كيف تعيد الألعاب الإلكترونية تشكيل أدمغة اللاعبين؟
الدوبامين سرُّ مُتعة اللعب، فما يجذبنا لكسب مزيدٍ من النقاط أو إعادة لعب اللعبة مرة تلو الأخرى دون ملل، هو محاولة استعادة مُتعة اللعب في المرة الأولى التي سبّبها الدوبامين، وهذا جانب واحد من تأثير الألعاب الإلكترونية على الدماغ.
الجوانب الأخرى متعدّدة، فثمّة اتصالات تقوى بين مناطق الدماغ، وثمّة أمور تتعلمها أدمغتنا من وراء اللعب، مثل تحسّن القدرة على التبديل بين المهام أو القدرة على الانتباه أو تذكّر مكان وجود الأشياء، فكيف تعِيد الألعاب الإلكترونية تشكيل أدمغتنا؟ وكيف نستمتع بها دون الوقوع في فخّ الإدمان؟
تأثير الألعاب الإلكترونية على الدماغ
الدماغ مسؤول عن الوظائف المعرفية، مثل التعلّم واتخاذ القرارات والانتباه والذاكرة واستخدام اللغة، ولكن الدماغ ليس ثابتًا بل يتغيّر بمرور الوقت، ويكتسب ما يُعرَف "بمرونة الدماغ" أو "brain plasticity"، التي تصِف قدرة الدماغ على التغيّر والنموّ.
وعادةً ما يحدث هذا استجابة لتجربة، بما يؤدي إلى تحسين أداء الدماغ عند مواجهة تجارب مماثلة مرة أخرى؛ إذ تنشأ اتصالات أقوى بين مناطق مُعيّنة في الدماغ.
وتُعدّ ألعاب الفيديو واحدة من تلك التجارب التي تُسبّب بعض التغيّرات في الدماغ، تنعكس إيجابًا على الوظائف المعرفية؛ إذ قد توفّر هذه الألعاب بيئة مثالية تسمح للاعبين بممارسة وظائف معرفية مختلفة وتعزيز مرونة الدماغ.
التقنيات المُستخدَمة في قِياس تأثير الألعاب في الدماغ
لقِياس مدى تغيّر الدماغ بعد لعب ألعاب الفيديو، درس الباحثون كيفية عمل الدماغ بتقنية التصوير بالرنين المغناطيسي، التي تستخدم مجالات مغناطيسية قويّة لإظهار بِنية الدماغ.
واعتمد الباحثون على تقنية أخرى تُسمّى التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، التي تقِيس كمية الدم التي تدفّقت عبر مناطق مُحدّدة من الدماغ، ما يدلّ على أي مناطق الدماغ كانت نشطة أكثر.
والتقنية الثالثة التي استخدموها تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، التي تُخبِر الباحثين عن مقدار النشاط الذي يحدث في منطقة مُعيّنة من الدماغ في أي لحظة.
كيف تؤثر الألعاب الإلكترونية في بنية الدماغ ووظائفه؟
ثبت أنّ لعب ألعاب الفيديو يُحسّن بعض الجوانب المعرفية، مثل القدرة على تحديد المعلومات التي تصل عبر الحواسّ (كالرؤية والسمع)، والقدرة على فهْم المساحة المحيطة، مثل تذكّر مكان وجود الأشياء، والقدرة على الانتباه، وكذلك القدرة على تجاهُل عوامل التشتت، بالإضافة إلى القدرة على أداء مهامٍ متعددة، علاوة على تحسّن الذاكرة العاملة، حسب دراسة عام 2018 في مجلة "Psychological Bulletin".
اتخاذ القرارات يتراجَع تحت مُتعة اللعب
ورغم ذلك وجدت مراجعة منهجية عام 2017 في دورية "Frontiers in Human Neuroscience" أنّ ألعاب الفيديو تُقلّل النشاط في بعض مناطق الدماغ، مثل الفصّ الجبهي، المسؤول عن اتخاذ القرارات.
ولكن كيف يمكن لألعاب الفيديو أن تزيد وتقلل من نشاط بعض مناطق الدماغ في الوقت نفسه؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أنّ التعرّض للعبة فيديو قد يؤدي في البداية إلى زيادة نشاط المناطق المُرتبطة باللعب، ومِنْ ثمّ مع تحسّن أداء اللاعب وزيادة تلقائية اللعب، تُصبِح هناك حاجة إلى قوّة دماغية أقل، ما قد يؤدي إلى انخفاض نشاط مناطق مُعيّنة من الدماغ.
التبديل بين المهام قد يصبِح أسهل
ألعاب الفيديو بطبيعتها تجعلك تُغيّر بين المهام أو الأسلحة باستمرار، فأنت تتحرّك عمومًا بين بيئات مختلفة في تتابُع سريع، والقدرة على تغيير انتباهك سريعًا بين شيئين هي مهارة ينبغي أن يمتلكها أي إنسان، مثل طهي العشاء في أثناء الاستماع إلى بودكاست.
يقول الدكتور مايكل مانوس اختصاصي الصحة السلوكية للأطفال: "الناس يُبدِّلون بين المهام طوال الوقت، وتميل هذه الوظيفة التنفيذية إلى التحسّن قليلاً مع مهام الانتباه التلقائي عند لعب لعبة فيديو".
ألعاب الفيديو تفتح آفاقًا جديدة للتعلّم
كثيرًا ما تتطلّب ألعاب الفيديو تذكّر معلومات أساسية لإكمال المهام، ربّما رمز مُعيّن للانتقال إلى المستوى التالي أو فتح باب مُقفل في اللعبة.
ويشير الدكتور جوزيف أوسترمان طبيب نفسي للأطفال إلى أنّ هذه الأمور قد تكون مفيدة للذاكرة بالفعل، ولكن ما لا نعرفه هو ما إذا كان هذا الأمر طويل الأمد أم ضمن نطاق مُحدّد للغاية.
وذكر أيضًا أنّ دمج واستخدام مزيدٍ من حواسّنا في اللعبة يجعل التجربة أكثر ثراءً لنا؛ خصوصًا مع احتفاظنا بالمعلومات الأساسية ومواصلة تطوير فهمنا لقصّة اللعبة.
كيف تُشعِل الألعاب الإلكترونية مراكز المكافأة في الدماغ؟
عندما تحاوِل التغلّب على القائد الشرير لتختم اللعبة أو تكتشف سلاحًا جديدًا أو تفتح صندوقًا مُخبأ، فإنّ الدوبامين يتدفّق في جسمك، ليُحفّزك على لعب جولة أخرى.
ولكن بعد هذه الدفعة القويّة من الدوبامين، تنخفض مستوياته، ومِنْ ثمّ تجلب كلّ جلسة لعب لاحقة مُتعة أقل، وبينما يحاوِل اللاعب تحصيل المُتعة القويّة التي جناها أوّل مرة، فإنّه عن غير قصدٍ قد يكون فريسة لإدمان ألعاب الفيديو.
من الدوبامين إلى إدمان ألعاب الفيديو
وأظهرت دراسة واسعة النطاق عام 2015 في مجلة "International Journal of Mental Health and Addiction" أنّ 1.4% من لاعبي ألعاب الفيديو قد يعانون الإدمان، كما كشفت دراسات أخرى أُجريت في أجزاء مختلفة من العالم وبفئات عُمرية ومعايير تقييم مختلفة عن انتشار الإدمان بين اللاعبين بنسبة تراوح بين 0.6% إلى 6%.
وأشار باحثا الألعاب باتريك ماركي وكريستوفر فيرجسون في كتاب صدر عام 2017 بعنوان "Moral Combat: Why the War on Violent Video Games is Wrong" إلى أنّ ألعاب الفيديو قد ترفع مستوى الدوبامين إلى ضِعف مستواه في أثناء الراحة تقريبًا (مثل تناول شريحة من بيتزا البيبروني أو طبق من الآيس كريم)، بينما العقاقير المخدّرة، مثل الهيروين والأمفيتامين، قد ترفع مستوى الدوبامين بنحو 10 أضعاف هذا المستوى.
كيف تؤثِّر مُدّة اللعب في الدماغ؟
وقد تتحكّم مُدّة اللعب في مدى التغيّرات التي تحدث في الدماغ؛ إذ أظهرت دراسة عام 2018 في مجلة "Psychological Bulletin" أنّه كُلّما زاد الوقت الذي يقضيه الفرد في لعب ألعاب الفيديو، زادت التغييرات.
والأهم من ذلك أنّ الأبحاث جميعها اتّفقت على أنّ الإفراط في لعب ألعاب الفيديو ليس أمرًا جيدًا، بينما يكون التأثير الإيجابي أقوى عندما تُوزَّع جلسات اللعب على نطاقٍ واسع من الزمن.
فمثلًا عندما حاول الباحثون استخدام ألعاب الفيديو في المختبر لتحسين وظائف الدماغ، فإنّهم سمحوا للمشاركين باللعب لمُدّة ساعة واحدة فقط يوميًا.
ما عدد ساعات اللعب المثالي لجني الفوائد دون إدمان؟
وبيّنت دراسة أجرتها جامعة أكسفورد عام 2022 على نحو 40 ألف لاعب أنّ الألعاب لا يبدو أنّ لها آثارًا ضارة على الصحة العقلية للشخص إلّا إذا كان يواجِه صعوبة بالفعل في الابتعاد عن الألعاب.
وتختلف المدة المثالية للعب ألعاب الفيديو تبعًا للفئة العُمرية؛ إذ كُلّما كان الطفل أصغر سنًا، ينبغي أن تكون الصرامة أكبر في التعرّض للشاشة.
وتتضمّن توصيات الأكاديمية الأمريكية للأطفال:
- الأطفال من سن 3 إلى 5 سنوات: ساعة أو أقل أمام الشاشة في أيام الأسبوع، وثلاث ساعات في عطلات نهاية الأسبوع.
- الأطفال بعُمر 6 سنوات فما فوق: ساعتان أو أكثر أمام الشاشة يوميًا، طالما لم تُسبِّب ضررًا.
أمّا بالنسبة للبالغين فقد أشار موقع "Game quitters" إلى أنّ المُوصَى به أقل من ساعتين يوميًا للترفيه بألعاب الفيديو، وأشار أيضًا إلى أنّه كُلّما زاد الوقت الذي يقضيه البالغون في العمل أمام الشاشات قلّ وقت الترفيه المُتاح للعب.
وختامًا، لا تزال الأبحاث جارية بشأن تأثير ألعاب الفيديو في الدماغ، وربّما تعزّز بالفعل مهارات الانتباه وتبديل المهام والذاكرة العاملة والقدرة على التركيز في مواجهة التشتّت، ولكنّها بالوقت نفسه قد تُضعِف الفصّ الجبهي المسؤول عن اتخاذ القرارات، كما أنّ الإفراط في اللعب قد يحمل خطر الإدمان، فلا ينبغي أن تزيد على ساعتين يوميًا من اللعب.
