لماذا تُطلى معالجات الحواسيب بالذهب؟ وما الجدوى الاقتصادية لاستخلاصه من الإلكترونيات القديمة؟
تُغطي طبقة ذهبية رقيقة أطراف توصيل المعالج والموصل والتلامس في أجهزة الحاسوب المكتبية والمحمولة على حد سواء.
ويدفع هذا البريق اللامع بعض المهتمين إلى محاولة استخلاص الذهب من الإلكترونيات القديمة، غير أن الواقع أقل إثارة مما يبدو، إذ تُخفي هذه اللمعة حقيقة تقنية وليس كنزًا مدفونًا.
ما الذي يجعل الذهب مناسبًا لأطراف توصيل المعالج؟
يتمتع الذهب بخصائص فيزيائية تجعله الخيار الأمثل في تصنيع أطراف توصيل المعالجات، حيث تحمي الطبقة الذهبية الرقيقة المعدن الأساسي من التآكل، إذ لا يتأكسد الذهب ولا يصدأ عند تعرضه للهواء أو الرطوبة، ما يضمن عمرًا تشغيليًا طويلًا للمكوّن.
ويتميز الذهب كذلك بموصلية كهربائية جيدة تُسهم في تمرير التيار بكفاءة أعلى، فضلاً عن مرونته وقابليته للتشكيل، وهما خاصيتان ضروريتان لتأمين تلامس مستمر وثابت بين أطراف المعالج ومقبس اللوحة الأم دون تآكل أو انقطاع في الاتصال.
ويضاف إلى ما سبق قدرة الذهب على الحماية من الحرارة العالية التي تتجاوز 125 درجة مئوية، ما يجعله درعًا وقائية للمكونات المجاورة.
وتُنجز هذه الطبقة الحمائية عبر عملية تُعرف "بالطلاء الكهروكيميائي"، تمر فيها شحنة كهربائية عبر حمام سائل ساخن لترسيخ أيونات الذهب فوق المعدن الأساسي كالنحاس أو سبائكه.
كم يحمل المعالج من ذهب حقًا؟
تكشف التجارب العملية أن الكميات الموجودة أقل بكثير مما قد يتخيل المرء، وأظهر مقطع نشرته قناة Iman Gold Recovery على يوتيوب أن استخلاص الذهب من 150 معالجًا من طراز Intel Pentium 4 لم يُسفر إلا عن أقل من جرام واحد من الذهب في المجموع.
ويرجع ذلك إلى أن أطراف التوصيل مطلية بالذهب ولا تتضمن ذهبًا صلبًا في تركيبها الجوهري، إذ تبلغ سماكة طبقة الذهب في المكونات الحديثة ما بين 0.1 و0.5 ميكرومتر فحسب.
وقد كانت هذه السماكة تبلغ نحو ميكرومتر واحد في ثمانينيات القرن الماضي، أي ضعفي السماكة الراهنة على أقل تقدير، قبل أن تتراجع مع تقلّص أحجام المكونات وتطور أساليب التصنيع.
ويُفضي هذا الواقع إلى أن تكاليف المعدات والمواد الكيميائية اللازمة للاستخلاص تفوق في الغالب قيمة الذهب المستخلص، لذا فإن لوح حاسوب يعود إلى التسعينيات قد يُنتج ما بين جرام وخمسة جرامات من الذهب وفقًا لـPhoenix Refining، بينما لا يحتوي الهاتف الذكي الحديث على أكثر من 0.034 غرام.
متى يستحق استخلاص الذهب من الإلكترونيات عناءه؟
يغدو الاستخلاص مجديًا اقتصاديًا عند النطاق الصناعي تحديدًا، لا في بيئة المختبر المنزلي أو الشخصي؛ إذ لا يتطلب الأمر تراكمًا هائلًا من الأجهزة القديمة وخصوصًا الإلكترونيات التي تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، نظرًا لأن طبقة الذهب فيها أكثر سماكة مما في المكونات المعاصرة، كما أن أحجام المكونات كانت أكبر بكثير.
وتُشكّل الاعتبارات الأمنية عاملًا رادعًا إضافيًا، إذ تستلزم العملية مواد كيميائية خطرة ينبغي التعامل معها في مستخلص أبخرة متخصص؛ لذا يُوصى بإرسال الإلكترونيات القديمة إلى خدمات متخصصة في إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية أو تكرير المعادن، بدلاً من محاولة معالجتها في المنزل.
وتنطبق هذه التوصيات ذاتها بصرف النظر عن نوع الجهاز المُعالَج، سواء أكانت حواسيب أم هواتف ذكية، إذ تتشابه العملية وتوصياتها في كلتا الحالتين.
والخلاصة أن المعدن الثمين موجود فعلًا في جهازك، لكنه يظل في خدمة أدائه التقني لا في متناول من يسعى إلى استثماره.
هل يختلف المعالج الحديث عن القديم في محتواه من الذهب؟
شهدت عقود التصنيع تحولاً واضحًا في كميات الذهب المستخدمة داخل المعالجات؛ حيث تعمل المكونات الحديثة بطبقات ذهبية أنحف بكثير تراوح سماكتها بين 0.1 و0.5 ميكرومتر، في حين اقتربت السماكة من ميكرومتر كامل في ثمانينيات القرن الماضي، وهو فارق يُترجَم مباشرةً إلى كميات مختلفة عند الاستخلاص.
ويُعمّق هذا الفارقَ تقلّصُ أحجام المكونات الإلكترونية بصورة ملحوظة بين حقبتَي الثمانينيات والتسعينيات من جهة، والحواسيب المعاصرة من جهة أخرى، إذ صغرت المساحات السطحية التي يُطلى عليها الذهب.
ومن ثم باتت أجهزة تلك الحقبة أكثر جدوى لمن يسعى إلى استرداد المعادن، شريطة توافر كميات كبيرة منها، إذ تبقى مع ذلك الفجوة بين الكلفة والعائد المعضلةَ الرئيسة في هذا المجال، فحتى مع تفوق المكونات القديمة على الحديثة، تظل حصيلة الذهب المستخلص من أعداد كبيرة من الأجهزة متواضعةً ما لم تتوفر طاقة صناعية ومعدات احترافية تُبرر هذا الجهد.
