ليست الشاشات وحدها.. العادة الخفية التي تستنزف سعادتك
ثمة اعتقاد شائع بأن الحل يكمن في تقليص وقت الشاشة على المستوى الفردي، غير أن الأبحاث الحديثة تكشف جانبًا مختلفًا تمامًا. فالمشكلة لا ترتبط بجهاز شخص واحد، بل بالبيئة الرقمية المحيطة بأكملها، حيث يُصبح الاستخدام المكثّف أمرًا طبيعيًا بفعل الجماعة.
تقرير السعادة العالمي لعام 2026، الصادر عن مركز أبحاث الرفاه بجامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة غالوب، أوضح أن العادة الأكثر تأثيرًا ليست شخصية، بل جماعية؛ إنها الميل التلقائي لتكييف السلوك الرقمي بما يتوافق مع مستوى حضور الأقران على الشبكات الاجتماعية. هذه الظاهرة، المعروفة بـ"مواكبة الأقران"، تجعل الفرد يقيس ما هو طبيعي أو مقبول بناءً على ما يراه في محيطه، لا على حاجاته الفعلية.
لماذا البيئة المحيطة أهم من إرادتك الفردية
يوضح التقرير أن أثر الاستخدام الرقمي على الرفاه لا يرتبط بحجم الاستخدام وحده، بل بدرجة انتشاره داخل الدائرة الاجتماعية للفرد.
ففي البيئات التي يكون فيها الاستخدام المكثّف محدودًا، قد يرتبط الوقت الإضافي على الإنترنت بارتفاع طفيف في مستويات الرفاه. أما في البيئات المشبعة بالوجود الرقمي، فإن الساعة نفسها تنعكس بانخفاض في الرفاه، ويزداد هذا الأثر السلبي كلما أصبح الاستخدام المفرط هو القاعدة السائدة.
هذا الاستنتاج يضيف منظورًا جديدًا يتجاوز الفكرة التقليدية القائلة إن "الشاشات ضارة". فالمسألة لا تقتصر على علاقة فرد بجهازه، بل تتجسد في ديناميكية جماعية تشبه العدوى الاجتماعية؛ حيث يُعيد كل شخص ضبط سلوكه بصمت وفق ما يعتبره طبيعيًا في محيطه.
تراجع الرفاه بين الشباب الغربي في البيئات الرقمية المشبعة
ظل هذا الأمر لغزًا أمام الباحثين لفترة طويلة؛ إذ أظهر الشباب تراجعًا ملحوظًا في مستويات سعادتهم المرتبطة باستخدام الإنترنت، رغم أن حجم استخدامهم لم يتغيّر كثيرًا مقارنة بالسنوات الماضية. السبب أن دوائرهم الاجتماعية أصبحت غارقة بالكامل في وسائل التواصل، ما رفع سقف "المعتاد" إلى مستوى غير مسبوق.
وتظهر بيانات استطلاع غالوب العالمي أن تقييمات الرفاه لدى من هم دون الخامسة والعشرين في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا انخفضت بشكل حاد خلال العقد الأخير، في حين ارتفع متوسط الرفاه بين الشباب في مناطق أخرى من العالم. ويرى معدّو التقرير أن هذا التشبّع الرقمي في البيئات الغربية يسهم في إضعاف ركائز أساسية مثل الثقة والروابط المجتمعية.
أثر الأعراف الاجتماعية على السلوك الرقمي والرفاه
الاعتماد على تقليل وقت الشاشة وحده لا يكفي لحل المشكلة. فمراجعة علمية نُشرت في مجلة Frontiers in Psychology عام 2025 أوضحت أن ما يوجّه سلوك الناس على وسائل التواصل ليس ما يفعله الآخرون فعليًا، بل ما يظنونه شائعًا بين أقرانهم.
وفي البيئات التي يهيمن عليها الاستخدام المكثّف، فإن خفض الاستخدام الشخصي لا يحمي الفرد تمامًا من الأثر السلبي؛ لأنه يظل محاطًا بمعيار اجتماعي يجعل الإفراط يبدو طبيعيًا، بينما يُنظر إلى الاستخدام المعتدل وكأنه انسحاب كامل.
لذلك، يوجّه التقرير الأنظار إلى البيئة المحيطة أكثر من الفرد نفسه. فبناء علاقات ومجتمعات لا يُعتبر فيها الاستخدام المفرط قاعدةً طبيعية يمكن أن يكون له أثر أعمق على السعادة من أي قاعدة شخصية لضبط وقت الشاشة.
العادة التي تستحق التغيير ليست مجرد التحقق المستمر من الهاتف، بل القبول الضمني بأن البيئة المشبعة رقمياً محايدة، والاستسلام لما يبدو طبيعيًا فقط لأن الجميع يفعله.
