رائدة الأعمال بشاير الجند لـ "الرجل": الحدس وحده لا يكفي.. ينجح القائد حين يبني فريقًا ينجح في غيابه
ليست كل قصة نجاح في عالم التسويق تبدأ من كلية إدارة الأعمال. فقد جاءت الشابة السعودية بشاير الجند إلى هذا القطاع من عالم الهندسة، حاملةً معها عقلية تحليلية ومنهجية مختلفة، لتصنع خلال ثماني سنوات مسيرة مهنية لافتة في قيادة المشاريع وبناء الشراكات الاستراتيجية. واليوم، تشغل منصب المؤسس ورئيس مجلس إدارة Brand Atelier، بعد أن تركت بصمة واضحة في عدد من أكبر المشاريع الوطنية، من مواسم الرياض وجدة إلى مبادرات الهيئة العامة للترفيه وهيئة السياحة السعودية.
في حوارها مع "الرجل"، تتحدث الجند عن رحلتها من الهندسة إلى قيادة الأعمال، وكيف غيّرت عقلية المهندس نظرتها إلى التسويق، ورؤيتها لمستقبل اقتصاد المؤثرين في المملكة، إلى جانب فلسفتها في القيادة والتفاوض، وبناء فرق العمل، واستثمار الفرص التي أتاحتها رؤية السعودية 2030. المزيد من التفاصيل في الحوار التالي.
من الهندسة إلى قمة الأعمال
كيف استفدت من دراستك التخصصية في عملك المهني؟
قد تبدو النقلة من عالم الرياضيات والكهرباء إلى فضاء الحملات التسويقية واقتصاد المؤثرين غريبة للبعض، لكن الرابط بينهما جوهري وعميق. الهندسة لم تكن بالنسبة لي مجرد أرقام أو مشاريع تقنية، بل هي منهجية تفكير قائمة على تفكيك المعضلات المعقدة إلى عناصرها الأولية، والبحث عن الأسباب الجذرية بدلاً من الانشغال بمعالجة الأعراض، وهذا النهج أطبقه يومياً في عالم الأعمال.
حين توليت إدارة خدمات العملاء في وكالة (Buttermilk)، أدركت أن التسويق يحتاج إلى هذه العقلية؛ فالقرارات لا ينبغي أن تبنى على الحدس فحسب، بل على تحليل البيانات، وفهم المتغيرات، وبناء استراتيجيات قابلة للقياس
أنا لا أنظر للمشروع كحملة عابرة، بل كمنظومة متكاملة؛ ودوري كقائدة هندسة العناصر لضمان أعلى مستويات الكفاءة. باختصار أنا لم أترك الهندسة، بل نقلتها من هندسة الآلات إلى هندسة العلاقات، ونجاح العملاء، ونمو الأعمال.
ما هي المحطة التي أعلنت انتقالكِ من "موظفة ناجحة" إلى "قائدة مؤثرة"؟
لم تكن لحظة فارقة بقدر ما كانت مسؤولية استثنائية حين أُسندت إليّ مهمة تأسيس وقيادة أعمال (Buttermilk) في السوق السعودي. هنا اتسع دوري ليشمل بناء العلاقات الاستراتيجية، وفتح الأبواب، وتمثيل الوكالة أمام الجهات الحكومية والشركات الكبرى، وتحويل الفرص إلى شراكات ملموسة عندما رأيت مشاريعنا تتجسد في تعاون فعلي مع جهات وطنية كبرى. أدركت أن مقياس النجاح ليس في عدد الحملات، بل في حجم الأثر المتروك على الصناعة. القيادة في نظري ليست منصباً، بل هي القدرة على التأثير، وصناعة الفرص، وبناء جسور الثقة مع الآخرين، وهو الإنجاز الذي أعتز به أكثر من أي مشروع آخر.
التسويق بعقلية الاستثمار
عطفًا على السؤال السابق: كيف أثرت دراسة التحليل المالي على رؤيتك للتسويق؟
صراحةً، التحول الأكبر في طريقة تفكيري يكمن في رؤيتي للتسويق كاستثمار حقيقي وليس كـ "مصاريف" مستنزفة، قبل إطلاق أي حملة، فبات لزامًا عليّ طرح تساؤلات جوهرية:
* ما هو العائد الاستثماري المتوقع مقابل هذا الإنفاق؟
* وإذا لم نحقق مستهدفاتنا، ما هي خطتنا البديلة للتعديل السريع؟ واليوم، لم يعد كافيًا أن نحكم بنجاح الحملة لمجرد أنها أحدثت تفاعلاً أو "ترند"؛ بل العبرة بالأرقام: هل ارتفعت المبيعات؟ هل استقطبنا زوارًا أكثر؟ وهل تحققت الأهداف الاستراتيجية للمشروع؟ بالنسبة لي، أي قرار تسويقي لا يستند إلى مبرر مالي واضح هو قرار ناقص.
القيادة تحت الضغط
في ظل ضغوط المشاريع الوطنية الكبرى، كيف تحافظين على التوازن والإبداع؟
لا أؤمن بالتوازن المثالي بقدر ما أؤمن بمرونة الأولويات، في المشاريع الوطنية الكبرى. الضغط جزء طبيعي من العمل، والتحدي الحقيقي يكمن في إدارة الطاقة لا الوقت. الإبداع يتطلب مساحة للتجدد، وأجد ذلك في القراءة والسفر، والتعلم من مجالات متنوعة خارج بيئة العمل. كما تعلمت أن القائد الحقيقي لا يُقاس بما ينجزه بيديه، بل بقدرته على بناء فريق متمكن وواثق، ينجح في غيابه.
والتوازن الحقيقي هو أن يظل نجاحك المهني متناغماً مع صحتك وعلاقاتك، ما يجعل الإبداع مستداماً والتعامل مع التحديات أكثر نضجاً.
المؤثرون: من الإعلان إلى الشراكة
ما هي معادلتكِ لتحويل "المؤثر" إلى شريك استراتيجي في مشاريع الدولة؟
الخطأ الشائع هو النظر للمؤثر كأداة إعلانية صماء في المشاريع الوطنية، نبحث عمن يمتلك القدرة على سرد القصة وبناء الثقة، تقوم معادلتنا على ثلاثة أعمدة: المصداقية، والمواءمة، والشراكة. المؤثر الناجح هو من يؤمن بالرسالة ويتم اختياره بدقة لتناسب شخصيته طبيعة المشروع، ويشعر بأنه جزء من النجاح لا مجرد منفذ للمحتوى، فحين نمنحهم تجربة حقيقية ورؤية واضحة يتحول المحتوى من إعلان إلى تجربة إنسانية ملهمة تخدم صورة المملكة وتطلعاتها.
كيف تحققين معادلة كفاءة الإنفاق من دون التضحية بجودة النتائج؟
التفاوض الناجح يتجاوز البحث عن خفض التكلفة؛ إنه عملية خلق قيمة مشتركة لجميع الأطراف، أبدأ دائماً بفهم أهداف العميل، والشريك، والمؤثر، ثم أصمم حلولاً تحقق الأهداف بأمثل استثمار. في كثير من الأحيان، المشكلة ليست في الميزانية، بل في طريقة توزيعها. إن نهجي هو التفكير بعقلية صاحب المشروع؛ فلو كانت هذه الميزانية من مالي الخاص، كيف سأحقق بها أكبر أثر ممكن؟ هذه العقلية هي التي مكنتنا من بناء شراكات استراتيجية طويلة المدى، ورفع كفاءة الإنفاق دون المساس بجودة المخرجات.
مستقبل اقتصاد المؤثرين
وما أكبر الأخطاء المرتكبة في اختيار المؤثرين؟
أعتقد أن أكبر خطأ نرتكبه اليوم هو الاستمرار في قياس نجاح المؤثر بعدد متابعيه؛ فهذا المقياس لم يعد كافيًا أبدًا خلال السنوات القادمة، وسيكون المعيار الحقيقي للتميز القدرة على تحريك الجماهير والتأثير الفعلي في قراراتهم الشرائية، وليس مجرد حصد المشاهدات.
كيف ترين ملامح مستقبل التسويق عبر المؤثرين في المملكة خلال السنوات الخمس القادمة؟
خلال السنوات القريبة القادمة، ستتجه الجهات نحو الشراكات المستدامة طويلة المدى، وسيكون المؤثر شريكاً استراتيجياً ومستشاراً ثقافياً للعلامة التجارية، فالمملكة تمتلك فرصة تاريخية لقيادة هذا التحول عالمياً والمستقبل سيكون للجهات التي ترى في المؤثر جزءاً أصيلاً من استراتيجية نموها وليس مجرد قناة إعلامية إضافية.
وماذا عن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في جدلية العلاقة مع المؤثرين؟
نعم، أتوقع اعتمادًا أكبر على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لاختيار المؤثر الأنسب؛ ليس لمدى شهرته، بل لمدى قدرته على الوصول بدقة للفئة المستهدفة وتحقيق نتائج ملموسة. والأهم من ذلك في نظري، هو تحول دور المؤثر؛ فلم يعد مجرد وجه إعلاني ينشر محتوى عابرًا، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من تجربة المكان والوجهة أو الحدث، خصوصًا في ظل المشاريع السياحية والترفيهية الضخمة التي تشهدها المملكة.
رسالة إلى الجيل الجديد
ما هي نصيحتك للشابات والشباب في المملكة الذين يبحثون عن فرصة؟
الفرص الكبرى تذهب لمن يتحمل المسؤولية، لا لمن ينتظر الظروف المثالية أو الجاهزية التامة " لا تجرِ خلف الفرص، بل ابنِ نفسكِ بطريقة تجعل الفرص تبحث عنك".
استثمر في تطوير مهاراتكِ، بالإضافة إلى الإلمام بأساسيات الإدارة والمالية، وفنون التفاوض بذات الشغف والاهتمام الذي يوليه لتخصصه الدقيق. يعتقد كثيرون أن النجاح يكمن في العمل الشاق لساعات طويلة، لكني أرى النجاح الحقيقي في بناء منظومة وفريق عمل يعمل بكفاءة عالية دون أن يتمحور كل شيء حولكِ شخصيًا. من جهة أخرى رؤية السعودية 2030 فتحت أمامنا أبوابًا وفرصًا غير مسبوقة، ولكن المستفيد الحقيقي من يطور نفسه باستمرار ليكون بكامل جاهزيته لاقتناص الفرصة قبل أن تأتي إليه.
بطاقة التعريف:
الاسم: بشاير الجند
العمر: ٣٣ سنة
الحالة الاجتماعية: عزباء
الدراسة:
بكالوريوس هندسة كهرباء وكمبيوتر جامعة عفت 2015
ماجستير هندسة طاقة من جامعة عفت عام 2019
دورة التحليل المالي الاستراتيجي – كلية هارفارد للأعمال 2025
العمل الحالي:
المؤسس ورئيس مجلس الإدارة Brand Atelier
أبرز المناصب
رئيسة خدمة العملاء في وكالة بترميلك في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
المؤسسة والرئيسة التنفيذية لوكالة بي إي نشيله في المملكة
المؤسسة والرئيسة التنفيذية في وكالة البين للتسويق وإدارة المواهب
شريكة في مؤسسة متخصصة في أنظمة الذكاء الاصطناعي المخصصة لصناعة العطور
مديرة أولى لإدارة العملاء في الهيئة العامة للترفيه، كما سبق لها العمل في إدارة علاقات المؤثرين خلال موسم الرياض
مديرة كبار العملاء في المركز الوطني للترفيه بجدة
مديرة تطوير الأعمال وعلاقات العملاء في مجموعة مديد
