لماذا يشعر بعض مستخدمي GLP-1 بتركيز أعلى.. وآخرون ببرود عاطفي؟
بينما تتردد أصداء النجاحات الطبية المذهلة لأدوية إنقاص الوزن الحديثة من عائلة "جي إل بي-1" (مثل أوزمبيك وزيبباوند) في الأوساط الطبية ومنصات التواصل الاجتماعي، يظل الجانب النفسي والاجتماعي لهذه الطفرة البيولوجية غائبًا عن سياق النقاش العام.
ملايين المستخدمين الذين يبدؤون هذه الرحلة يكونون على دراية كاملة بالتغيرات الجسدية المتوقعة، لكنهم يجدون أنفسهم فجأة أمام تحولات نفسية عميقة لم يهيئهم لها أحد، إذ تثبت الأبحاث السلوكية أن إعادة تشكيل الجسد هرمونيًا تفرض إعادة صياغة شاملة للهوية والعلاقات الإنسانية.
صمت "الهوس" والمواجهة المؤجلة
يعد الاختفاء المفاجئ لـ "الهوس بالتفكير في الطعام"، وهو الانشغال الذهني المستمر بالوجبة المقبلة، الأثر النفسي الأسرع الذي يختبره المرضى في غضون أسابيع قليلة. ورغم أن هذا التغير الذهني يبدو في ظاهره تحررًا مبهجًا، إلا أنه يمثل صدمة غير متوقعة للعديد من الأفراد؛ فغياب الإلحاح البيولوجي لتناول الطعام يرفع الغطاء عن التوترات النفسية، والقلق، والمشاعر السلبية التي كان المريض يكبتها ويديرها عبر "الأكل العاطفي" لسنوات طويلة.
ومع زوال هذا الدرع الدفاعي، يجد المستخدم نفسه في مواجهة مباشرة مع مشكلات نفسية قديمة تتطلب استراتيجيات تعامل جديدة تمامًا لم تكن في الحسبان.
فجوة الهوية بين تغير الجسد وثبات المفاهيم
تسير البيولوجيا أحيانًا بسرعة لا تواكبها السيكولوجيا، وهو ما يفسر ظاهرة "فجوة الهوية" التي يمر بها مستخدمو أدوية إنقاص الوزن؛ فالجسد يتغير وينكمش في المرآة بسرعة هائلة، لكن المفهوم الذاتي للشخص عن نفسه يستغرق وقتًا أطول للتكيف.
هؤلاء الأشخاص، رغم فقدانهم الكثير من الوزن، يجدون أنفسهم يتصرفون بردود أفعال وسلوكات الجسد القديم؛ فيبحثون تلقائيًا عن المقاعد الأوسع، أو يستعدون نفسيًا لردود أفعال اجتماعية سلبية لم تعد تحدث أصلاً.
ويتزامن هذا الاضطراب في الهوية مع قلق متزايد بشأن صورة الجسد؛ إذ تظهر الدراسات أن خسارة الوزن السريعة لا تعني بالضرورة الرضا الفوري عن المظهر، بل قد تؤدي إلى زيادة الإحباط نتيجة ظهور الجلد المترهل، ما يخلط مشاعر الإنجاز بنوع من الحزن والشعور بفقد الهوية اللذين يحتاجان إلى دعم نفسي حقيقي.
زلزال العلاقات والوصمة المجتمعية
لا تتوقف التداعيات النفسية عند حدود الفرد، بل تمتد لتحدث أزمات في دائرته الاجتماعية؛ فالأبحاث تؤكد أن استقرار العلاقات (سواء كانت صداقات أو علاقات عاطفية) يميل إلى التراجع بعد فقدان الوزن.
فالصداقات التي بُنيت على أساس المعاناة المشتركة مع الوزن قد تضطرب، كما أن الشريك العاطفي قد يظهر ردود أفعال معقدة تتراوح بين الدعم المبطن بالقلق أو الغيرة.
يضاف إلى ذلك "عبء الشعور بالذنب" والوصمة الاجتماعية المحيطة بهذه الأدوية؛ حيث لا يزال المجتمع ينظر إلى الوزن كقضية "قوة إرادة" بدلاً من كونها خللاً هرمونيًا وبيولوجيًا، ما يدفع العديد من المستخدمين إلى إخفاء حقيقة علاجهم خوفًا من الأحكام المجتمعية.
