قبل الوداع أمام بنين.. رحلة ميسي التاريخية مع الأرجنتين
في ثمانينيات القرن الماضي، بزغ من مدينة لانوس الأرجنتينية شاب قصير القامة، طويل الشعر، يُداعب كرة القدم بموهبة استثنائية؛ كان اسمه دييجو أرماندو مارادونا.
لنحو عقدين تقريبًا، ظل مارادونا هو الاسم الذي يتبادر إلى ذهن الأرجنتينيين كلما ذُكرت كرة القدم، أسطورة بدت مكانتها عصية على أن ينافسها أحد.
لكن بعد سنوات، ظهر لاعب آخر من أرض الأرجنتين، قصير القامة أيضًا، وصاحب قدم يسرى ساحرة، ليبدأ فصلًا جديدًا من الحكاية: إنه ليونيل ميسي.
بدايات ميسي مع الأرجنتين
بدأت حكاية ليونيل ميسي مع قميص الأرجنتين في وقت مبكر من مسيرته، حين كانت موهبته تتشكل داخل أكاديمية "لا ماسيا" وتلفت الأنظار إلى لاعب يمتلك قدرات استثنائية في سن صغيرة.
وفي يونيو 2004، حصل ميسي على فرصته الأولى مع منتخب الأرجنتين تحت 20 عامًا، ليظهر أمام باراغواي في مباراة ودية انتهت بانتصار كاسح لبلاده بنتيجة 8-0.
وكانت كأس العالم تحت 20 عامًا 2005 في هولندا نقطة التحول الكبرى في بدايات ميسي مع الأرجنتين، والبطولة التي شهدت أول ظهور عالمي حقيقي للاعب الشاب. هناك، فرض نفسه واحدًا من أبرز نجوم البطولة بأداء لافت وأرقام حاسمة.
سجل ميسي 6 أهداف خلال مشوار الأرجنتين نحو اللقب، وقدم مستوياته الأكثر تأثيرًا في المباراة النهائية أمام نيجيريا، حين أحرز هدفين قادا المنتخب الأرجنتيني إلى التتويج بكأس العالم للشباب.
وفي ختام البطولة، حصد ميسي الحذاء الذهبي كأفضل هداف والكرة الذهبية كأفضل لاعب، ليخرج من كأس العالم للشباب باسم مختلف تمامًا عما دخل به.
عجّل هذا التألق بانضمامه إلى المنتخب الأول، وفي 17 أغسطس 2005، ارتدى ميسي قميص الأرجنتين للمرة الأولى على مستوى الكبار أمام المجر، في سن الثامنة عشرة.
ولكن حمل الظهور الأول واحدة من أكثر اللحظات غرابة في بداياته الدولية، بعدما تعرض للطرد بعد 47 ثانية فقط من دخوله أرض الملعب.
واصل ميسي بعدها طريقه مع المنتخب، وبدأ في صناعة حضوره تدريجيًا داخل الفريق. وفي مارس 2006، سجل أول أهدافه الدولية أمام كرواتيا، ليضع أول بصمة تهديفية له مع المنتخب الأول، ثم جاءت المشاركة في كأس العالم بألمانيا بعد أشهر قليلة لتمنحه أول حضور في البطولة الأهم في كرة القدم.
في مونديال ألمانيا 2006، دخل ميسي قائمة اللاعبين الذين شاركوا في كأس العالم للمرة الأولى، وسجل هدفه أمام صربيا والجبل الأسود، ليصبح أحد أصغر اللاعبين الأرجنتينيين الذين تركوا بصمة تهديفية في المونديال.
نهائيات كبرى وحظ متعثر
يمتلك ليونيل ميسي اليوم إرثًا كرويًا استثنائيًا مع منتخب الأرجنتين، لكن الطريق إلى هذا المجد لم يكن ممهدًا على الإطلاق.
قبل أن يرفع الكؤوس ويحقق أحلام الجماهير الأرجنتينية، عاش ميسي سنوات طويلة من الإخفاقات والخيبات مع الألبيسيليستي، ووجد نفسه في أكثر من مناسبة قريبًا من المجد قبل أن تضيع الفرصة في اللحظات الحاسمة.
بدأت هذه السلسلة في كوبا أمريكا 2007، وقد دخل ميسي البطولة ضمن جيل يملك طموحًا كبيرًا، ووصل إلى المحطة الأخيرة بحثًا عن أول لقب كبير مع المنتخب الأول، قبل أن تنتهي المباراة النهائية بخسارة قاسية من البرازيل بنتيجة 3-0.
وبعد سبع سنوات، جاءت الفرصة الكبرى على الإطلاق في كأس العالم 2014، حين قاد ميسي الأرجنتين إلى النهائي في البرازيل، وبات على بعد مباراة واحدة من رفع الكأس الأغلى في كرة القدم.
امتدت المواجهة أمام ألمانيا إلى الوقت الإضافي، وحافظ التعادل على آمال الأرجنتينيين حتى الدقيقة 113، عندما سجل ماريو غوتزه هدف المباراة الوحيد، لتنتهي رحلة الأرجنتين نحو اللقب عند الخطوة الأخيرة.
ثم انتقلت القصة إلى كوبا أمريكا 2015، حين عاد ميسي ورفاقه إلى النهائي بحثًا عن تعويض جديد، وقد واجهت الأرجنتين تشيلي، وامتدت المباراة إلى ركلات الترجيح بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل.
ولكن حسم المنتخب التشيلي اللقب من نقطة الجزاء، لتتواصل فترة الانتظار التي ازدادت ثقلًا مع كل نهائي جديد.
وبعد عام واحد فقط، تجدد الموعد في كوبا أمريكا المئوية 2016، وعاد النهائي ليجمع الأرجنتين وتشيلي مرة أخرى.
تكررت ركلات الترجيح، وتكرر معها المشهد القاسي بالنسبة لميسي، بعدما أهدر ركلته خلال السلسلة، وانتهت المباراة بتتويج تشيلي للمرة الثانية على التوالي.
حملت تلك الخسارة وقعًا بالغًا على ميسي، خصوصًا أنها جاءت في نهائي كبير رابع يخسره مع المنتخب.
وصل الإحباط إلى ذروته عقب المباراة، وأعلن ميسي اعتزاله اللعب الدولي مؤقتًا، في لحظة بدت فيها علاقته بقميص الأرجنتين أمام منعطف حاسم.
كوبا أمريكا 2021.. بداية المجد
بعد سنوات طويلة ظل فيها ميسي يقترب من المجد مع الأرجنتين ثم يفقده عند المنعطف الأخير، جاءت كوبا أمريكا 2021 لتمنحه اللحظة التي انتظرها طويلًا.
في 10 يوليو 2021، كان ملعب ماراكانا في ريو دي جانيرو مسرحًا للمواجهة التي انتظرها ميسي طوال مسيرته الدولية، وقفت الأرجنتين أمام غريمها الأزلي البرازيل في النهائي، وكان اللقب القاري على بُعد 90 دقيقة فقط.
جاءت لحظة الحسم في الدقيقة 22، عندما أرسل أنخيل دي ماريا الكرة إلى شباك البرازيل، ليمنح منتخب بلاده هدف المباراة الوحيد، ثم تبدأ الاحتفالات بلقب طال انتظاره 28 عامًا كاملة.
مثّلت تلك الليلة نقطة تحول في مسيرة ميسي الدولية، فهي أول بطولة كبرى يرفعها مع المنتخب الأول بعد سلسلة من خسائر النهائيات.
عكس أداء ميسي الفردي حجم تأثيره في البطولة؛ إذ سجل أربعة أهداف وصنع خمسة، وتصدر قائمة الهدافين بالتساوي مع الكولومبي لويس دياز، ونال جائزة أفضل لاعب.
ومن ماراكانا بدأت مرحلة جديدة لم تتوقف عند حدود كوبا أمريكا، في يونيو من عام 2022، عاد ميسي إلى ملعب ويمبلي في لندن لخوض الفيناليسيما أمام إيطاليا، بطلة أوروبا، في مواجهة جمعت بطلي القارتين.
دخلت الأرجنتين المباراة بثقة واضحة، وفرضت إيقاعها على اللقاء حتى خرجت بانتصار كبير بنتيجة 3-0.
سجل لاوتارو مارتينيز الهدف الأول، وأضاف أنخيل دي ماريا الثاني، ثم اختتم باولو ديبالا الثلاثية، ليحتفل ميسي بلقب دولي جديد بعد أقل من عام على تتويجه القاري.
مثّلت الفيناليسيما خطوة أخرى في رحلة الجيل الذي أعاد الأرجنتين إلى دائرة البطولات، ومهدت الطريق إلى المحطة العظمى في كأس العالم 2022.
كأس العالم 2022.. ميسي على قمة العالم
وصل المنتخب الأرجنتيني إلى كأس العالم 2022 بطموح كبير، فيما دخل ميسي البطولة وهو يبحث عن اللقب الوحيد الذي ظل ينقص مسيرته.
سجل الأهداف، وصنع الفرص، وظهر في المواعيد الكبرى، حتى قاد المنتخب إلى النهائي أمام فرنسا يوم 18 ديسمبر 2022، في مواجهة أصبحت واحدة من أشهر مباريات البطولة عبر تاريخها.
وفي واحدة من أكثر النهائيات إثارة في تاريخ البطولة، سجل ميسي هدفين، قبل أن تحسم الأرجنتين اللقب بركلات الترجيح بعد التعادل 3-3، لتتوج بكأس العالم للمرة الثالثة في تاريخها وبعد 36 عامًا من آخر لقب.
أنهى ميسي البطولة برصيد 7 أهداف و3 تمريرات حاسمة، وسجل في جميع أدوار البطولة، كما حصل على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال للمرة الثانية في مسيرته، ليصبح أول لاعب يفوز بها مرتين.
في مونديال 2026، واصل ميسي إضافة الأرقام إلى سجله المونديالي، بعدما شارك في النسخة السادسة من البطولة وهو في التاسعة والثلاثين من عمره.
رفع عدد مبارياته في كؤوس العالم إلى 34 مباراة، ليصبح صاحب الرقم القياسي التاريخي في عدد المشاركات بالمباريات المونديالية.
خلال نسخة 2026، سجل ميسي 8 أهداف وصنع 4 تمريرات حاسمة، ليرفع إجمالي رصيده في تاريخ كأس العالم إلى 21 هدفًا و12 تمريرة حاسمة.
كما وصل مع الأرجنتين إلى النهائي للمرة الثالثة في مسيرته، حيث واجه إسبانيا في مباراة امتدت إلى الوقت الإضافي وحسمها المنتخب الإسباني بهدف نظيف، ليختتم ميسي مشواره في كأس العالم بسجل يضم ميدالية ذهبية واثنتين من الميداليات الفضية.
أرقام ميسي مع منتخب الأرجنتين
تكشف مسيرة ليونيل ميسي مع الأرجنتين عن حصيلة رقمية ضخمة امتدت لأكثر من عقدين، وارتبطت خلالها مسيرته بالعديد من السجلات التاريخية للمنتخب والبطولات الكبرى.
وصل ميسي إلى 207 مباريات دولية و125 هدفًا، ليحتل صدارة الهدافين التاريخيين للمنتخب الأرجنتيني بفارق كبير عن أقرب منافسيه.
وتكتمل قيمة هذه الأرقام بالبطولات التي حققها مع المنتخب، بعدما قاد الأرجنتين إلى أربعة ألقاب كبرى خلال المرحلة الأهم من مسيرته الدولية: كوبا أمريكا 2021، الفيناليسيما 2022، كأس العالم 2022، وكوبا أمريكا 2024.
وفي كأس العالم، يمتلك ميسي مجموعة من الأرقام التي تضعه في مقدمة أصحاب الأرقام القياسية في تاريخ البطولة.
شارك في 34 مباراة عبر ست نسخ من المونديال، وهو الرقم الأعلى في تاريخ كأس العالم، كما سجل 21 هدفًا خلال مشاركاته، ليأتي في المركز الثاني في قائمة الهدافين التاريخيين للبطولة خلف كيليان مبابي (22).
حمل مونديال قطر تحديدًا رقمًا تاريخيًا آخر لميسي، بعدما أصبح أول لاعب يسجل في جميع أدوار كأس العالم، من دور المجموعات حتى المباراة النهائية.
وباحتساب أهدافه وتمريراته الحاسمة، يصل إجمالي مساهماته التهديفية في تاريخ المونديال إلى 33 مساهمة، ليجمع خلال مسيرته بين التسجيل وصناعة الأهداف على أكبر مسرح كروي.
ويمتد تفوق ميسي إلى الجوائز الفردية أيضًا؛ فقد حصل على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في كأس العالم عامي 2014 و2022، ليصبح اللاعب الوحيد الذي فاز بالجائزة مرتين في تاريخ البطولة.
الأرجنتين ضد بنين.. الرقصة الأخيرة لميسي
هناك مباريات تُقاس نتيجتها بالأهداف، وأخرى تبقى في الذاكرة بسبب اللحظة التي تمثلها، ومواجهة الأرجنتين وبنين تنتمي إلى النوع الثاني، لأنها تحمل الظهور الأخير لليونيل ميسي بقميص منتخب بلاده، بعد أكثر من عقدين عاش خلالها مع الأرجنتين واحدة من أطول وأهم الرحلات في تاريخ كرة القدم الحديثة.
تقام المباراة فجر يوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، في تمام الساعة الثانية صباحًا بتوقيت مكة المكرمة والقاهرة، في ليلة قد تتحول إلى واحدة من أكثر ليالي كرة القدم عاطفية بالنسبة لعشّاق ميسي.
بعد أكثر من 20 عامًا من الحكايات، والدموع، والانتصارات والانكسارات، يقترب صاحب الرقم 10 من إسدال الستار على مسيرته الدولية، بعدما عاش مع الأرجنتين كل شيء تقريبًا؛ من خسارة النهائيات والانتقادات القاسية، إلى كسر لعنة الألقاب ورفع كوبا أمريكا، والفيناليسيما، ثم كأس العالم في ليلة تاريخية بقطر.
وفي ملعب مونومنتال الليلة، لن تكون الأنظار موجهة فقط إلى نتيجة المباراة، وإنما إلى رجل صنع جزءًا من تاريخ كرة القدم وارتدى قميص الأرجنتين في أكثر من 200 مباراة دولية، وسجل خلالها أكثر من 100 هدف.
هذه هي المرة الأخيرة التي نراه فيها ميسي يقف أمام الجماهير الأرجنتينية بهذا القميص، والمرة الأخيرة التي نسمع فيها الهتاف الشهير باسمه من مدرجات المنتخب.
الأرجنتين ضد بنين ستكون مباراة في جدول المباريات، وستكون في الوقت نفسه لحظة وداع لأسطورة صنعت تاريخها مع المنتخب من أقصى درجات الألم إلى قمة المجد.
