محاولة إرضاء الجميع في العمل.. سلاح ذو حدين فكيف تعالج هذه المعضلة؟
يسعى معظم البشر بطبيعتهم إلى الشعور بالقبول والمحبة بين زملائهم في بيئة العمل، وهو دافع إنساني طبيعي يُسهم في تعزيز الرضا الوظيفي، ورفع مستويات المشاركة، وتقليل معدلات الاحتراق النفسي.
غير أَنَّ هذا الدافع العاطفي، عندما يتسلل إلى نهج القيادة والإدارة، قد يتحول إلى عقبة حقيقية تقوض مصداقية القائد وتضعف قدرته على اتخاذ القرارات الحاسمة؛ إذ إن المحاولة المستميتة لإرضاء الجميع تُفقد القيادة حزمها واستقلاليتها المطلوبة.
صراع الأدوار وتحديات البدايات القيادية
وتتجلى خطورة هذا الدافع بوضوح في بداية المسيرة الإدارية للعديد من القيادات الشابة؛ حيث يميل القائد الحديث إلى مجاملة مرؤوسيه والتصرف كصديق مقرب لهم بدلاً من ممارسة دوره التوجيهي والرقابي.
ويؤدي هذا المزيج المعقد من الرغبة في الحفاظ على الروابط الشخصية وتجنب إزعاج الآخرين في كثير من الأحيان إلى التغاضي عن قصور الأداء أو تخفيف حدة الملاحظات النقدية الصادرة من الإدارات الأخرى.
وفي النهاية، تنقلب هذه المحاولات لكسر الجمود إلى نتائج عكسية تُفقد القائد احترام الإدارة العليا وثقة مرؤوسيه على حد سواء، ليجد نفسه قد أخل بالتزاماته المهنية أمام الطرفين.
الفرق بين "أن تكون محبوبًا" و"أن تكون لائقًا بالمحبة"
توضح الخبيرة الإدارية جيني فيلد، مؤلفة كتاب "لا أحد يصدقك"، الفرق الجوهري بين السعي لنيل محبة الآخرين وبين أن تكون شخصًا لائقًا بالمحبة والتعامل؛ فالأولى ترتكز على حاجة الذات للانتساب والشعور بالقبول، ما يدفع القائد لتجنب المواجهات الصعبة وتغليب المجاملة على مصلحة العمل.
أمّا الثانية، فتعتمد على بناء حضور إيجابي قائم على الاحترام، وسهولة التواصل، والإنصاف، دون الحاجة للتحول إلى صديق شخصي لكل أعضاء الفريق أو الخضوع لرغبة أعضاء الفريق.
وتكمن المصداقية الحقيقية في قدرة القائد على كسب احترام الفريق واتباعه عن ثقة في قراراته، وليس في اتساع شعبيته؛ ولتحقيق هذا التوازن، يتوجب على القائد فصل العلاقات المهنية عن الصداقة الشخصية من خلال وضع حدود تنظيمية واضحة تُبين أن اللباقة لا تعني المحاباة.
ويستلزم ذلك تنمية الوعي الذاتي وفهم الأثر الذي يتركه أسلوب التواصل ونبرة الصوت على المرؤوسين، مع الاستعداد الدائم لتعديل أسلوب الطرح لضمان وصول الرسالة بوضوح ودون تشويش.
مهارات التواصل وتقليل التحيز الإداري
ووفقًا لموقع "سيكولوجي توداي"، يقتضي بناء هذه المصداقية الاستثمار الواعي في اللحظات الإنسانية البسيطة، كالمبادرة بحديث قصير أو شرب القهوة مع أعضاء الفريق، بعيدًا عن لغة المعاملات الرسمية الجافة.
إلى جانب ذلك، يتوجب ترسيخ مبدأ الثقة والدعم أولاً عبر تقديم التقدير المستحق في التفاعلات اليومية، ما يمنح القائد الحق الأخلاقي والمهني في تقديم النقد البناء وتحدي قدرات الفريق لاحقًا.
ولتقليل البعد الشخصي في القرارات الحساسة، يُسهم اعتماد التقييمات الشاملة ومتعددة الأطراف في تحييد الانطباعات الفردية وإدارة الاختلافات بشفافية وكفاءة عالية.
