بعد رحيله عن ليفربول.. أسرار لياقة وتمارين محمد صلاح
حان وقت رحيل محمد صلاح عن قلعة "آنفيلد"، وضجت منصات التواصل الاجتماعي بملخصات لأهدافه الحاسمة وتمريراته الساحرة، وهو أمر مستحق بلا شك لواحد من أعظم من أنجبتهم الملاعب الإنجليزية وتاريخ نادي ليفربول.
لكن الخسارة الأعمق والأكثر تأثيرًا، والتي لا يمكن اختزالها في مقطع فيديو مدته دقائق، تكمن في ميزة أدار بها صلاح المنظومة بالكامل: "الجاذبية الدائمة والوجود المستمر"، وبناء ثقافة احترافية مرعبة حول هذه الركيزة.
طوال مسيرته مع الريدز، تمثلت القوة الخارقة وغير المقدرة بالشكل الكافي لصلاح في أنه كان دائمًا الاسم الأول في تشكيلة الفريق.
وحتى لحظة إصابته في العضلة الخلفية خلال كأس أمم إفريقيا 2024، لم يغب النجم المصري سوى عن 10 مباريات فقط في الدوري الإنجليزي الممتاز على مدار ستة مواسم ونصف؛ وهو رقم إعجازي للاعب جناح يتعرض لتدخلات عنيفة مستمرة، ويعتمد أسلوبه على الركض السريع وتغيير الاتجاهات.
منزل يشبه المستشفى
لفهم هذه الظاهرة، لا تذهب إلى ملعب أنفيلد، بل ادخل إلى منزل صلاح نفسه. غرفتان مليئتان بالأجهزة الرياضية: أوزان حرة، دراجة ثابتة، جهاز مشي، ماكينة بيلاتس، ووحدة للعلاج بالتبريد وغرفة أكسجين مضغوط.
يقول صلاح بابتسامة إن زوجته تشتكي من أنه يمضي وقتًا أطول مع الأجهزة منه معها، وأن المنزل "يشبه المستشفى". لكن هذا المستشفى الصغير هو من جعله يستعيد عافيته بعد كل مباراة أسرع مما يتوقع أي طاقم طبي.
لم يبدأ هذا في ليفربول، بل في روما، حيث اشترى أجهزة كارديو ومعدات رفع أثقال، وأنشأ ملعبًا خاصًا في حديقة منزله لصقل حركاته وتدريب تسديداته بعيدًا عن العيون. العادة التي نشأت هناك، رسّخت نفسها حتى صارت هوية.
ما يُعجب المختصين ليس الجهد وحده، بل ذكاء التدريب. الدكتور بن روزنبلات، المدرّب البدني السابق للمنتخب الإنجليزي، أشار إلى أن صلاح وضع نقطة جوهرية في مسيرته، أن هناك علاقة مباشرة بين قوة الجذع والحركات الدائرية، وبين تجنّب الإصابة وبقاء الجسد متوازنًا تحت الضغط.
هذا التركيز على العضلات يجعله قادرًا على اللعب بقوة بين المدافعين، وامتصاص الاحتكاك دون أن تُجهَد مفاصله.
وعلم التغذية يُكمل الصورة: وجبات مبنية على البروتين الخالص كالسمك والدجاج، مع الكربوهيدرات المعقدة والخضراوات، وخبز الحبوب الكاملة بدلاً من الأبيض.
وهو يتدخّل حتى في أطباق زملائه، كما فعل مع هارفي إليوت حين نصحه بالتخلّي عن الخبز الأبيض في الإفطار.
اليوجا والبيلاتس جزء من الروتين أيضًا، ليس كرياضة غير أساسية، بل كأداة لاستعادة مرونة الكاحل والفخذ، وتقليل التوتر العصبي بعد المباريات.
حين يُصبح النجم مرآةً للجميع
ثمة أثر يصعب قياسه لكن يستحيل إنكاره: حين يرى اللاعبون الجدد أن أفضل لاعب في الفريق يصل قبل الجميع، ويتدرّب في الصالة قبل بداية الحصة وبعد انتهائها، تُعاد كتابة معايير الاحتراف من تلقاء نفسها.
صلاح نفسه تحدّث عن قلقه الحقيقي قبيل الرحيل، وأبلغ المسؤولين أن الفريق يحتاج إلى "نموذج يأتي مبكرًا ويكمل عمله في الصالة". هذا الإنذار يعكس حجم الفراغ القادم.
والسياق أثقل مما يبدو: هذا الموسم شهد 18 هزيمة، وعلامات الإحباط باتت ظاهرة على الملعب. رحيل أندي روبيرتسون، وعلامات الاستفهام حول مستقبل غامض، كل ذلك يجعل غياب صلاح أشد وطأة.
حين تتأمّل سجلّه بعيدًا عن 29 هدفًا و18 تمريرة في موسم واحد، تجد شيئًا أكثر إدهاشًا: لاعب اقترب من الخامسة والثلاثين، نال جائزة أفضل لاعب في الدوري للمرة الثالثة، وجدّد عقده في سن لا يجرؤ فيها أغلب اللاعبين على ذلك.
