتطبيق.
وتكمن خطورة مرحلة القيادة بعد المؤسس في الميل إلى الاكتفاء بأحد الطرفين؛ فقيادة بلا انضباط إداري تُنتج رؤى معلّقة، وإدارة بلا قيادة تُكرّس الجمود وتعيد إنتاج الماضي.
لذلك، يتطلب الانتقال الناجح مزيجًا دقيقًا بين قيادة واعية ترسم ملامح المستقبل وتفك الارتباط الرمزي بالمؤسس، وإدارة رصينة تُحكم نظم التعاقب وتؤسس لاستمرارية لا تعتمد على الأفراد بل على البناء المؤسسي ذاته.
دور الحوكمة في استدامة النمو
الشركات التي بُنيت حول شخصية المؤسس أكثر من بنائها على أنظمة واضحة، تكون بطبيعتها أكثر هشاشة عند تغيّر القيادة.
وهنا تبرز الحوكمة بوصفها الضامن الحقيقي للاستمرارية، إذ تنقل مركز الثقل من الفرد إلى المنظومة، ومن القرارات الشخصية إلى السياسات المعتمدة، عبر دور فاعل لمجلس الإدارة وهياكل رقابية واضحة تحكم مسار اتخاذ القرار.
ولا يقتصر أثر الحوكمة على احتواء الفراغ القيادي، بل يمتد إلى تنظيم الانتقال نفسه؛ من خلال إعداد خطط تعاقب مدروسة، وتحديد دقيق للصلاحيات والمسؤوليات، ووضع آليات موضوعية لتقييم أداء القيادات الجديدة بعيدًا عن الاعتبارات العاطفية أو التاريخية.
وبهذا الإطار المتماسك، تُرسل الشركة رسالة طمأنة إلى أصحاب المصالح كافة مفادها أن تغيير القيادة مرحلة محسوبة ضمن استراتيجية طويلة المدى، تضمن استدامة النمو وتماسك الكيان.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
تمر مرحلة القيادة بعد المؤسس بحقول ألغام خفية، لا تظهر آثارها فورًا، لكنها سرعان ما تنعكس على تماسك المؤسسة وأدائها إذا أُهملت.
في مقدمة هذه الأخطاء غياب خطة تعاقب واضحة المعالم، حيث يُترك الانتقال للظروف أو للاجتهادات الفردية، بدل أن يكون مسارًا محسوبًا ومُدارًا بوعي.
ويزداد الخطر حين تستمر الشركة في الاتكاء على الجاذبية الرمزية للمؤسس، وكأن حضوره يمكن أن يمتد بعد غيابه، ما يؤخر بناء شرعية قيادية جديدة.
ومن الأخطاء المتكررة أيضًا ما يمكن تسميته بالانحراف الثقافي؛ حين يسعى القادة الجدد إلى فرض أنظمة وأساليب عمل لا تنسجم مع روح المؤسسة، فيحدث تصادم صامت بين الماضي والحاضر.
يُضاف إلى ذلك تولي القيادة من قبل خلفاء يفتقرون إما إلى الخبرة القيادية الكافية، أو إلى الجرأة المدروسة على اتخاذ القرار، فيتحول الحذر إلى شلل، والطموح إلى إدارة محافظة لا تصنع نموًا.
تراكم هذه الإخفاقات لا يمر دون ثمن؛ إذ قد تفقد الشركة جزءًا من هويتها، ويتراجع ارتباط الموظفين بالرسالة والأهداف، وينعكس ذلك مباشرة على الأداء العام.
لذلك، لا يكمن التحدي في تجنب الخطأ فحسب، بل في التعامل معه استباقيًا بوصفه خطرًا متوقعًا في رحلة الانتقال، لا استثناءً طارئًا.
اقرأ أيضًا: من الهيكلة إلى القيادة: دليلك لبناء إدارة ناجحة لشركتك الناشئة
نماذج ناجحة لانتقال السلطة
لا يُعد التعاقب القيادي مفهومًا نظريًا يُتداول في أطر الحوكمة والاستشارات فحسب، بل هو مسار عملي خاضته شركات كبرى ونجحت في تحويله من لحظة قلق إلى نقطة انطلاق جديدة.
وفي هذا الإطار، تظهر نماذج مؤسسية تعاملت مع مرحلة ما بعد المؤسس كفرصة لإعادة تشكيل مسارها وبناء مستقبل أكثر نضجًا واستدامة.
شركة مايكروسوفت
مرّت عملية انتقال القيادة في شركة مايكروسوفت بعد انسحاب المؤسس بيل جيتس من الإدارة اليومية بعدة مراحل متعاقبة، عكست نضجًا مؤسسيًا تدريجيًا.
في البداية تولّى ستيف بالمر دفة القيادة في مرحلة ركّزت على التوسع التجاري وتعزيز حضور الشركة في قطاع خدمات المؤسسات، محافظًا على الزخم التشغيلي للشركة في أسواقها الأساسية.
ثم جاء التحول المفصلي مع تعيين ساتيا ناديلا في عام 2014، حيث لم يكتفِ بإدارة الإرث القائم، بل أعاد تشكيل ثقافة الشركة ذاتها، موجّهًا إياها نحو التعاون، والحوسبة السحابية، والانفتاح على الابتكار.
شركة أبل
يمثل انتقال القيادة في شركة أبل من ستيف جوبز إلى تيم كوك نموذجًا دقيقًا لتعاقب قيادي أُدير بوعي طويل الأمد. فقد شرعت الشركة مبكرًا في إعداد كوك لتولي دفة القيادة، منذ انضمامه إلى أبل عام 1998، حيث تنقّل عبر مواقع قيادية مفصلية.
سنوات عمل كوك داخل أبل، خصوصًا في إدارة العمليات وسلاسل الإمداد، منحته رؤية شاملة للبنية الداخلية للشركة وقدرتها على تحويل الابتكار إلى نموذج تشغيلي مستدام.
ومع توليه مهام القيادة خلال فترات غياب جوبز بسبب المرض، أثبتت أبل عمليًا أن استمرارية القرار والأداء لا تتوقف على شخص واحد، بل على نظام قادر على العمل بثبات في مختلف الظروف.
وعندما انتقلت القيادة إلى كوك رسميًا في عام 2011، اتخذ مسارًا مختلفًا في الأسلوب لا في الجوهر؛ فحافظ على الحمض الابتكاري الذي ميّز أبل، مع دفع الشركة نحو كفاءة أعلى وانتشار أوسع في الأسواق العالمية.
أمازون
شكل انتقال قيادة أمازون في 2021 علامة فارقة في تاريخ الشركة، ليس لأن مؤسسها جيف بيزوس غادر المنصب فحسب، بل لأن الانتقال تمّ بطريقة تُظهر نضجًا مؤسسيًا واضحًا.
فقد تولى آندي جاسي قيادة الشركة بعد مسيرة طويلة داخل أروقتها، وكان أبرز إنجازاته قيادة قسم الحوسبة السحابية AWS الذي أصبح أحد أعمدة أعمال أمازون الأساسية.
وما يميز هذا الانتقال أنه لم يكن مجرد تغيير شخصي في القمة، بل إعادة توزيع للأدوار بما يخدم الاستراتيجية بعيدة المدى. إذ مكّن هذا الترتيب بيزوس من الانسحاب من الإدارة اليومية والتركيز على الابتكار والمشروعات المستقبلية، بينما تولّى جاسي مسؤولية الحفاظ على زخم الشركة وتعزيز موقعها في الخدمات السحابية، مع التمسك بفلسفة أمازون المركزية: العميل أولًا.
وهكذا تحوّل الانتقال إلى نموذج يُظهر أن الشركة تستطيع أن تستمر في نموها وتوسعها حتى بعد خروج مؤسسها، طالما أن التعاقب تم بتخطيط واعٍ وباختيار قيادي يملك فهمًا عميقًا لروح المؤسسة.
