داخل متحف زايد الوطني.. سلسلة من القطع التاريخية تروي تاريخ الإمارات
ارتبط الإنسان على أرض الإمارات بالسلاح منذ تشكّل الحضارات الأولى، بوصفه عنصرًا أصيلًا من منظومة الحياة وتفاعلها مع المحيط الطبيعي والاجتماعي.
تلك الأدوات، التي ابتدأت كحاجات للصيد والحماية، سرعان ما تجاوزت وظيفتها المباشرة لتغدو شواهد على المكانة الاجتماعية، وعناوين للفروسية، وملامح راسخة في الذاكرة الجماعية.
وفي قاعات متحف زايد الوطني، لا يكتفي الزائر بمشاهدة مجموعة من الأسلحة، بل يخوض مسارًا سرديًا متكاملًا يكشف كيف تبلورت ملامح التاريخ على أرض الإمارات العربية المتحدة.
أسلحة من فجر التاريخ
يكشف متحف زايد الوطني عن البدايات الأولى لصناعة السلاح على أرض الإمارات، مسلطًا الضوء على علاقة وثيقة جمعت الإنسان بموارده الطبيعية قبل نحو 4500 عام.
في تلك المرحلة المبكرة، شكّل النحاس المحلي المادة الأساسية التي صيغت منها أدوات القتال، لتعكس قدرة المجتمعات القديمة على توظيف ما توفر لها من عناصر البيئة.
تنوّعت الأسلحة آنذاك بين رماح خُصصت للرمي عن بُعد، وأخرى أُعدّت للاشتباك المباشر، إلى جانب سيوف طويلة كانت تُحمل عند الخصر، في مشهدٍ يعكس طبيعة القتال الذي كان يُخاض سيرًا على الأقدام، قبل دخول الجمال والخيول إلى ميادين الحرب.
ومع مرور القرون، وتحديدًا قبل نحو ثلاثة آلاف عام، أخذت صناعة السلاح منحى أكثر انتشارًا وتطورًا في مختلف أنحاء أرض الإمارات.
برزت في هذه المرحلة السيوف القصيرة المصنوعة من النحاس المخلوط، المصممة للقتال القريب، والتي لم تقتصر أهميتها على دورها العسكري فحسب، بل تحولت مع الزمن إلى علامة مميزة للهوية الثقافية المحلية، تُحمل على الخصر بوصفها رمزًا للمكانة والانتماء.
ومن بين الشواهد البارزة على تلك الحقبة، سيف قصير عُثر عليه في منطقة الرميلة بمدينة العين، ويعود تاريخه إلى نحو 1000 عام قبل الميلاد. ويُقدَّم هذا النموذج اليوم كجزء من السرد المتحفي الذي يوثق تطور تقنيات صناعة السلاح ودلالاته.
كما أضافت الاكتشافات الأثرية في منطقة الكويتات بالعين بُعدًا جديدًا لهذه القصة، إذ كشفت الحفريات عن مدفن يعود لمحارب، احتوى على مجموعة من الأسلحة الحديدية شملت سهامًا ورماحًا وسيوفًا.
من بين هذه القطع سيف حديدي وُجد داخل أحد القبور، يعود إلى حوالي 200 عام قبل الميلاد، ويُعرض اليوم في صالة "ضمن روابطنا"، شاهدًا على تحوّل المواد والتقنيات، وعلى مكانة السلاح في حياة الإنسان ومعتقداته عبر العصور.
من السيوف إلى البندقية: تحوّل في أسلوب القتال
يوثّق متحف زايد الوطني مرحلة مفصلية في تاريخ القتال، لم يعد فيها الاشتباك قائمًا على المواجهة القريبة وحدها، بل امتد ليشمل أدوات غيرت من طبيعة الصراع وحدوده.
في صالة "بداياتنا" تُعرض بندقية "أم فتيلة"، المصنوعة من الخشب والفولاذ، والتي تعود إلى القرن التاسع عشر، لتجسّد واحدة من أقدم محاولات توظيف السلاح الناري في سياق الدفاع المحلي.
تعكس هذه القطعة زمنًا كانت فيه المواجهة تعتمد على مزيج من المهارة اليدوية والمعرفة الأولية بالبارود، في مرحلة تمهّد لتحول أوسع في مفاهيم القوة والحماية.
ومن هذه البدايات، يتقدّم السرد نحو مراحل أكثر تطورًا، تشهد فيها الأسلحة النارية نضجًا تقنيًا وتنوّعًا في أساليب الاستخدام.
داخل صالة "في سواحلنا" تُعرض نماذج من البنادق التي مثّلت هذا التحول، من بينها مسكيت صُنع من الفولاذ والخشب وجلد الغزال أو الأيل، إلى جانب بندقية من طراز فلينتلوك تجمع بين الحديد المخلوط والخشب الصلب.
تعود هذه القطع إلى ستينيات القرن العشرين، لتعبّر عن مرحلة تغيّرت فيها طبيعة القتال واتسعت نطاقاته، معلنة الانتقال من السلاح الأبيض إلى أدوات أعادت رسم أسلوب المواجهة وحدودها.
عصا الجرز: فأس تعبّر عن الهوية
مع انتقال متحف زايد الوطني من عصور موغلة في القدم إلى مراحل أقرب زمنيًا من تاريخ المجتمع المحلي، تبرز أدوات ارتبطت بالحياة اليومية بقدر ما ارتبطت بمفاهيم القوة والحماية.
ومن بين هذه الأدوات عصا الجرز، المعروفة محليًا باسم "اليرز"، وهي فأس ذات مقبض طويل وشفرة معدنية، استُخدمت في الماضي لأغراض متعددة شملت تقطيع الخشب والدفاع عن النفس، وأحيانًا كعكاز يعين على المشي خلال التنقل.
غير أن هذه الفأس لم تتوقف عند حدود وظيفتها العملية، إذ سرعان ما راكمت عبر الزمن حضورًا رمزيًا جعلها علامة على الفخر والاعتزاز بالتراث، وهي حاضرة في بعض المناسبات المجتمعية بوصفها امتدادًا للهوية المحلية.
ويعرض متحف زايد، ضمن صالة "من جذورنا"، مجموعة من عصي الجرز التي تعود إلى القرن العشرين، مدعومة بعرض تفاعلي يتتبع أساليب صناعتها ويكشف تحوّل دورها من أداة استخدام إلى رمز ثقافي.
المحزم بين الاستعمال والتوثيق
يظهر المحزم في تاريخ الحياة المحلية بوصفه جزءًا لا ينفصل عن هيئة الرجل واستعداده؛ يُشدّ حول الخصر، يحمل الخنجر ويضمّ الذخيرة، ويلازم صاحبه في تفاصيل التنقل والعمل والحماية.
ومن هذا الحضور تشكّلت مكانته، ليبرز اليوم في المناسبات الخاصة جزءًا من الزي التقليدي، ويُرتدى خاليًا من الرصاص، تعبيرًا عن استمرارية الموروث والاعتزاز بالهوية الثقافية.
متحف زايد الوطني، لم يغفل تلك الأدوات التاريخية، إذ أفرد لها حضورًا واضحًا ضمن صالة "بداياتنا"، حيث يُعرض نموذج للمحزم والخناجر إلى جانب صورة للوالد المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وهو يرتدي محزمه في صحراء الإمارات خلال شتاء 1948–1949.
تقدّم هذه الصورة سياقًا بصريًا يربط بين الاستخدام اليومي للمحزم في الماضي، وما يحمله اليوم من رمزية واستمرارية داخل المجتمع الإماراتي.
