برفقة الخيول.. رحلة علاجية لاستعادة التوازن النفسي
الخيول من أكثر الكائنات حساسية وإدراكًا لمشاعر الإنسان، بل هي في الحقيقة أقرب إلى المرآة التي تعكس المشاعر؛ إذ إنّها تُجسِّد مشاعرك، سواء كُنت سعيدًا أو قلقًا، ولذلك فقد استُخدِمت الخيول لدعم الصحة النفسية والوعي الذاتي من خلال تلك القدرة الفريدة التي تتمتّع بها الخيول، والتي تستحقّ الحديث عنها بشيءٍ من التفصيل.
مفهوم العلاج بالخيول
يتضمّن العلاج بالخيول (Equine therapy) المشاركة في أنشطة مرتبطة بالخيول، مثل العناية بها وإطعامها وقيادتها تحت إشراف اختصاصي الصحة النفسية.
ومن أهداف هذا النوع من العلاج مساعدة المرء على بناء بعض المهارات، مثل التنظيم العاطفي والثقة بالنفس والمسؤولية.
وقد استُخدمت الخيول لأغراض علاجية منذ زمن الإغريق القدماء، فقد كتب الطبيب اليوناني "أبقراط"، المعروف باسم "أبو الطب"، عن الإمكانات العلاجية لركوب الخيل.
وأصبح ركوب الخيل أكثر شعبية كونه أداة علاجية خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين. وفي عام 1969، أُسِّست جمعية أمريكا الشمالية لركوب الخيل لذوي الإعاقة التي أصبحت فيما بعد الجمعية المهنية لركوب الخيل العلاجي الدولية (PATH).
ما الذي يجعل تجربة العلاج بالخيول فريدة من الناحية النفسية؟
يوفّر العلاج بالخيول أو ركوب الخيل بعض المزايا الفريدة من الناحية النفسية، التي منها على سبيل المثال:
غياب الأحكام المُسبقة والتحيّزات
إنّ وجود الخيل قد يوفّر إحساسًا بالسلام بالنسبة للمرء، لأنّ الخيل لن يتفاعل إلّا مع سلوك الإنسان وعواطفه، دون أن يكون هناك أحكام مُسبقة أو تحيّز بالنسبة لمشاعره أو سلوكه، فكأنّ الخيل مرآة لمشاعر المرء وسلوكه.
ردود الأفعال كالمرآة
الخيول بطبيعتها شديدة المراقبة وحسّاسة للحركة والمشاعر، وغالبًا ما تعكِس سلوك الإنسان أو عواطفه، كما تنقل هذا التفاهم والاتصال مع المرء، بما يتِيح له الشعور بالأمان.
وهذا بدوره يسمح للشخص بالحفاظ على الإحساس بالوعي الذاتي، واستخدام سلوك الحصان وتفاعلاته للحصول على ردود الفعل، والتحقّق من مشاعره في تلك اللحظة.
تعزيز نفسي شامل
كذلك يضمن العلاج بالخيول بعض الفوائد النفسية، مثل:
زيادة قابلية التكيّف وتحمل الضيق.
تحسين الوعي العاطفي.
تحكّم أفضل في الانفعالات.
زيادة الثقة بالنفس.
تحسين الوعي الاجتماعي والقدرة على بناء علاقات اجتماعية.
فالخيول تحتاج إلى عناية؛ إذ ينبغي إطعامها وسقيها، وإنّ تقدِيم هذا النوع من الرعاية يمكِن أن يكون علاجيًا في كثيرٍ من الأحيان، كما أنّ المواظبة على رعاية الخيول، يساعد على بناء التعاطُف.
هل يعالج ركوب الخيل الاضطرابات النفسية؟
إذا كانت الخيول مفيدة من ناحية عكْس مشاعر الفرد وتحسين إدراكه لذاته وبناء ثقته النفسية، فهل هي مفيدة في علاج الاضطرابات النفسية أيضًا؟
القلق
نظرًا لحساسية الخيول للسلوك والعواطف، فإنّها تستطيع أن تشعر بالخطر وتستجيب بوعي متزايد، ما يؤدي عادةً إلى تغيير في سلوكها ومحاولات محتملة للهرب.
ويمكِن للمصابين بالقلق أن يعالِجوا التحدّيات النفسية لديهم من خلال سلوك الحصان؛ إذ يكون ذلك أسهل بالنسبة لهم، مقارنةً بالتحدث مباشرةً عن تجاربهم الشخصية مع القلق.
كما أنّ تجربة علاج القلق بمساعدة الخيول، تساعد المرء على ترك العنان لمشاعره في بيئة آمنة، ويتعلّم كيفية التفاعل مع الحصان وتجربة أشياء جديدة، قد تساعد على معالَجة القلق؛ إذ يعالِجون بعض المخاوف والتحدّيات خلال تلك الرحلة العلاجية.
اضطراب ما بعد الصدمة
يتسم اضطراب ما بعد الصدمة بزيادة الاستثارة أو التحفّز النفسي، والذكريات والكوابيس المتعلّقة بالحدث الصادِم.
ويتزايد استخدام العلاج النفسي بمساعدة الخيول في علاج اضطراب ما بعد الصدمة لدى المحاربين القدامى، فكما وصفت "تيس هاسيت" مدربة ركوب الخيل في برنامج ركوب الخيل العلاجي بشمال فيرجينيا، بخلفية في عِلم النفْس السريري بشأن المحاربين القدامى: "أنّهم يشعرون بالقدرة على الارتباط الشخصي مع خيولهم، وأنّهم قادِرون على نقل ذلك إلى بقيّة حياتهم وفي علاقاتهم".
كيف تبدو جلسة العلاج بالخيول؟
يأمل المعالِجون من خلال العلاج بالخيول في توفير مساحة أكثر راحة، تتِيح للمرء استكشاف صحته العقلية أو الجسدية بالسُرعة التي تناسِبه تحت إشراف مُختص.
وقد تختلف أوقات الجلسات، رغم أنّ عديدًا منها قد يستغرق نحو ساعة، ولكن تعتمد الأنشطة المحددة في جلسة علاج الخيول على العُمر والاحتياجات المُحدّدة، ومن الأنشطة التي قد تُمارَس في الجلسات:
أنشطة غير متعلقة بالركوب
تعلّم تقنيات لطيفة للتفاعل اللمسي، مثل المداعبة.
تغذية الحصان والعناية به.
تنظيف وصيانة المعدات (مثل السرج).
القيادة أو المشي مع الحصان.
أنشطة ركوب الخيل المساعدة
ركوب الخيل في حظيرة أو ساحة داخلية أكبر بمساعدة مُعالِج وفارِس.
ركوب عربة صغيرة أو المساعدة على قيادتها.
ركوب الخيل أو المشي في الطبيعة.
تعلّم التحرّك مع مشيات الحصان المختلفة.
أنشطة ركوب الخيل التي يتم مراقبتها
تعلّم ركوب الخيل دون مساعدة معالِج أو مدرّب خيول.
تعلّم قيادة عربة صغيرة بمفردك.
الركوب في الساحات الداخلية أو المراعي الكبيرة أو المسارات الطبيعية.
تعلّم القفز أو ألعاب الفروسية الأخرى، مثل سباق البراميل.
المسابقات التنافسية على ظهور الخيل.
في النهاية، فإنّ العلاج النفسي بمساعدة الخيول ليس الشكل الوحيد للتغلب على أي مشكلة نفسية، ولكن هو بمثابة علاج تكميلي إلى جانب طرق العلاج التقليدية.
