لماذا يسحر الماس البشر؟ السر وراء بريقه الذي لا يخبو
الماس له لمعانٌ فريد، لكنه لم يكن أول الأحجار التي أسرت البشر؛ فقد عرفت حضارات آسيا وأمريكا الوسطى الأحجار الكريمة وقدّرتها منذ عصور ما قبل التاريخ.
لكن الماس شهد في العصر الحديث انتشارًا غير مسبوق، سواء بشكله الطبيعي أو المزروع في المختبرات الأقل تكلفة. فما السر الذي يجعل بريقه يأسر العيون إلى هذا الحد؟
كيف ازداد استهلاك الماس حديثًا؟
ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنّ 75% من العرائس الأمريكيات يرتدين الألماس، كما أشار بحث المستهلكِين المنشور عام 2019 بعنوان "The Diamond Insight Report" إلى أنّ نسبة العرائس الصينيات اللاتي يحصلن على الماس ارتفعت من 0% في عام 1990 إلى نحو 47% بحلول عام 2017.
وتأتي هذه الأحجار الكريمة بتكلفة كبيرة؛ إذ يُنفِق المواطن الأمريكي العادي نحو 8,000 دولار على خاتم الخطوبة.
على مرّ العصور.. لماذا لا نقدر على مقاومة اللمعان؟
القصّة ليست في الماس وحده، بل يمتلك البشر ذاكرة قديمة بالانجذاب نحو الأشياء اللامعة، فمثلًا يعود تاريخ التماثيل العاجية إلى عام 40 ألف قبل الميلاد، في حين كان اليشم والفيروز (من أنواع الأحجار الكريمة) شائعَين في مجتمعات أمريكا الوسطى وآسيا في عصور ما قبل التاريخ.
ولكن صعود الماس في صفوف الأحجار الكريمة ذات الأهمية الثقافية يبدو ظاهرة حديثة نسبيًا.
وفي كتاب "الماس: التاريخ المبكّر لملك الأحجار الكريمة"، يروي "جاك أوجدن" تاريخ استخدام الماسّ عبر التاريخ المُسجّل، ويذكر أنّه على الرغم من استخدام الماس لأغراضٍ صناعية في وقت مبكر من القرن السابع قبل الميلاد، فإنّ هناك قليلًا من الأدلة على اعتبار الماس حجرًا كريمًا حتى مئات السنين لاحقًا.
ورُغم أنّ "حمى الماس" تبدو متأصّلة في الثقافة الغربية، فإنّ "أوجدن" يشِير إلى حقيقة مفادها أنّ الماس لم يكُن منتشرًا على نطاق واسع حتى أواخر القرن الرابع عشر.
كيف يعبّر الماس عن الحبّ الأبدي؟
بعد مرور مئات السنين، ورغم أنّ الماس كان موجودًا منذ القِدم، فإنّ الإكراه السائد على استخدامه لإظهار الحبّ الأبدي هو أمر حديث.
وتشير الأدلة إلى أنّ هذا الاتجاه هو في جزء كبير منه انعكاس للتلاعب النفسي المُتقَن، فربّما نجح بائعو الماس على مرّ العقود بربط تلك الأحجار الكريمة بالعلاقات العاطفية بشكلٍ أو بآخر.
ويُعتقَد أنّ التسويق الأمريكي الفعّال للماس بدأ جديًا في أربعينيات القرن العشرين، ويعود الفضل الأكبر في هذا التحوّل إلى شركة "دي بيرز" لإنتاج الماس؛ إذ وُلِد شعار "الماس إلى الأبد" في عام 1947.
وفي العقود التالية، أصبح الماس يظهر بصورةٍ متزايدة على أصابع النساء في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وسُرعان ما وسّعت شركة "دي بيرز" حملاتها إلى بلدان أخرى.
إذًا لماذا تسحر لمعة الماس عيوننا؟
ربّما يعود ذلك إلى عوامل مُتعدّدة، من أهمها:
1. جاذبية اللمعان
يميل البشر بطبيعتهم إلى الأشياء المُشرِقة واللامعة، فإذا دخلت غرفة بها زجاج أو مرآة لامعة تعكِس أشعة الشمس، لكان ذلك أوّل ما يلفت انتباهك في الغُرفة قبل أي شيءٍ آخر على الأرجح.
2. الماس رمز للحب
إنّ صلابة الماس قد تجعله رمزًا طبيعيًا للتحمّل؛ إذ يُصنّف الماس بعشرة من أصل عشرة على مقياس "موس" لصلادة المعادن، ومِنْ ثمّ كما سبق توضيحه، فإنّ الماس قد يُستخدَم في خواتم الخطوبة في الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا تعبيرًا عن الحبّ الأبدي.
3. التسويق يصوغ رغباتنا
ربّما كان العامل الرئيس لجذبنا إلى الماس هو التسويق، فقد صُمِّمت بعض الشعارات بطريقةٍ مناسبة للغاية للترويج لهذا المعدِن الفريد، فمثلًا صِيغت عبارة "الماس يدوم إلى الأبد" في منتصف القرن العشرين، بهدف الترويج لشركة "دي بيرز" للماس، وقد ساعد هذا على تعزيز جاذبية الماس بدرجة كبيرة.
بل أدّى ذلك إلى خلق أفكار أخرى، مثل فكرة أنّ خاتم الماس يجب أن يُكلّف راتب شهر أو شهرين مثلًا.
4. الصناعة الحديثة للماس
لحُسن الحظ أن ظهرت بدائل مزروعة في المختبَرات جزئيًا، ما أفضى إلى خفض أسعار الماس، فالماس المزروع في المختبرات أقل تكلفة بنسبة 30 - 50% من الماس الطبيعي، كما أنّه يُصنّع بكميات كبيرة، ما يعني أنّه ليس نادرًا (على عكس الماس الطبيعي).
ولكن بالتأكيد لا يحمل الماس المزروع في المختبرات القِيمة ذاتها للماس الطبيعي، ولكن ربّما كان لانتشار هذا الماس الصناعي دور في تأجيج انجذابنا للماس.
هل سيكولوجية الفخامة تجعلنا أكثر انجذابًا للماس؟
لطالما كانت السلع الفاخرة رمزًا للمكانة والثروة، فجاذبيتها تتجاوز المظهر الخارجي، وربّما ينطبق الأمر ذاته على الماس؛ إذ تكشف سيكولوجية الفخامة عن تفاعل مُعقّد بين العوامل الاجتماعية والعاطفية والنفسية التي تُحرّك رغبتنا تجاه هذه المنتجات الراقية.
فقد نسعى خلف مُنتَج فاخِر بعينه؛ رغبةً في مكانة اجتماعية رفيعة، كما أنّ تلك المنتجات تُحقّق لنا نوعًا من الرضا العاطفي؛ إذ غالبًا ما تلبّي إحساس الهيبة (البرستيج)، وكذلك تعزّز احترام الذات.
علاوة على ذلك فإنّ السلع الفاخرة تُعدّ وسيلة للتعبير عن الذات وتشكيل الهوية، ومِنْ ثمّ فربّما يكون سرّ الانجذاب نحو الماس كامنًا في تلك العوامل إلى جانب ما سبق ذكره أيضًا.
لكن يكفي فقط أن تعلم أنّ الماس بات يُزرَع في المختبرات، ويُباع بتكلفة أقل بـ30% على الأقل من الماس الطبيعي، بما يدلّ على أنّ التكلفة العالية للماس لم تمنعنا من محاولة السعي للتمتّع بلمعانه الفريد.
