ما هو الوله العاطفي «Limerence» وكيف يختلف عن الحب الحقيقي؟
يُعاني كثير من الناس حالة نفسية خفية تتجاوز حدود الإعجاب العادي نحو هوس متواصل بشخص لا يبادلهم المشاعر، وهو ما يُعرف بالوله العاطفي.
ورصد بحث نشرته كلوي إيفانز ومجموعة من الباحثين عام 2026 بعنوان "الحب والشوق والهوس" هذه الظاهرة بعمق، كاشفًا الفوارق الجوهرية بين الحب الصحي والهوس العاطفي المُعيق.
ما الوله العاطفي وكيف يتطور؟
عرّفت إيفانز وزملاؤها، في البحث المنشور بمجلة "علم النفس"، الوله العاطفي "Limerence" حالة نفسية "بأنها شوق قهري مزمن وغير مُبادَل" تجاه شخص بعينه.
ولا تظهر هذه الحالة فجأة، بل تبدأ في مرحلة المراهقة وتتكرر على مدار الحياة البالغة في نحو خمس نوبات، يمتد كل منها قرابة عامين من التركيز القهري على شخص محدد.
وتقف عوامل عدة خلف هذه الحالة، أبرزها التعلق غير الآمن، والتجارب الطفولية السلبية، والسمات المعرفية الوسواسية.
وتُشير إيفانز ومن معها إلى أن الوله العاطفي ينشأ في الغالب من صميم الصدمات النفسية وعدم الأمان في العلاقات، ويتغذى على الحالات المزاجية السلبية كالوحدة والحزن.
ورصدت الدراسة كذلك ارتباط هذه الحالة بالقلق والاكتئاب والحلم التكيّفي السلبي، وتوصلت إلى أن أفكار الوله تستحوذ على نحو نصف ساعات اليقظة لدى المصابين بها، ما يجعلها عبئًا معرفيًا حقيقيًا يُعيق الحياة اليومية ويُضيّق نطاق الاهتمامات الأخرى.
الفرق بين الحب والوله العاطفي
الوله العاطفي ليس حبًا بالمعنى المتعارف عليه، إذ يقوم أساسًا على مشاعر غير مُتبادَلة، بخلاف الحب الذي ينمو في بيئة من الاهتمام المتبادل.
وتُوضح إيفانز وزملاؤها أن الوله حالة معرفية وجدانية لا إرادية، تتمحور حول شوق قهري "يستنفد كل شيء" تجاه شخص لا يدرك في الغالب أهمية ما يمثله للطرف الآخر.
ويتميز الوله عن الإعجاب العابر أو المشاعر الرومانسية المعتادة بثلاث سمات جوهرية: فهو لا إرادي، وأطول أمدًا، وقهري الطابع، ويشمل تخيلات مُثالَية للشخص المعني مع أمل دائم في المبادلة، ويمكن أن تمتد نوبات الوله لسنوات متواصلة، فضلاً عن إمكانية انتقال الهوس من شخص إلى آخر.
ويُفرّق الباحثون بين الوله والحالة المعروفة بالهوس الغرامي الوهمي، وهو اعتقاد وهمي بأن شخصًا ذا مكانة اجتماعية يقع في غرام صاحبه.
أما في الوله فلا مبادلة فعلية للمشاعر، بل وهم مبادلة تُغذيه الخيالات وحدها، إذ يُسبغ الشخص على تصرفات الطرف الآخر العادية معانيَ رومانسية لا وجود لها.
تشابه بين الوله العاطفي والإدمان السلوكي
تُبرز إيفانز ومن شاركوها الدراسة أوجه تشابه لافتة بين الوله العاطفي والإدمان السلوكي، وتشمل الإعاقة الوظيفية، والتقلب الانفعالي، والاستحواذ المعرفي.
وتُضيف أن السمات المشتركة تمتد لتطال تعديل المزاج، حيث تتشكل النشوة والكآبة بحسب ما يتخيله الشخص من تلميحات المبادلة أو انعدامها.
يُلاحَظ أيضًا ما يشبه أعراض الانسحاب حين ينقطع التواصل، إذ يُعاني الشخص ضيقًا حادًا، إضافة إلى تعارض هذه الحالة مع العلاقات القائمة وعجز صاحبها عن التوقف عن التفكير في موضع الوله؛ بل إن الانتكاس وارد، سواء بالعودة إلى الأفكار القهرية ذاتها أو بنقل المشاعر إلى هدف جديد.
ويرى الباحثون أن هذا التشابه مع الإدمان لا يقتصر على الأعراض، بل يمتد إلى مسار الحالة نفسها؛ فكما يتحوّل الإدمان إلى دورة متكررة يصعب كسرها، يجد الشخص الواله نفسه أسير دوامة من التفكير القهري التي تستعصي على الإرادة.
علامات التحول من إعجاب إلى هوس
ثمة مؤشرات واضحة تُنبّئ بتحول الإعجاب العابر إلى وله عاطفي مُعيق، ومن أبرزها ظهور أفكار متطفلة وسلبية التكيّف تجاه غريب أو معرفة بسيطة أو حتى شخصية عامة، وهي أفكار لا يستطيع صاحبها التحكم فيها أو دفعها.
ويُسهم التعرف المبكر على علامات الوله لدى الشخص نفسه أو ممن حوله في فتح الباب أمام طلب المساعدة قبل أن تتعمق التداعيات على العلاقات والحياة عمومًا، ويرتبط الوله بعواقب سلبية على التكيّف تمس مجالات الحياة كافة، من العلاقات الاجتماعية إلى الأداء اليومي.
والمسار نحو الصحة النفسية يبدأ بالتعرف المبكر على هذه الأفكار والمعتقدات الضارة، للحد من القلق وتعزيز التغيير الإيجابي؛ فالجانبان الجسدي والانفعالي متلازمان في منظومة الصحة، ما يجعل الاعتراف بالهوس العاطفي خطوة أساسية لا تأجيل فيها، مع الإشارة إلى أن الدعم المتخصص متاح لمن يعاني وله غير مُبادَل.
