"سعرها 3.4 مليون دولار وتزن ثلاجتين!".. هذه أدق ساعة في العالم!
دائمًا ما يتطلع البشر إلى الأفضل، حتى لو كان ذلك على حساب أنفسهم، حب الاستطلاع داخلنا يفوق أي شيء، لا يهم هل يقودنا الشغف والفضول إلى اكتشافٍ عظيم أو لا، المهم أن نُرضي ذلك الإحساس المتطفل!
من الأمثلة الجلية على ذلك محاولاتنا المستمرة لقياس الوقت بدقة. لقد وصلنا إلى الثانية والفمتوثانية (10 مرفوعة للأس 15 من الثانية) والأتوثانية (10 للأس 18 من الثانية) وحتى ما دون ذلك، لكننا لم نكتفِ!
لماذا نحتاج إلى قياس الوقت بدقة؟
لا تتوقف أهمية تقدير الوقت بدقة عند تنظيم الحياة اليومية فحسب، حيث يمكن لكل جزء من الثانية أن يُحدث فرقًا ملحوظًا في مجالات مثل الفيزياء، والاتصالات، وعلوم الأرض، وغيرها.
في عام 1967، صُك التعريف الرسمي للثانية وأصبحنا نعرف أنها مبنية على عدد محدد من اهتزازات ذرة السيزيوم-133. في ذلك الوقت، أصبحت الساعات تَعِد مليارات النبضات في كل ثانية، وهذا كان أدق شيء وصلنا إليه.
لاحقًا، اتجه العلماء إلى استخدام الضوء بدلًا من الموجات الميكروية، ما سمح بالاعتماد على ترددات أعلى بكثير ومهد الطريق لجيل جديد من الساعات الأكثر دقة.
أدق ساعة في العالم
من هذه الساعات كانت ساعة "Aether clock OC 20"، التي طورتها شركة شيمادزو اليابانية تجاريًا بسعر يبلغ نحو 500 مليون ين ياباني (قرابة 3.4 مليون دولار)، ووزن يصل إلى حوالي 200 كيلوجرام! أي بحجم ثلاجتين صغيرتين!
تؤكد الشركة أن الساعة تتمتع بمستوى استثنائي من الدقة، إذ إن مقدار انحرافها لا يتجاوز ثانية واحدة خلال 10 مليارات سنة! كما أنها أكثر دقة بما يزيد على 100 مرة من الساعات الذرية القائمة على السيزيوم.
ما الذي يجعل الساعات الضوئية أدق من ساعة السيزيوم؟
تعود دقة هذه الساعات إلى المبدأ الفيزيائي الذي تعتمد عليه. في ساعات السيزيوم، والتي كانت وما زالت دقيقة، يُعتَمد على موجات الميكروويف ذات الترددات المنخفضة، أما في الساعات الضوئية، فيكون التردد أعلى بكثير مما يسمح بتقسيم الزمن إلى فواصل أصغر، فمثلًا، إذا كانت الثانية تُقسم إلى 10 أجزاء في الموجات الميكروية، يمكن تقسيمها إلى 100 جزء في الموجات الضوئية، وهذا مجرد مثال لتقريب الصورة، الأرقام الحقيقية أكبر بكثير.
المشكلة أن تحرك الذرات أثناء القياس يؤثر على دقة النتائج نظرًا لما يُعرف بتأثير "انزياح دوبلر" (تُلاحظه في أصوات السيارات التي تمر بجانبك بسرعة)، ولهذا ثبّت العلماء الذرات داخل شبكة تقيد حركتها للحفاظ على التردد المُقاس، وعليه، تُوصَف هذه الساعات بساعات الشبكة الضوئية.
كيف تعمل ساعة الشبكة الضوئية؟
قد لا تهم آلية العمل كثيرين نظرًا لطبيعتها العلمية، لكن على كلٍ؛ تعتمد الساعة على حبس ذرات شديدة البرودة داخل ترتيب منتظم من أشعة الليزر يُعرف بالشبكة الضوئية. هذه الشبكة تُثبّت الذرات في مواقع محددة، ما يقلل حركتها إلى الحد الأدنى ويمنع تأثير انزياح دوبلر الذي تحدثنا عنه.
كما تتيح هذه البنية قياس عدد كبير من الذرات في وقت واحد، بدلًا من الاكتفاء بعدد محدود، وهو ما يحسّن دقة النتائج ويزيد من موثوقيتها.
وتعتمد الساعة على قياس تردد انتقال الإلكترونات بين مستويات الطاقة داخل الذرات المحبوسة. لكن المشكلة أن ضوء الليزر المستخدم في تثبيت الذرات يمكن أن يؤثر بدوره على هذه المستويات ويُحدث تشويشًا في القياس.
لحل ذلك، يُستخدم ما يُعرف بـ "الطول الموجي السحري magic wavelength"، وهو طول موجي محدد يجعل تأثير الضوء متساويًا على حالتي الذرة (الأرضية والمثارة)، بحيث لا يتغير التردد الحقيقي للانتقال.
مستويات الدقة في هذا النوع من الساعات
يتيح قياس آلاف الذرات المحبوسة داخل الشبكة الضوئية عند "الطول الموجي السحري" الوصول إلى دقة في حدود 10 مرفوعة للأس 18، وهذا المستوى يعني أن الخطأ النسبي يكاد يكون معدومًا.
ولتقليل التأثيرات الحرارية، وُضعت الساعة داخلَ درع خاص يحدّ من إشعاع الجسم الأسود، وهو أحد أبرز مصادر التشويش في القياسات الذرية الدقيقة. كما صُمم الجهاز ليقاوم التغيرات البيئية. أما على مستوى الاستقرار، فيقول الباحثون أن دقة الساعة لن تقل عن 10 مرفوعة للأس 17.
اقرأ أيضًا: ليست للياقة فقط.. ساعة ذكية تكشف جزيئات البلاستيك داخل أعضائك (فيديو)
الطرح التجاري للساعة
لم يكن طرح ساعة الشبكة الضوئية تجاريًا ممكنًا دون تقليص حجمها. ففي عام 2020، تعاونت الجهات البحثية لتصغير حجم الجهاز، ونجحوا في تقليل حجمه إلى نحو 920 لترًا بهدف اختباره خارج المختبرات وتحويله إلى جهاز قابل للنقل والتشغيل الميداني.
لاحقًا، استمرت جهود التطوير، وفي عام 2024 تمكن الباحثون من تقليص منظومة الليزر، ونظام التحكم المستخدم في حبس الذرات، إضافة إلى مكونات القياس الطيفي المرتبطة بانتقالات الساعة الذرية.
نتيجة لذلك، انخفض الحجم إلى نحو 250 لترًا، أي ما يقارب ربع الحجم السابق. وهذه النسخة المصغرة هي التي طُرحت تجاريًا تحت اسم "Aether clock OC 020"؛ طُرحت بوزن ثلاجتين تقريبًا وبسعر 3.4 مليون دولار!
لمن هذه الساعة وفيمَ يمكن أن تُستخدم؟
توجَّه هذه الساعة في المقام الأول إلى الجهات البحثية، فبحسب مطوريها، يمكن استخدامها في مراقبة حركة الصفائح الأرضية بدقة تصل إلى مستوى السنتيمتر، وهو ما يمثل تقدمًا مهمًا في علوم الأرض.
كما تتيح رصد التغيرات الرأسية في القشرة الأرضية الناتجة عن النشاط البركاني، وبحسب مدير مختبر الأبحاث في شركة شيمادزو، تملك الساعة إمكانات واعدة في التنبؤ بالزلازل وتطبيقات أخرى.
