فيروس هانتا: هل يتحول إلى "كوفيد-19" جديد؟
وسط أمواج المحيط الأطلسي وعلى متن سفينة سياحية هولندية، أُعلن عن ثماني حالات مصابة بفيروس هانتا، بما في ذلك ثلاث وفيات، ورغم أنّه فيروس نادر، فإنّه مميت كما يتضح.
وربّما يعيد هذا إلى أذهاننا سيناريو كوفيد-19 الذي كان متفشيًا بالأمس القريب، ولا تزال البشرية تتعافى من آثاره، فهل يمكن أن يتحول فيروس هانتا إلى جائحة جديدة؟ وهل العالم مستعد للتعامل مع أزمة صحية جديدة؟
ما هو فيروس هانتا وكيف ينتقل؟
فيروسات هانتا هي فيروسات حيوانية المنشأ تُصِيب القوارض وتنتقل أحيانًا إلى البشر، وقد تؤدي العدوى بها إلى مرض شديد والوفاة في كثير من الأحيان.
وفي الأمريكتين من المعروف أنّ العدوى تؤدي إلى متلازمة فيروس هانتا القلبية الرئوية "HCPS"، بينما من المعروف في أوروبا وآسيا أن فيروسات هانتا تُسبّب الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية "HFRS"، وفقًا لما ذكرته منظمة الصحة العالمية.
ويمكن أن تسبّب عدّة سلالات من فيروس هانتا متلازمة فيروس هانتا القلبية الرئوية، والتي يمكن أن يحملها أنواع مختلفة من القوارض.
وعادةً ما تحدث العدوى عن طريق استنشاق فيروسات هانتا التي تنتقل عبر الهواء من بول القوارض أو فضلاتها أو لعابها.
أسباب الإصابة بفيروس هانتا
تضم القوارض الوحيدة التي يمكن أن تحمل فيروسا هانتا في أمريكا الشمالية:
- فئران الغزلان.
- الفئران ذات الأقدام البيضاء.
- فئران الأرز.
- فئران القطن.
والطريقة الأكثر شيوعًا للانتشار هي من خلال استنشاق الهواء الذي يحتوي على لعاب أو قطرات البول أو البراز الملوّث للقوارض.
ولكن يمكن أن تنتشر فيروسات هانتا أيضًا من خلال:
- لدغات أو خدوش القوارض المصابة.
- تناول طعام مُلوّث.
- لمس سطح ملوّث، ثُمّ لمس عينيك أو أنفك أو فمك.
هل ينتقل فيروس هانتا بين البشر؟ سلالة أنديس هي السر
لا تنتقل معظم فيروسات هانتا بين البشر، غير أن سلالة «فيروس الأنديز»، وهي إحدى سلالات هانتا، سُجّلت لها حالات نادرة انتقل فيها الفيروس من شخص إلى آخر.
وهذه هي سلالة فيروس هانتا التي تم تحديدها في التفشّي الحاصل في السفينة السياحية الهولندية، ولكن بالنسبة للسلالات التي ينتقل فيها الفيروس من شخص لآخر، فإنّ ذلك يكون من خلال الاتصال القريب للغاية.
تقول الدكتورة "مارا جانا برود هيرست" اختصاصية علم الأمراض في كلية الطب في نبراسكا وعضو لجنة علم الأحياء الدقيقة في الكلية الأمريكية لعلماء الأمراض:
"إنّّ فيروس الأنديس الذي يُوجَد في أمريكا الجنوبية، خصوصًا في الأرجنتين وتشيلي، فريد من نوعه، لأنّه النوع الوحيد المعروف الذي يسبّب انتقال العدوى من إنسان إلى آخر. ينتشر هذا الفيروس في المقام الأول إلى البشر من جرذ الأرز القزم، ولكنه يمكن أن ينتقل أيضًا بين الأشخاص من خلال الاتصال القريب لفترات طويلة".
هل فيروس هانتا جديد بالنسبة للبشر؟
فيروسات هانتا ليست جديدة، بل يعود اكتشافها إلى الحرب الكورية في الخمسينيات من القرن العشرين، وصنّفتها منظمة الصحة العالمية في عام 1987، ولكن لم تُكتشف متلازمة فيروس هانتا الرئوية إلّا بعد تفشي المرض في عام 1993 في "فور كورنرز" بالولايات المتحدة الأمريكية.
وأدّى ذلك إلى تصنيف الفيروس إلى مجموعتين فرعيتين: «العالم القديم» الذي قد يسبّب الفشل الكلوي، و«العالم الجديد» الذي قد يؤدّي إلى الفشل الرئوي..
أعراض متلازمة فيروس هانتا القلبية الرئوية
تُعدّ متلازمة فيروس هانتا الرئوية خطيرة وربّما مميتة، وعادةً ما تبدأ أعراضها في الظهور بعد أسبوع إلى 8 أسابيع من الاتصال بالقوارض المصابة.
ويمكن أن تضمّ الأعراض المبكرة:
- الإرهاق.
- الحمى.
- آلام العضلات، خصوصًا في مجموعات العضلات الكبيرة، مثل الفخذين والوركين والظهر وأحيانًا الكتفين.
كذلك يعاني نصف المصابين بمتلازمة فيروس هانتا الرئوية:
- الصداع.
- الدوخة.
- القشعريرة.
- مشكلات البطن، مثل الغثيان والقيء والإسهال وآلام البطن.
وبعد أربعة إلى عشرة أيام من المرحلة الأولية للمرض تظهر الأعراض المتأخرة، والتي تشمل:
- السعال.
- ضيق التنفس.
- ضيق في الصدر؛ حيث تمتلئ الرئتان بالسوائل.
ويمكِن أن تكون تلك المتلازمة مميتة؛ إذ إنّ 38% من الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض تنفسية قد يموتون بسبب المرض، وفقًا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها "CDC".
أعراض الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية لفيروس هانتا
كذلك الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية مرض خطير ومميت في بعض الأحيان، وعادةً ما تظهر الأعراض خلال أسبوع إلى أسبوعين بعد التعرّض.
وفي حالات نادرة، قد يستغرق ظهور الأعراض ما يصل إلى 8 أسابيع. كما أنّ الأعراض الأولية قد تظهر فجأة وتشمل:
- الصداع الشديد.
- آلام البطن والظهر.
- الحمى والقشعريرة.
- الغثيان.
- عدم وضوح الرؤية.
قد يعاني بعض الأشخاص احمرار الوجه أو التهاب أو احمرار العينين أو طفحًا جلديًا، كما يمكِن أن تظهر أعراض لاحقًا، مثل:
- انخفاض ضغط الدم.
- نقص تدفق الدم في الجسم (صدمة حادة).
- نزف داخلي (تسريب الأوعية الدموية).
- الفشل الكلوي الحاد، الذي قد يسبّب زيادة شديدة في السوائل.
وتختفي شدّة المرض عمومًا حسب الفيروس المسبّب للعدوى، وعادةً ما تسبّب عدوى فيروسات "هانتان" و"دوبرافا" أعراضًا حادة؛ إذ تكون 5 - 15% من الحالات مميتة.
تشخيص الإصابة بفيروس هانتا
من الصعب تشخيص فيروس هانتا لدى من أُصِيب به قبل أقل من 72 ساعة، فإذا أُجري الاختبار الأولي قبل اكتشاف الفيروس، فغالبًا ما يُكرّر الاختبار بعد 72 ساعة من بدء الأعراض.
فمن السهل الخلط بين فيروس هانتا والإنفلونزا من ناحية الأعراض المبكرة، مثل الحمى والصداع وآلام العضلات.
وتُشخّص متلازمة فيروس هانتا الرئوية عن طريق فحص الدم للبحث عن الأجسام المضادة لفيروس هانتا أو علامات أخرى، مثل:
- عدد خلايا الدم البيضاء أكبر من الطبيعي.
- انخفاض عدد الصفائح الدموية.
- انخفاض مستويات الأكسجين.
هل يمكن علاج المصابين بفيروس هانتا؟
لا يُوجَد علاج مُحدّد لعدوى فيروس هانتا، وينبغي أن يتلقّى المريض رعاية داعمة، تتضمّن الراحة والترطيب وعلاج الأعراض التي يعانيها.
وفي حالة متلازمة هانتا الرئوية التي قد تسبب صعوبات التنفس، فقد يحتاج المريض إلى دعم التنفس، مثل التنبيب؛ إذ يُوضَع أنبوب في الرئتين من الفم لمساعدة المريض على الحصول على الأكسجين.
أمّا في حالة الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية التي قد تعطّل وظائف الكلى، فقد يحتاج المرضى إلى غسل الكلى للتخلص من السموم في الدم والحفاظ على التوازن الصحيح للسوائل في الجسم.
لا يزال الباحثون في جميع أنحاء العالم يعملون على علاجات مضادة لفيروس هانتا، ولكن لم يُوافَق على أي منها حتى الآن في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت الحالي يكمن العلاج الرئيس في مساعدة الجسم على التغلب على المرض لتحسين معدلات البقاء على قيد الحياة، خصوصًا في الحالات الشديدة.
كيف تحمي نفسك من فيروس هانتا؟
بدايةً ينبغي إبعاد القوارض عن منزلك ومكان عملك لتقليل خطر الإصابة بفيروس هانتا، وذلك من خلال:
- سد الفتحات التي يمكن أن تدخل منها القوارض (قد تدخل من ثقوب عرضها 6 ملم)، وذلك باستخدام الصوف الفولاذي أو الأسمنت أو غيرهما.
- غسل الأطباق على الفور وتنظيف الأسطح والأرضيات، وتخزين الطعام، بما في ذلك طعام الحيوانات الأليفة، في حاويات مقاومة للقوارض.
- نصب الفخاخ في حالة الشك في وجود قوارض في المنزل.
- تهوية المساحات غير المستخدمة في المنزل قبل التنظيف.
- رشّ الفضلات أو القوارض الميتة بمطهر أو كحول، وتركها لمدة 5 دقائق.
- تجنّب الكنس الجاف أو تنظيف فضلات القوارض بالمكنسة الكهربائية.
- الحفاظ على نظافة اليدين باستمرار.
هل يتحوّل فيروس هانتا إلى جائحة مثل كوفيد-19؟
يقول "بيل هاناج" المدير المساعد لمركز ديناميكيات الأمراض المعدية وأستاذ علم الأوبئة في كلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة: "إنّه من غير المرجّح أن ينتشر فيروس هانتا على نطاق واسع".
وقد تحدث "هاناج" وخبراء آخرون عن مدى ضراوة فيروس هانتا وقدرته على الانتشار، فالفيروس الذي ينتشر عادةً بين القوارض لا ينتشر بسهولة بين البشر أو قبل أن تبدأ أعراض المصابين في الظهور، على عكس الإنفلونزا أو فيروس سارس-كوف-2 (الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19).
وحتى على متن سفينة سياحية، حيث يعيش الناس في أماكن قريبة لفترة طويلة، ظلّ انتقال العدوى مقتصرًا على عدد قليل من الأشخاص الذين لديهم أقرب اتصال.
ويقول "هاناج": "ليس مُعدّل الوفيات هو المهم بالنسبة لاحتمال انتشار الوباء، بل القدرة على الانتقال بين البشر".
وأشار خبراء آخرون إلى أنّ فيروس هانتا سيحتاج إلى الخضوع لتغيّرات تطورية متعددة كي يصبح تهديدًا وبائيًا.
هل العالم مستعد للتعامل مع أزمة صحية أخرى؟
يقول بيان صادر عن منظمة الصحة العالمية في فبراير 2026 إنّ الإجابة هي "نعم ولا" عند تقييم ما إذا كان العالم مستعدًا بشكل أفضل للوباء التالي.
وجاء في البيان: "من نواح عديدة، أصبح العالم مستعدًا بشكل أفضل، لأنّه تم اتخاذ خطوات ملموسة وذات معنى لتعزيز الاستعداد".
"ولكن في الوقت نفسه، لا، لأنّ التقدّم المُحرَز هش وغير متكافئ، ولا يزال هناك الكثير يتعيّن القيام به للحفاظ على سلامة البشرية".
