لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي مجاراة الدماغ البشري؟
كشفت دراسة علمية حديثة أن الدماغ البشري لا يزال يتفوق على الذكاء الاصطناعي في مهارة أساسية لا تجيدها حتى أكثر الخوارزميات تقدمًا، وهي القدرة على نقل المعرفة والمهارات من مهمة إلى أخرى بمرونة عالية.
وتوضح الدراسة أن هذا التفوق يعود إلى حيلة ذكية يعتمدها الدماغ، أطلق عليها الباحثون اسم «مكعبات ليغو الإدراكية».
الدراسة قادها فريق بحثي من جامعة برينستون الأميركية، ولم تُجرَ مباشرة على البشر، بل على قرود المكاك الريسوسي، التي تُعد من أقرب الكائنات إلى الإنسان من حيث البنية العصبية ووظائف الدماغ، ما يمنح النتائج موثوقية عالية عند إسقاطها على البشر.
تجارب ذكية تكشف أسرار التفكير
طلب الباحثون من القرود تنفيذ سلسلة من المهام الذهنية على شاشة رقمية، تضمنت التمييز بين الأشكال والألوان، مع توجيه النظر في اتجاهات محددة للإجابة.
وخلال أداء هذه المهام، أُجريت مسوح دقيقة لنشاط الدماغ لرصد المناطق العصبية التي تنشط أثناء التعلم واتخاذ القرار.
وأظهرت النتائج أن أدمغة القرود لا تعتمد على مسار عصبي واحد ثابت، بل تستخدم وحدات عصبية مستقلة يمكن إعادة توظيفها ودمجها بطرق مختلفة عند الانتقال من مهمة إلى أخرى، تمامًا كما تُركّب مكعبات «ليغو» لبناء أشكال جديدة.
لماذا يعجز الذكاء الاصطناعي عن مجاراة الدماغ؟
يوضح عالم الأعصاب تيم بوشمان، أحد المشاركين في الدراسة، أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد تحقق أداءً يعادل الإنسان أو يتفوق عليه في مهمة واحدة محددة، لكنها تفشل عند مطالبتها بتنفيذ مهام متعددة ومتغيرة.
ويقول بوشمان: «الدماغ يتميز بمرونته لأنه يعيد استخدام مكونات الإدراك نفسها في مهام مختلفة. ومن خلال تركيب هذه المكعبات الإدراكية، يستطيع بناء مهام جديدة بسرعة وكفاءة».
وتُعد هذه المرونة تحديدًا نقطة ضعف رئيسية في الذكاء الاصطناعي الحالي، الذي يعاني مما يُعرف علميًا بـ«النسيان الكارثي»، حيث يفقد قدرته على أداء المهام السابقة عند تعلم مهام جديدة.
رصد الباحثون أن هذه المكعبات الإدراكية تتركز بشكل أساسي في القشرة الجبهية الأمامية للدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن الوظائف العليا مثل التخطيط، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والتفكير المجرد.
كما لاحظوا أن الدماغ يقلل نشاط بعض الوحدات العصبية عندما لا تكون مطلوبة، وكأنه يخزن الأدوات غير المستخدمة مؤقتًا، ليحافظ على التركيز والكفاءة الذهنية أثناء أداء المهمة الحالية.
يشبّه بوشمان هذه الآلية بوظائف البرمجة في الحاسوب، قائلًا: «يمكن اعتبار كل مكعب إدراكي دالة مستقلة. فمجموعة من الخلايا العصبية قد تتولى تمييز الألوان، ثم تُربط بوظيفة أخرى مسؤولة عن اتخاذ القرار أو تنفيذ الحركة».
هذا التنظيم المتسلسل يسمح للدماغ بأداء مهام معقدة عبر خطوات بسيطة قابلة لإعادة الاستخدام، وهو ما يمنحه قدرة مذهلة على التكيف مع مواقف جديدة لم يسبق له مواجهتها.
يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تفتح الباب أمام تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مرونة، قادرة على التعلم المستمر دون فقدان الخبرات السابقة. كما يمكن أن تسهم في تطوير علاجات لاضطرابات عصبية ونفسية يعاني فيها المرضى من صعوبة تطبيق المهارات في سياقات جديدة.
وتخلص الدراسة إلى أن إعادة استخدام التمثيلات العصبية نفسها عبر مهام مختلفة يسمح للدماغ بالتكيف السريع مع التغيرات البيئية، سواء عبر التعلم بالمكافأة أو استدعاء الخبرات من الذاكرة طويلة الأمد.
وقد نُشرت نتائج البحث في مجلة نيتشر العلمية المرموقة، مؤكدة أن الدماغ البشري لا يزال يحتفظ بأفضلية نوعية في سباق الذكاء، رغم القفزات الهائلة في عالم الذكاء الاصطناعي.
