لست كسولاً بل "حارس تطوري".. السر وراء استيقاظك مبكرًا أو سهرك ليلاً
لا يعود التميز الطبيعي للأشخاص الصباحيين إلى قوة إرادتهم أو انضباطهم الصارم كما تشيع الأدبيات التحفيزية، بل هو نتاج تاريخ تطوري سحيق وساعة بيولوجية تدق داخل خلايا الجسد.
ويُعرف هذا التباين البشري في توقيت النوم علمياً بـ "النمط الزمني" (Chronotype)، وهو النزعة الفطرية للفرد نحو النوم والاستيقاظ مبكرًا أو متأخرًا.
وبينما يقع معظم البشر في منطقة وسطى، يتوزع الآخرون بين "أشخاص صباحيين" أو "أشخاص ليليين" محكومين ببيولوجيتهم أكثر ما يعتقدون.
وتكشف التفسيرات التطورية أن هذا التباين لم يكن مجرد صدفة، بل كان ضرورة حتمية لبقاء الجنس البشري.
وفي دراسة أُجريت على قبائل "الهادزا" في تنزانيا -وهم مجتمع من الصيادين وجامعي الثمار يمثلون نافذة حية على حياة أجدادنا الأوائل- كشفت أجهزة مراقبة النوم أنه على مدار 20 يومًا، لم ينم أفراد المجموعة في التوقيت نفسه بشكل كامل سوى لـ 18 دقيقة فقط، بينما كان هناك شخص واحد على الأقل مستيقظًا أو في حالة يقظة خفيفة خلال 99.8% من فترات الليل.
سر الاستيقاظ باكرًا في العصور القديمة
ويدعم هذا الاكتشاف ما يُعرف بـ "فرضية الحارس"، والتي تشير إلى أن العيش في مجموعات يقلل من خطورة التعرض للافتراس أو الهجمات المعادية عبر توزيع فترات اليقظة والنوم بشكل متناوب؛ لذا لم يكن الشخص الصباحي مجرد مستيقظ باكر، بل كان حارسًا يحمي المجموعة من الفناء.
وقد ترسخت هذه الاختلافات السلوكية في الجينوم البشري عبر آلاف السنين، حيث أظهرت دراسات حديثة وجود أدلة جينية على أن بعض المتغيرات المرتبطة بالنوم موروثة من البشر البدائيين مثل "النياندرتال" و"الدينيسوفان".
كما حددت الأبحاث نحو 351 جينًا مرتبطة بالنمط الصباحي، تتركز حول الجينات المسؤولة عن تنظيم الإيقاع اليومي، ومستقبلات الضوء في شبكية العين، ومسارات الإشارات في الدماغ، ما يبرهن على أن النمط الزمني هو سمة معقدة متعددة الجينات.
ومع ذلك، فإن هذا النمط ليس ثابتًا طوال العمر، بل يتغير بشكل متوقع مع المراحل العمرية المختلفة؛ فالأطفال الصغار يتبنون النمط الصباحي بنسبة تصل إلى 70%، ولكن مع مرحلة البلوغ وتحديدًا من عمر الـ10، يبدأ التحول التدريجي نحو النمط الليلي ليصل ذروته في أواخر سن المراهقة (بين 19 و21 عامًا)، قبل أن ينعكس المسار مجددًا نحو النمط الصباحي في منتصف العمر والشيخوخة.
سبب الشعور بالرغبة بالسهر
هذا التحول ليس مجرد سلوك اجتماعي أو رغبة متمردة في السهر أمام الشاشات الرقمية، بل هو ظاهرة بيولوجية موثقة ترتبط بالتغيرات الهرمونية المصاحبة للبلوغ.
ويترتب على هذا التباين أثر ملموس على الصحة النفسية؛ إذ تشير الدراسات السببية إلى أن النمط الصباحي يرتبط بصحة نفسية أفضل، والسبب في ذلك لا يعود إلى أفضلية النمط ذاته، بل إلى مواءمته الطبيعية مع متطلبات المدارس وبيئات العمل التي تبدأ مبكرًا.
في المقابل، يعاني أصحاب النمط الليلي فجوة مستمرة بين ساعتهم البيولوجية والمتطلبات الخارجية، وهو ما يسميه العلماء "اضطراب الحياة الاجتماعية" أو "اضطراب الرحلات الجوية الاجتماعية"، ما يرفع لديهم مخاطر الإصابة بالاكتئاب، والاضطرابات التمثيلية، وتراجع القدرات الإدراكية، وهي أعباء صحية تختفي تمامًا إذا ما أتيحت لهم الفرصة لتنسيق جداولهم اليومية مع طبيعتهم البيولوجية الفطرية.
