ديفيد دي خيا.. 12 عامًا من التألق والتحديات في مانشستر يونايتد
في ذكرى ميلاد ديفيد دي خيا، يعود اسم الحارس الإسباني إلى دائرة الضوء، ومعه واحدة من أكثر التجارب إثارة في تاريخ مانشستر يونايتد الحديث. سنوات حملت الكثير من الضغوط والتقلبات.
فقد شهدت سنواته مع الفريق ضغوطًا وتقلبات عديدة، تخللتها لحظات تألق لافتة وأخرى صعبة، وصولًا إلى نهاية رحلته مع أولد ترافورد.
وفي هذه المناسبة، نسلط الضوء على أبرز محطات مسيرته، ونستعيد تفاصيل الرحلة التي امتدت لأكثر من عقد داخل قلعة الشياطين الحمر.
البداية من أتلتيكو مدريد.. كيف ظهرت موهبة ديفيد دي خيا؟
في مدريد، المدينة التي شهدت ميلاده عام 1990، بدأت أولى خطوات ديفيد دي خيا نحو عالم كرة القدم، حيث التحق الحارس الإسباني بأكاديمية أتلتيكو مدريد في الثالثة عشرة من عمره، ليصبح النادي المدريدي المحطة التي صقلت موهبته، ورسخت ملامح أسلوبه بين حراس المرمى الواعدين في الكرة الإسبانية.
ومع تصاعد مستواه داخل صفوف النادي، اقترب دي خيا من تحقيق حلمه باللعب مع الفريق الأول، حتى جاءت فرصته في سبتمبر 2009، عندما شارك بديلًا خلال مواجهة أتلتيكو مدريد أمام بورتو في دوري أبطال أوروبا.
كانت تلك المشاركة بداية انتقاله من صفوف الناشئين إلى أجواء المنافسة الاحترافية، وسرعان ما فرض نفسه ضمن حسابات الجهاز الفني، وصولًا إلى انتزاع مركز الحارس الأساسي.
فيما شهد موسم 2009-2010 أولى محطاته الكبرى على منصات التتويج، بعدما ساهم في فوز أتلتيكو مدريد بلقب الدوري الأوروبي، قبل أن يضيف الفريق كأس السوبر الأوروبي إلى سجله في العام نفسه.
وخلال موسمين مع الفريق الأول لأتلتيكو مدريد، خاض دي خيا 84 مباراة في مختلف المسابقات، منها 57 مباراة في الدوري الإسباني، ونجح في الحفاظ على نظافة شباكه في 14 مواجهة بالمسابقة المحلية.
It's easy to forget how good @D_DeGea was as a teenager in #LaLigaSantander... 💎 #StayAtHome https://t.co/y8Yc7CW0nf
— LALIGA English (@LaLigaEN) April 20, 2020
بينما على الصعيد الدولي في تلك الفترة، كان دي خيا يواصل تألقه بقميص منتخب إسبانيا للشباب، إذ كان ضمن المجموعة المتوجة ببطولة أوروبا تحت 21 عامًا عام 2011، ليعزز مكانته كأحد أبرز حراس المرمى الذين برزوا في جيله، ويفتح أمامه الباب نحو مرحلة أكثر طموحًا في مسيرته.
مانشستر يونايتد يراهن على الموهبة الإسبانية.. بداية رحلة استمرت 12 عامًا
في صيف 2011، قرر السير أليكس فيرجسون التحرك للتعاقد مع دي خيا، بعدما رأى فيه الحارس القادر على تعويض اعتزال الهولندي إدوين فان دير سار، أحد أبرز حراس المرمى في تاريخ مانشستر يونايتد.
وبقيمة بلغت نحو 18.9 مليون جنيه إسترليني، انتقل دي خيا من أتلتيكو مدريد إلى ملعب أولد ترافورد، موقعًا عقدًا يمتد لخمس سنوات.
حملت الصفقة أبعادًا تتجاوز التعاقد مع حارس واعد؛ إذ وضع النادي الإنجليزي ثقته في لاعب لم يتجاوز العشرين من عمره، ومنحه مسؤولية شغل أحد أكثر المراكز حساسية داخل فريق اعتاد المنافسة على الألقاب المحلية والقارية.
دخل دي خيا مرحلة مختلفة تمامًا من مسيرته، حيث فرضت عليه طبيعة الدوري الإنجليزي إيقاعًا أكثر حدة، مع مواجهات تتطلب سرعة رد الفعل والتعامل مع الالتحامات والكرات الهوائية والضغط البدني المتواصل، وانعكست هذه التحديات على ظهوره الأول، وفتحت الباب أمام انتقادات تتعلق بقدرته على التكيف مع متطلبات البطولة.
في تلك المرحلة، مثّلت مساندة فيرجسون عنصرًا حاسمًا في مسار الحارس الإسباني؛ إذ حافظ المدرب على ثقته به، ومنحه الوقت اللازم لاكتساب الخبرة وتجاوز صعوبات البداية.
ومع توالي المواسم، أخذ دي خيا يرسخ أقدامه داخل الفريق، لتتحول الصفقة التي أحاطت بها علامات الاستفهام إلى بداية ارتباط امتد 12 عامًا، شهد صعوده إلى مكانة متقدمة بين حراس المرمى في الكرة الإنجليزية.
حقبة السير أليكس فيرجسون.. أولى خطوات صناعة الأسطورة
شكّلت سنوات ديفيد دي خيا الأولى داخل مانشستر يونايتد مرحلة تأسيسية في مسيرته، اكتسب خلالها الخبرة اللازمة للتعامل مع متطلبات حراسة مرمى أحد أكبر أندية إنجلترا.
تدريجيًا، انعكس تطوره على حضوره داخل منطقة الجزاء، فأصبح أكثر دقة في قراءة تحركات المهاجمين، وتميز بسرعة رد الفعل والقدرة على التصدي للتسديدات القريبة، وهي السمات التي ساعدته على تجاوز صعوبات بدايته وترسيخ مكانته بين حراس الفريق.
وجاء موسم 2012-2013 ليمنحه أول تتويج كبير بقميص الشياطين الحمر، بعدما شارك في حملة مانشستر يونايتد الناجحة لاستعادة لقب الدوري الإنجليزي الممتاز.
حسم الفريق البطولة تحت قيادة السير أليكس فيرجسون، محققًا اللقب العشرين في تاريخه، في موسم اكتسب أهمية استثنائية باعتباره الفصل الأخير في المسيرة التدريبية للمدرب الاسكتلندي مع النادي.
حمل ذلك الإنجاز دلالة خاصة في مستقبل الحارس الإسباني؛ فقد تزامن تتويجه الأول بالدوري مع نهاية واحدة من أعظم الفترات في تاريخ مانشستر يونايتد.
وبعد إعلان فيرجسون اعتزاله، وجد دي خيا نفسه أمام مرحلة جديدة تتطلب منه قيادة الخط الخلفي وتحمل مسؤولية حماية عرين الفريق وسط التغييرات التي شهدها النادي.
من هنا بدأت ملامح ارتباط طويل الأمد بين الحارس الإسباني وأولد ترافورد، امتد لأكثر من عقد، وتحول خلاله دي خيا من صفقة شابة راهن عليها فيرجسون إلى أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بمانشستر يونايتد في مرحلة ما بعد المدرب التاريخي.
بعد رحيل فيرجسون.. دي خيا يقود مانشستر يونايتد وسط سنوات الاضطراب
أعقب اعتزال السير أليكس فيرجسون عام 2013 تحول كبير في مسار مانشستر يونايتد، إذ دخل النادي مرحلة اتسمت بتعاقب المدربين وتذبذب النتائج، وسط محاولات متكررة لاستعادة المكانة التي رسخها خلال سنوات الهيمنة المحلية والأوروبية.
وفي خضم تلك التحولات، برز ديفيد دي خيا بوصفه أحد أكثر العناصر استقرارًا داخل التشكيلة، محتفظًا بموقعه الأساسي رغم اختلاف الرؤى الفنية وتغير ملامح الفريق من موسم إلى آخر.
كانت التحولات الدفاعية التي عاناها يونايتد تمنح الحارس الإسباني مساحة أكبر لإظهار قدراته، بعدما وجد نفسه أمام اختبارات متكررة لحماية مرمى الفريق.
وفي مباريات عديدة، أدت تصدياته دورًا حاسمًا في إنقاذ النتائج، بفضل سرعة استجابته وتمركزه المميز وقدرته على التعامل مع الانفرادات والتسديدات قريبة المدى.
وشهد موسم 2017-2018 ذروة لافتة في مسيرته على مستوى الدوري الإنجليزي، بعدما قدم سلسلة من العروض المميزة قادته إلى حصد جائزة القفاز الذهبي، إثر إنهاء الموسم بـ18 مباراة بشباك نظيفة.
جاء هذا الإنجاز ليعكس حجم تأثيره في تشكيلة مانشستر يونايتد، ويضعه ضمن نخبة حراس المرمى في المسابقة خلال تلك الفترة.
وامتد تقدير الجماهير لدي خيا إلى ما هو أبعد من أرقامه داخل الملعب، إذ نال جائزة السير مات باسبي لأفضل لاعب في مانشستر يونايتد بتصويت الجماهير أربع مرات، ليصبح أول حارس مرمى يحقق هذا الإنجاز المتكرر في تاريخ الجائزة.
تحمل تلك المحطات دلالة واضحة على حجم المكانة التي احتلها داخل النادي، بعدما ظل أحد أبرز نجومه خلال سنوات اتسمت بالتقلبات وصعوبة المنافسة على الألقاب الكبرى.
نهاية رحلة استمرت 12 عامًا.. إنجازات دي خيا وأسباب رحيله عن أولد ترافورد
بعد 12 عامًا داخل جدران أولد ترافورد، أسدل دي خيا الستار على رحلته مع مانشستر يونايتد في صيف 2023، تاركًا خلفه سجلًا استثنائيًا جعله صاحب الرقم القياسي لأكثر حارس مشاركة مع الفريق، بعدما خاض 545 مباراة في مختلف المسابقات، حافظ خلالها على نظافة شباكه في 190 مواجهة.
على امتداد هذه السنوات، كان دي خيا حاضرًا في عدد من المحطات التي أضافت إلى خزائن النادي الإنجليزي ألقابًا محلية وقارية.
I just wanted to send this farewell message to all Manchester United supporters. I would like to express my unwavering gratitude and appreciation for the love from the last 12 years. We’ve achieved a lot since my dear Sir Alex Ferguson brought me to this club. I took incredible pride everytime I pulled on this shirt, to lead the team, to represent this institution, the biggest club in the world was an honour only bestows upon a few lucky footballers. It’s been an unforgettable and successful period since I came here. I didn’t think from leaving Madrid as a young boy we would achieve what we did together. Now, it’s the right time to undertake a new challenge, to push myself again in new surroundings. Manchester will always be in my heart, Manchester has shaped me and will never leave me. We’ve seen it all. 🤘🏼❤️
— David de Gea (@D_DeGea) July 8, 2023
تُوج الحارس الإسباني مع اليونايتد بست بطولات، أبرزها الدوري الإنجليزي الممتاز موسم 2012-2013، وكأس الاتحاد الإنجليزي موسم 2015-2016، والدوري الأوروبي موسم 2016-2017، فضلًا عن كأس الرابطة الإنجليزية في موسمي 2016-2017 و2022-2023، وثلاثة ألقاب لدرع المجتمع أعوام 2011 و2013 و2016.
بينما على المستوى الفردي، حصد جائزة القفاز الذهبي للدوري الإنجليزي مرتين، في موسمي 2017-2018 و2022-2023، تأكيدًا لاستمرارية حضوره بين أبرز حراس المسابقة.
لكن النهاية لم تكن على قدر سنوات التألق؛ إذ انتهى عقد دي خيا في يونيو 2023، ولم يتوصل الطرفان إلى اتفاق نهائي بشأن استمراره، وسط تقارير أشارت إلى خلافات حول شروط التجديد وتوجه المدرب إريك تن هاغ نحو حارس يمتلك قدرات أكبر في بناء اللعب والتمرير من الخلف، وفي 8 يوليو 2023، أعلن دي خيا رحيله رسميًا، لينهي واحدة من أطول وأبرز رحلات حراسة المرمى في تاريخ النادي.
حملت النهاية قدرًا من الحزن لدى قطاع واسع من جماهير مانشستر يونايتد، خصوصًا أن الحارس الإسباني ارتبط بسنوات شهدت تراجعًا في نتائج الفريق واضطرابًا في مستواه، وظل خلالها أحد أبرز عناصره القادرة على إنقاذ المواقف الصعبة.
وبين 545 مباراة منها 190 مباراة بشباك نظيفة ومجموعة من الألقاب والجوائز الفردية، ترك دي خيا بصمة راسخة في تاريخ النادي، جعلت اسمه حاضرًا ضمن أبرز حراس المرمى الذين دافعوا عن ألوانه.
فيورنتينا.. فصل جديد في مسيرة الحارس الإسباني
مثّل صيف 2023 فترة انتقالية غير مألوفة في مسيرة ديفيد دي خيا، بعدما غادر مانشستر يونايتد عقب 12 عامًا قضاها داخل أولد ترافورد، ليبتعد عن المنافسات الرسمية قرابة عام كامل.
خلال تلك الفترة، ظل مستقبله الكروي محل تساؤل، خصوصًا أن الحارس الإسباني كان يبحث عن مشروع رياضي يمنحه فرصة العودة إلى الملاعب والحفاظ على حضوره بين حراس المرمى أصحاب الخبرة في القارة الأوروبية.
وفي أغسطس 2024، اختار فيورنتينا أن يكون بوابته نحو العودة، معلنًا ضمه في صفقة انتقال حر بعقد يمتد لموسم واحد، مع خيار التمديد لموسم إضافي.
حملت التجربة أبعادًا مهمة بالنسبة إلى دي خيا؛ إذ انتقل إلى بيئة تنافسية مختلفة، وخاض تحديًا جديدًا في الدوري الإيطالي، مستفيدًا من خبرته الطويلة في الملاعب الإنجليزية وما اكتسبه خلالها من تجارب على أعلى المستويات.
وسرعان ما أثبت الحارس الإسباني قدرته على تقديم الإضافة "للفيولا"، ونجح في استعادة إيقاع المنافسة وفرض اسمه ضمن العناصر المهمة في تشكيلة فيورنتينا.
وفي 31 مايو 2025، حسم فيورنتينا موقفه من مستقبل الحارس الإسباني، معلنًا تجديد عقده لمدة ثلاثة مواسم إضافية، ليستمر ارتباطه بالنادي حتى يونيو 2028.
حاليًا، وفي عمر الـ35 عامًا، يواصل دي خيا الدفاع عن ألوان فيورنتينا الإيطالي، مرتديًا القميص رقم 43، ومواصلًا مسيرته في الملاعب الأوروبية.
في النهاية، تظل تجربة ديفيد دي خيا واحدة من أبرز قصص حراس المرمى في كرة القدم الأوروبية خلال العقد الأخير؛ رحلة شهدت صعودًا إلى قمة المنافسة مع مانشستر يونايتد، ومحطات صعبة اختبرت قدرته على الاستمرار، وصولًا إلى عودة جديدة من بوابة فيورنتينا.
