هيرفي رينارد في مهمة إنقاذ جديدة مع تونس
إذا كانت بطولة كأس العالم شخصية حقيقية، لعرفت الفرنسي هيرفي رينارد عن قرب؛ إذ ارتبط اسمه بإنقاذ الطموحات العربية في المحفل العالمي. وللمرة الثالثة على التوالي، وفي ثلاث نسخ مونديالية مختلفة، تلتفت المنتخبات العربية نحو هذا المدرب المخضرم كلما تداخلت الحسابات وضاقت الحلول أمامها.
فقد بدأت فصول هذه القصة الأخيرة بصدمة كروية قاسية؛ حيث تجرّع منتخب تونس هزيمة ثقيلة أمام السويد بخمسة أهداف مقابل هدف واحد في الجولة الافتتاحية لدور المجموعات بمونديال 2026.
هذه النتيجة الصادمة دفعت الاتحاد التونسي لكرة القدم لاتخاذ قرار فوري وحاسم لإنقاذ مشوار الفريق، تمثل في إنهاء التعاقد مع المدرب صبري لموشي بالتراضي.
ولم يستغرق رئيس الاتحاد التونسي، معز الناصري، الكثير من الوقت ليعلن عن البديل؛ حيث كشف عن إتمام الاتفاق مع هيرفي رينارد ليتولى الإشراف الفني على المنتخب فورًا، متوجهًا إلى مدينة مونتيري المكسيكية لقيادة الفريق في المباراتين المصيريتين المتبقيتين في المجموعات أمام اليابان وهولندا.
ولم يقتصر الاتفاق على دور المنقذ المؤقت، بل قدم له الاتحاد التونسي مشروعًا مستقبليًا طويل الأمد يمتد لما بعد المونديال، مع منح الرجل كل الضمانات التي تمكنه من رسم ملامح المرحلة القادمة بثقة واستقرار.
سيرة لا تُختصر في بضعة أسطر
من يكون هذا الرجل الذي تتنافس عليه المنتخبات؟ ولد هيرفي رينارد في جنوب شرق فرنسا عام 1968، ولعب مدافعًا دون أن يصل إلى المنتخب الوطني. لكن ما لم يحققه لاعبًا، صنعه مدربًا بأسلوب لافت للنظر.
مسيرته التدريبية طويلة ومتشعبة، شملت تسع دول من فرنسا وإنجلترا وصولاً إلى أعماق القارة الإفريقية. فاز مع زامبيا بكأس أمم إفريقيا 2012 في مفاجأة لم يتوقعها أحد، ثم كرر هذا الإنجاز مع منتخب كوت ديفوار عام 2015.
المغرب أولاً
مونديال 2018 في روسيا كان أولى محطاته مع المنتخبات العربية. قاد المغرب بتركيز وهدوء، وحقق التعادل مع إسبانيا 2-2، لكن البطولة انتهت مبكرًا.
وفي مونديال قطر 2022، كتب رينارد الفصل الأكثر إثارة ودراماتيكية في مسيرته؛ عندما قاد المنتخب السعودي لتحقيق فوز تاريخي صاعق على منتخب الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي، في مباراة صُنفت كواحدة من أكبر المفاجآت في تاريخ كأس العالم. ولم يكن هذا الانتصار وليد المصادفة، بل جاء تتويجًا لعمل شاق بدأه المدرب الفرنسي منذ توليه المهمة عام 2019، نجح خلاله في بناء جيل قوي.
ثم جاء الفصل المفاجئ. قبل أقل من شهرين من انطلاق مونديال 2026، أُعفي رينارد من مهامه مع السعودية، وحلّ محله المدرب اليوناني جورجوس دونيس. بدا وكأن رحلته مع كأس العالم انتهت هذه المرة، حتى أطلت تونس من بعيد لتغير المعادلة كلها.
مهمة من الصفر في مونتيري
ما ينتظر رينارد في تونس ليس نزهة. مباراتان فقط تتبقيان لنسور قرطاج في دور المجموعات، الأولى أمام اليابان والثانية أمام هولندا. الوقت ضيق، والهزيمة الأولى ثقيلة.
لكن رينارد عاش هذا النوع من المواقف من قبل. التحديات الصعبة هي بيئته الطبيعية، والمنتخبات التي تبدو في أزمة هي التي تُظهر أفضل ما فيه.
الصحفي الفرنسي رومان مولينا كشف عن الصفقة قبل الإعلان الرسمي، مؤكدًا أن الاتحاد التونسي قدّم له مشروعًا حقيقيًا يتخطى حدود البطولة الحالية.
قد تنتهي مغامرة تونس في الجولة الثالثة، وقد تمتد إلى ما بعدها. لكن القصة نفسها، قصة هذا الرجل الهادئ الذي لا يغيب عن المونديال، باتت أكبر من أي نتيجة على أرض الملعب.
