خلف كواليس الرحلة الأولى.. قصة اليخت Motor Yacht A ولوحات مونيه الثمينة
لم تكن الرحلة الأولى لليخت الفاره "Motor Yacht A" المملوك للملياردير الروسي أندري ميلنيشينكو، عقب تسليمه رسميًا من أحواض ترسانة "Blohm & Voss" الألمانية الشهيرة في هامبورغ عام 2008، سوى البداية لواحدة من أكثر العمليات الغامضة والمثيرة في تاريخ البحار.
فبدلاً من أن يشق اليخت ذو التصميم المستقبلي طريقه نحو مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة لاستعراض رفاهيته واستضافة صفوة المجتمع، اتجه ميلنيشينكو بيخته بشكل مفاجئ وسار عكس التوقعات تمامًا، مبحرًا شمالاً نحو ميناء "كريستيانساند" البارد في النرويج.
وتجاوز غرض هذه الزيارة مجرد التزود بالوقود أو الاستراحة؛ إذ كانت نقطة التقاء خُطط لها بعناية لتجمع بين الطيران الخاص، والحراسة المشددة، وأثمن اللوحات الفنية في العالم.
وفقًا لما نقله موقع Luxurylaunches عن تقارير صحفية نرويجية، وصلت طائرة خاصة إلى المدينة تحمل ثلاث لوحات نادرة للرسام الفرنسي كلود مونيه، برفقة حارس أمني مخصص لكل لوحة.
وبعد ذلك، نُقلت اللوحات وهي داخل صناديق حماية مخصصة إلى اليخت وسط تدابير أمنية مشددة.
ثمن أغلى اللوحات المنقولة على متن اليخت
اللوحة الأبرز في الشحنة يُرجَّح أنها "Le bassin aux nymphéas" من رسم مونيه.
وبيعت في دار كريستيز بلندن في 24 يونيو 2008، بفارق أيام قليلة فقط قبل نقلها إلى النرويج.
وتجاوزت قيمة البيع كل التوقعات؛ إذ كان المزادون يتوقعون سعرًا بين 18 و24 مليون جنيه إسترليني، لكنها رُسيت بـ40.92 مليون جنيه، أي ما يعادل نحو 80.45 مليون دولار آنذاك، بفارق يناهز 70% فوق الحد الأعلى للتقدير.
وسجّلت تلك الصفقة رقمًا قياسيًا عالميًا لأعمال مونيه، وغدت أعلى سعر تحققه كريستيز لأي عمل فني في أوروبا حتى ذلك الحين.
وبقي المشتري مجهولاً خلال المزاد، غير أن تقارير سوق الفن لاحقاً أشارت إلى أنه ميلنيتشينكو.
وتتجاوز أهمية اللوحة قيمتها المالية؛ فهي تمتد لأكثر من مترين في الطول، وتنتمي إلى مرحلة "زنابق الماء" المتأخرة في مسيرة مونيه، حين أذاب المناظر الطبيعية في انعكاسات ضوئية وألوان شفافة مهّدت الطريق أمام التجريدية في القرن العشرين.
وتكمن ندرة هذه التحفة في كونها واحدة من أربع لوحات ضخمة فقط وقّعها مونيه وأطلقها عام 1919، فضلاً عن أنها ظلت بعيدة عن أنظار الجمهور لأكثر من 35 عامًا ضمن المقتنيات الخاصة لرجل الأعمال الأمريكي جيه إيروين ميلر وزوجته كسينيا، وذلك قبل عرضها في مزاد عام 2008.
لماذا النرويج تحديدًا
اختيار كريستيانساند لم يكن مصادفة. الميناء يقع قرب شمال ألمانيا حيث شُيّد اليخت، وهو ما يُيسّر الإبحار إليه مباشرة بعد التسليم.
والأهم أن النرويج خارج منطقة الاتحاد الأوروبي الجمركية، ما يُوفر مرونة في التعامل مع ضريبة القيمة المضافة وإجراءات الاستيراد.
وفي سنوات لاحقة، رصدت تقارير متخصصة في صناعة اليخوت يخوتًا ألمانية البناء أجرت توقفًا مماثلاً في الميناء ذاته، ما يؤكد أنه موقع منطقي لعمليات التسليم المعقدة.
تحديات إيواء فن متحفي على متن يخت
ويتطلب نقل لوحات بهذا المستوى الرفيع إلى بيئة بحرية منظومة متكاملة من الاحتياطات؛ فالاهتزازات المستمرة، والرطوبة، والهواء المالح، وتقلبات درجات الحرارة، والأشعة فوق البنفسجية، تشكل جميعها أخطارًا حقيقية تهدد جودة الألوان وسلامة النسيج.
وتحتاج هذه الأعمال إلى أنظمة تثبيت متخصصة، ورصد مستمر للمناخ الداخلي، وتأمين مستقل عن بوليصة اليخت نفسه، وتوثيق دقيق لكل حركة.
عند كل معبر دولي، تبرز اعتبارات جمركية إضافية خاصة حين يُسجَّل العمل الفني وحامله القانوني بكيانات مختلفة.
مواصفات يخت Motor Yacht A
أمّا عن اليخت "Motor Yacht A" نفسه، فهو تحفة هندسية من تصميم المصمّم الفرنسي الشهير فيليب ستارك.
ويمتد اليخت بطول 119 مترًا وعرض 18.87 متر، وبسعة إجمالية تصل إلى 5,500 طن. ويستمد قوته من محركين من طراز MAN يمنحانه سرعة قصوى تصل إلى 23 عقدة، مع خزان وقود يتسع لـ 757,000 لتر.
كما يُتيح اليخت استضافة 14 ضيفًا في أعلى مستويات الرفاهية، يُشرف على خدمتهم طاقم مخصص يضم 42 فردًا.
ويحتل المركز 45 ضمن أكبر اليخوت عالميًا، وهو ثالث أكبر سفينة تبنيها Blohm & Voss. شكّل ثمن لوحة مونيه وحدها ما يقارب 27% من تكلفة بناء اليخت البالغة 300 مليون دولار، ما يجعلها أحد أثمن الأشياء التي رُصدت على متن يخت خاص.
رحلة الميلاد تلك قبل سبعة عشر عامًا رسّخت هوية السفينة: وعاء للفن النادر قبل أن يكون وجهة للترفيه.
