لماذا قد يكون طموحك للمنصب الإداري علامة خطر على نجاحك؟
لا ينتهي الجدل في أروقة الشركات حول أساليب الإدارة الحديثة، وهل تحتاج المؤسسات حقًّا إلى هياكل إدارية تقليدية، أم أن الاستغناء عن المديرين يسهم في خفض التكاليف وتسريع العمل؟
وفي خضم هذا النقاش، جاءت دراسة دولية حديثة لتسلط ضوءًا جديدًا ومثيرًا للجدل حول القيمة الحقيقية للمدير الناجح.
كشفت الدراسة، التي قادها علماء الاقتصاد في كلية لندن الجامعية، أن المدير الكفء يساوي ذهبًا؛ إذ تبين أن مساهمته في إنجاز المهام وتحقيق الأهداف تعادل في قيمتها إنتاجية فريقه بأكمله مجتمعًا.
وتأتي هذه النتيجة بمثابة مفاجأة قوية، خصوصًا في وقت تتجه فيه العديد من شركات التقنية الكبرى إلى تقليص الوظائف الإدارية كجزء من خطط خفض النفقات.
عزل المهارة القيادية عن الإنتاجية الفردية
لم تكن هذه الدراسة مجرد نظريات، بل استندت إلى تجارب عملية وميدانية؛ حيث وضع الباحثون مجموعات من الموظفين والمديرين أمام مهام محددة تتطلب حلاً جماعيًّا. وكان الهدف من التجربة هو عزل كفاءة المدير القيادية عن قدرته الشخصية على الإنتاج، وعن الكفاءة الذاتية لأفراد الفريق.
وأثبتت النتائج لجميع الأنماط الإدارية أن مدخلات المدير وتوجيهاته تعد عنصرًا حاسمًا ومحوريًّا لنجاح أي فريق عمل، وأن غياب التوجيه الذكي يبدد جهود الكفاءات الفردية مهما بلغت قوتها.
الذكاء الاقتصادي يتفوق على السمات الشخصية
قبل أن يتملّك الفخر بعض المديرين، أشارت الدراسة إلى أن العوامل الديموغرافية أو السمات الشخصية لا تلعب الدور الأكبر في هذا النجاح كما يظن الكثيرون.
فقد أظهرت الاختبارات العملية أن القاسم المشترك بين أفضل المديرين أداءً هو تمتعهم بـ "الذكاء" (وهو القدرة على التفكير المنطقي وحل المشكلات الجديدة بمعزل عن المعرفة المسبقة)، بالإضافة إلى تحقيقهم درجات مرتفعة في اختبارات اتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة.
وهذا يعني أن الإدارة الناجحة تتطلب مهارة حقيقية في موازنة عوامل الوقت، والمال، والجهد البشري مقابل أهداف الشركة المعقدة والمتغيرة.
مفاجأة الدراسة: لماذا يفشل عشاق المناصب؟
كشفت البيانات عن حقيقة أكثر عمقًا وغرابة؛ حيث لاحظ الباحثون أن الأشخاص الذين يسعون جاهدين لتولي مناصب إدارية ويطاردون الترقيات، يؤدون المهام الإدارية بشكل أسوأ مقارنة بأولئك الذين جرى اختيارهم للمنصب عشوائيًّا أو تم دفعهم إليه بفضل كفاءتهم المهنية فقط (المديرون بالمصادفة).
تثبت هذه الدراسة علميًّا مقولة شهيرة للكاتب الراحل دوغلاس آدامز قال فيها: "إنها لحقيقة راسخة أن الأشخاص الذين لديهم رغبة عارمة في حكم الآخرين وتوجيههم، هم بالضرورة الأقل صلاحية للقيام بذلك".
فالقدرة على القيادة تحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد ابتسامة عريضة، أو مصافحة قوية، أو ثقة مفرطة بالنفس؛ بل تتطلب عقليًّا تحليليًّا قادرًا على تفكيك الأزمات، والزهد في بريق المنصب لصالح جودة المخرجات.
عند البحث عن مديرين للمستقبل، لا تكتفِ بالالتفات إلى أولئك الذين يرفعون أيديهم طلبًا للمنصب أو يستعرضون طموحهم الإداري؛ بل ابحث في عمق فريقك عن أصحاب التفكير التحليلي الهادئ والذكاء الاقتصادي، الذين يركزون على حل المشكلات وإنجاز العمل بصمت.
