مهرجان كان.. كيف تحول إلى موعد عالمي للسينما؟
يصادف اليوم 20 سبتمبر ذكرى انطلاق الدورة الأولى الفعلية لـ مهرجان كان السينمائي عام 1946، بعد سنوات من التأجيل فرضتها الحرب العالمية الثانية، لكن حكاية المهرجان بدأت قبل ذلك بسنوات، حين ولدت فكرة إقامة حدث سينمائي دولي لا تخضع فيه الأفلام لضغوط السياسة.
كيف وُلدت فكرة مهرجان كان؟
تعود جذور مهرجان كان إلى عام 1938، عندما شهد مهرجان فينيسيا السينمائي جدلاً واسعًا إثر تأثر الجوائز بالضغوط السياسية في أوروبا، ودفعت تلك الواقعة فرنسا إلى التفكير في مهرجان جديد يمنح الفن السينمائي مساحة أكثر استقلالاً، وفقًا للموقع الرسمي للمهرجان.
وحظيت الفكرة بدعم وزير التعليم الفرنسي جان زاي ووزير الداخلية ألبرت سارو، وبدأ البحث عن مدينة تستضيف الحدث، ووقع الاختيار أولاً على بياريتز، قبل أن تنجح كان في الحصول على الاستضافة بفضل جهود عدد من الشخصيات المحلية ومديري الفنادق.
وفي 31 مايو 1939، وُلد رسميًا "المهرجان الدولي للسينما في كان"، وكان من المقرر إقامة دورته الأولى بين 1 و20 سبتمبر من العام نفسه، بمشاركة عدد من الدول، وبرئاسة شرفية للويس لوميير، لكن الحرب كانت أسرع من السينما.
الحرب تؤجل حلم مهرجان كان
أُلغيت الدورة التي كان يجري الإعداد لها عام 1939 بعد توقيع الاتفاق الألماني السوفيتي وتصاعد التوتر في أوروبا، ثم غزت ألمانيا بولندا في الأول من سبتمبر، وأعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب بعد أيام.
كانت قائمة الأفلام المنتظرة تضم أعمالاً شهيرة مثل "ساحر أوز" و"فقط الملائكة لها أجنحة" و"اتحاد المحيط الهادئ"، إلا أن المهرجان لم يتجاوز عروضًا محدودة، بينها عرض خاص لفيلم "أحدب نوتردام".
حاول المنظمون إحياء المشروع عام 1940، لكن الحرب والظروف الاقتصادية واللوجستية حالت دون ذلك، ومع انتهاء الحرب، عادت الفكرة إلى الحياة، لتُفتتح أول دورة فعلية في 20 سبتمبر 1946.
وشهدت كان آنذاك احتفالاً استثنائيًا عكس رغبة أوروبا في استعادة الحياة بعد سنوات الحرب؛ حيث تم تنظيم حفلات ومواكب وألعاب نارية وعروض فنية، إلى جانب مشاركة 19 دولة.
وضمت الدورة أسماء بارزة من عالم السينما، من بينها روبرتو روسيليني ووالت ديزني وبيلي وايلدر وجورج كوكور وديفيد لين وجان رينوار.
انطلاقة مهرجان كان
لم تكن رحلة كان سهلة في بدايتها؛ فقد أُلغيت دورتا 1948 و1950 بسبب نقص التمويل، وانتقل موعد المهرجان لاحقًا إلى مايو، وفي 1955 ظهرت "السعفة الذهبية" للمرة الأولى، وفاز بها فيلم "مارتي" للمخرج ديلبرت مان.
ومع نهاية الخمسينيات، بدأ المهرجان يفتح أبوابه أمام جيل جديد من المخرجين والأفلام الأكثر جرأة، فظهرت أعمال فرنسوا تروفو وجان لوك غودار وغيرهما، وأصبح كان مساحة لاكتشاف المواهب ومناقشة التحولات التي يشهدها الفن السابع.
ثم جاءت احتجاجات مايو 1968 لتقطع إحدى دوراته، بعدما انسحب عدد من المخرجين وأعضاء لجنة التحكيم تضامنًا مع الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا، وبعدها دخل المهرجان مرحلة جديدة ركزت بصورة أكبر على الحرية الإبداعية وتوسيع مساحة الاختيارات السينمائية.
وخلال السبعينيات والثمانينيات، تطورت هوية كان مع ظهور أقسام وبرامج جديدة، واتسعت المشاركة لتشمل سينمات من آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وغيرها، كما انتقل المهرجان إلى قصر المهرجانات الجديد، وأصبحت درجاته الحمراء الـ24 جزءًا من الصورة العالمية المرتبطة به.
السجادة الحمراء التي أصبحت عنوانًا للسينما
في التسعينيات والألفية الجديدة، تحول مهرجان كان إلى منصة عالمية تجمع بين الفن وصناعة السينما واكتشاف المواهب.
وشهدت دوراته تتويج أفلام ومخرجين من مختلف أنحاء العالم، وأطلق برامج لدعم المخرجين الشباب وترميم الأفلام الكلاسيكية وتمويل المشاريع الجديدة.
ورغم توقف المهرجان عام 2020 بسبب جائحة كورونا، استمر في تطوير برامجه ومنصاته، وصولاً إلى صورته الحالية التي تجمع صناع الأفلام والنجوم والنقاد والمنتجين من مختلف أنحاء العالم.
وبين دورة أوقفتها الحرب عام 1939 ومهرجان أصبح واحدًا من أبرز مواعيد السينما العالمية، تحولت كان من فكرة وُلدت احتجاجًا على تسييس الفن إلى موعد سنوي تختلط فيه الأفلام بالنجوم، وتبقى السجادة الحمراء واحدة من أشهر رموزه.
