الدماغ يكشف سر الديجافو ليس خطأ في الذاكرة بل نظام تحقق في العمل
غريب أن يكون أقوى دليل على أن شيئًا لم يحدث، هو نفسه ما يُفجّر الشعور بأنه حدث.
هذه ليست مفارقة فلسفية، بل نتيجة فعلية توصل إليها فريق من الباحثين بقيادة الدكتور أكيرا أوكونور من جامعة سانت أندروز الاسكتلندية، في دراسة موثقة نشرت في مجلة "Memory" المتخصصة.
حين طلب الفريق من المتطوعين تتبع قوائم كلمات مترابطة، فوجئوا بأن أشد لحظات الديجافو حضورًا كانت حين يمتلك المشارك "دليلاً ملموسًا" على أن الكلمة لم تمر عليه من قبل، لا حين يشك أو يتخمّن.
الدماغ لا يتعثر في وهم الألفة أو يستسلم له، بل يلتقطه بيقظة، يواجهه بجرأة، ويرفض الانصياع له.
وما ظاهرة "الديجافو"، تلك الكلمة الفرنسية التي تنضح بغموض معناها "شوهد من قبل"، إلا صدى رمادي لتلك المواجهة الشرسة بين الذاكرة والواقع.
آلية استحضار "الديجافو"
لاستحضار الديجافو في بيئة مختبرية، أعاد الفريق بناءه من مواد بسيطة للغاية: قوائم كلمات.
يقرأ المتطوع كلمات متقاربة في المعنى، "رطب، جليد، شتاء، ثلج، تجمّد"، وكلها تدور حول كلمة غائبة تمامًا مثل "برد".
هذا الغياب المتعمد يخلق أثرًا في الذاكرة؛ شعورًا خادعًا بأن الكلمة المركزية كانت حاضرة.
الطرفة الذكية في التجربة أن المشاركين كانوا يُكلَّفون بمهمة موازية: عدّ الكلمات التي تبدأ بحرفين محددين.
وحين جاءت الكلمة الغائبة لاحقًا، كان بإمكانهم التحقق بأنفسهم: لم تُعَدّ، إذاً لم تكن هنا. ومع ذلك، شعرت بالألفة.
من بين 21 متطوعًا، أفاد 16 بالشعور بالديجافو، لا حين اعتقدوا أنهم رأوا الكلمة، بل حين علموا أنهم لم يروها وشعروا بها في آنٍ واحد.
كيف تتولد "الديجافو"؟
الجديد الحقيقي في هذا البحث هو ما رصده الماسح الضوئي للدماغ (MRI) خلال تلك اللحظات، وكان ذلك الأول من نوعه على أشخاص أصحاء.
حين اصطدمت الألفة الزائفة بالمعرفة اليقينية، أضاءت منطقة محددة في مقدمة الدماغ: قشرة الحزام الأمامي (Anterior Cingulate Cortex).
هذه المنطقة معروفة بدورها في رصد التعارض بين الإشارات وإرسال إنذار داخلي: "شيء يستحق المراجعة هنا".
لم تعمل وحدها. انضمت إليها مناطق من الفص الجبهي الإنسي وقشرة جدارية، لتُشكّل معًا شبكة الرقابة الذاتية للدماغ، النظام الذي يراقب تفكيرنا ويتحقق من صحة مشاعرنا.
بمعنى آخر: الديجافو لا يُولد حين تنزلق الذاكرة، بل حين تمسك هذه الشبكة الزلة قبل أن تكتمل.
لماذا يتلاشى الديجافو مع التقدم في السن؟
كان الباحثون أمام لغز قائم منذ سنوات: لو كان الديجافو مجرد خطأ في الذاكرة، لتوقعنا أن يزداد مع التقدم في العمر.
لكن العكس هو الصحيح، الأطفال والشباب يعيشونه أكثر.
النموذج الجديد يحل هذا اللغز بسلاسة. المناطق الأمامية المسؤولة عن رصد التناقضات الصغيرة تعمل بكفاءة أعلى في الدماغ الشاب.
مع التقدم في السن، تضعف هذه المناطق تدريجيًا، فيتوقف الدماغ عن اكتشاف التعارض، ولا يُولد الديجافو أصلاً.
هذا المنطق يمتد نحو الطب السريري أيضًا. في حالة "ديجافو فيكو" المرتبطة أحيانًا بالخرف، لا يشعر المريض فقط بالألفة الزائفة، بل يُقدم على قرارات بناءً على أحداث لم تقع.
الديجافو الصحي يُصحَّح ذاتيًا، أما في تلك الحالة فالنظام الرقابي يُخفق في إعادة الدماغ إلى الواقع.
ما يظنه كثيرون خللاً عابرًا في الذاكرة قد يكون في جوهره دليلاً على أن الدماغ يؤدي عمله باحترافية تامة. إنه يلتقط تعارضًا دقيقًا بين ما يشعر به وما يعرفه، ثم يرفع إشارة تنبيه.
الشعور المحيّر الذي يمر في ثوانٍ هو على الأرجح لحظة تحقق سريعة، يُفرز فيها الدماغ الذكريات الحقيقية عن إشارات الألفة المضللة، دون أن تدرك أنت شيئاً مما يجري.
