لماذا يتظاهر لاعبو كأس العالم لكرة القدم بالإصابات؟
التمارض في كرة القدم ليس انطباعًا عاطفيًا، بل ظاهرة يرصدها الباحثون بوضوح.
دراسة أجريت على عينة واسعة من مشجعي كرة القدم أثبتت أن 83% منهم يصنّفون التظاهر بالإصابة باعتباره أكبر ما يُفسد متعة متابعة المباريات، وجاء هذا الأمر في المرتبة الأولى من بين كل الشكاوى المدرجة في الدراسة.
من الناحية الرسمية، تُسمي الفيفا هذه الظاهرة "المحاكاة" وتُعاقب عليها بالبطاقة الصفراء. لكن على أرض الملعب، تبقى الممارسة منتشرة.
وتحليل إحصائي لمباريات بطولات دولية وجد أن نحو 7% فقط من "الإصابات" الظاهرة في مباريات الرجال صُنِّفت إصابات حقيقية، فيما وصف الباحثون الغالبية العظمى منها بأنها مبالغ فيها أو مفتعلة بالكامل.
رأي الأطباء في تمارض لاعبي كرة القدم
الدكتور بوب هاملر جراح أعصاب أمريكي متخصص في جراحة العمود الفقري المعقدة، ويتابع كأس العالم باهتمام حقيقي، لكنه لا يستطيع تجاوز مشهد التمارض.
يرى أنه في عيادته يشاهد يوميًا ضحايا حوادث سير وسقطات من ارتفاعات عالية، وهؤلاء يعانون من كسور وشلل وتداعيات تمتد لسنوات. هذا هو المعيار الذي يقيس به الألم الحقيقي.
ويُضيف أن لاعبًا محترفًا يتلقى تلامسًا خفيفًا ثم يتدحرج على الأرض لعشرين ثانية ويصرخ، قبل أن ينهض ويجري بكامل سرعته، لا يمثل إصابة طبية بأي معيار.
والأخطر من ذلك أن هذا السلوك يُربك المشهد الطبي الحقيقي: حين يتظاهر كل لاعب بالتألم عند أي احتكاك، يصعب على الأطباء والحكام تحديد متى تكون الإصابة حقيقية فعلاً.
مقارنة بين كرة القدم والرغبي
رياضة الرغبي تقدم نموذجًا مغايرًا. دراسات مقارنة بين الرياضتين وجدت أن معدلات الإصابة في الرغبي أعلى من كرة القدم بمقدار 2.7 مرة في بعض الفئات العمرية والهواة، واللاعبون يتلقون اصطدامات عنيفة دون أي حشوات واقية. ومع ذلك، ثقافة التمارض شبه غائبة في الملاعب.
الأمر نفسه ينطبق على الهوكي على الجليد، حيث يعود اللاعبون إلى الملعب بعد إصابات مرئية دون توقف مسرحي.
الفارق ليس في مستوى اللياقة أو القدرة على تحمل الألم، بل في بنية القواعد وثقافة الرياضة ذاتها.
لماذا توجد ظاهرة التمارض في كرة القدم؟
التفسير الأبسط والأكثر دقة هو أن التمارض يُحقق نتائج فعلية داخل مباراة كرة القدم.
ركلة حرة في منطقة خطرة، بطاقة صفراء على المنافس، إبطاء وتيرة اللعب للحفاظ على النتيجة، أو استنزاف وقت قبل نهاية الشوط.
وفي رياضة يمكن أن يحسمها هدف واحد، تُصبح هذه المكاسب الصغيرة ذات قيمة استراتيجية حقيقية.
وفي الرغبي والهوكي، القواعد لا تُكافئ الأداء المسرحي بالقدر نفسه، لذلك لا يجد اللاعبون حافزًا يدفعهم للتظاهر.
ما الحل؟
الفيفا اتخذت خطوات عدة، منها تفعيل تقنية الفيديو "VAR" لمراجعة حالات المحاكاة. لكن الحل الجذري يتطلب تغييرًا في الثقافة قبل تغيير القواعد.
حين يُدرك اللاعبون أن التمارض يُضر بمصداقيتهم ويُقلل من قيمة الإصابات الحقيقية، وحين يصبح الثمن الاجتماعي والرياضي لهذا السلوك أعلى من فائدته، ستتراجع الظاهرة تدريجيًا.
الجمهور يتابع كرة القدم لأنها رياضة استثنائية، واللاعبون الذين يتخلون عن الأداء المسرحي ويُركزون على المهارة الحقيقية يُقدمون النسخة الأفضل من هذه اللعبة.
