رفض المديح ليس تواضعاً.. دماغك يحميك من فكرة كتبها شخص آخر عنك
حين يثني عليك شخص تحبه أو تحترمه، يطوف في ذهنك شيء ما يدفعك نحو التبرير أو التهوين أو تحويل الفضل إلى سواك. تلك اللحظة ليست تواضعًا، بل هي دماغك يتصرف كما علّمه إياه أحدهم منذ أمد بعيد. فهم هذه الآلية هو أول خطوة نحو تغييرها.
رفض المديح لا يعني أن الشخص يؤدي دورًا اجتماعيًا، بل يعني أن دماغه يحاول حلّ تناقض فعلي. يشير علماء النفس إلى ما يُعرف بالتنافر المعرفي، وهو التوتر الذهني الذي ينشأ حين لا تتطابق الصورة الداخلية للشخص مع ما يسمعه من الآخرين. المديح حينئذٍ لا يُشعر بالدفء، بل يُشعر بالخطأ.
الدماغ مُبرمج على البحث عن الاتساق، لا الإحساس الجيد. إن كنت تؤمن في قرارة نفسك أنك "دون المستوى"، فإن أي مديح يصلك يبدو مشبوهًا أو غير دقيق. يُفضّل الدماغ تأكيد ما يعرفه على قبول ما يناقضه، حتى لو كان هذا الشيء إيجابياً وحقيقياً.
روتين الكمالية: حين يصبح المديح تهديدًا
في مرحلة ما من حياتك المبكرة، تشكّلت لديك صورة عن نفسك. لم تكن صورة سخيّة في الغالب، بل استوعبت الإخفاقات وامتصّت النقد الذي وصل مبكرًا وترسّخ بعمق. تلك الصورة ليست سعيدة، لكنها مستقرة، وهي الأرض التي تقف عليها.
المديح يطلب منك أن تقف في مكان آخر، أن تسكن نسخة من نفسك قادرة وجديرة بالاعتراف. غير أن تلك النسخة تبدو هشّة لأنك اعتدت على الأخرى طويلاً. رفض المديح يحمي استقرار هذه الصورة الذاتية، حتى حين تكون هي ذاتها ما يعيقك.
من يضع معاييره في قمة المستحيل، يرى المديح تهديدًا لا مكافأة. الكمالية تُعلّم الدماغ البحث عن الأخطاء وتجاهل الأدلة الإيجابية، فيصبح المديح في عيون هذا الشخص مجاملةً من شخص لا يعلم الحقيقة، أو حكماً مبكراً قبل أن تظهر إخفاقاته القادمة.
حين يُشيد أحدهم بعملك، يتساءل المكمالي في الخفاء: هل عليّ الآن أن أحافظ على هذا المستوى دائماً؟ وماذا لو أخفقت في المرة التالية؟ رفض المديح في هذه الحالة هو تأمين ضد التوقعات المرتفعة، وليس تعبيراً عن التواضع.
ماذا يحدث حين يصبح رفض المديح عادةً مزمنة؟
حين يتحول رفض المديح إلى نمط ثابت، فإنه يُعلّم المحيطين بك دروسًا صامتة. يتوقف الزملاء عن تقديم ملاحظات حقيقية لأنهم أدركوا أنك لن تحتملها. يفسّر المديرون الإنكار الدائم للذات على أنه تقييم دقيق للنفس، فيوجّهون الفرص نحو غيرك.
الاستراتيجية التي صمّمتها لحماية نفسك من الحكم تُنتج في النهاية ما كنت تخشاه: أن تُقلَّل قيمتك وتُتجاهل.
على الصعيد الشخصي، الأثر لا يقل وطأة. من يحبّونك يشعرون بعجزهم عن الوصول إليك بالكلمات الطيبة. يحاولون مرةً ومرتين ومرات، ثم يكفّون عن المحاولة. لم يتوقفوا عن المحبة، لكنهم توقفوا عن التعبير عنها.
كيف تبدأ في تقبّل المديح دون تمثيل؟
الهدف ليس أن تشعر بالاستحقاق قبل أن تقبل المديح، بل أن تعامل المديح كبيانات خام قد تُساعدك على مراجعة صورة قديمة عن نفسك. حين يصلك الثناء ويهمس دماغك بـ"هذا لا ينطبق عليّ"، سمّ هذا الشعور بوضوح في ذهنك: هذا هو نظام التحقق الذاتي يعمل، لا الواقع.
أبسط خطوة عملية هي التوقف للحظة بدلاً من الردّ الفوري. توقف، خذ نفسًا، وقل "شكرًا" دون أي تبرير إضافي. لا تحتاج إلى تفسير سبب عدم استحقاقك للمديح. الشكر وحده كافٍ، وهو خطوة صغيرة نحو السماح لصورة أكثر إنصافاً أن تحلّ محل تلك التي رسمها الآخرون عنك منذ زمن بعيد.
