كيف تنبأ ستيف جوبز بمستقبل التقنية؟
قدم الراحل ستيف جوبز، المؤسس المشارك لعملاقة التقنية آبل، مجموعة من التنبؤات حول مستقبل التقنية قبل وفاته، والغريب أنه ثبت صحتها إلى حدٍ كبير.
القصة تعود إلى 1 فبراير من عام 1996، عندما أجرى مقابلةً مع مجلة WIRED باح فيها برؤيته لمستقبل التقنية خلال السنوات اللاحقة. وقد عايش بنفسه بعض هذه التغيرات قبل رحيله عام 2011.
توقعات ستيف جوبز لمستقبل التكنولوجيا
أول توقع بارز في هذه المقابلة كان التنبؤ بشيوع الإنترنت، وعلى الرغم من أن الأمر يبدو بديهيًا الآن، فإنه لم يكن كذلك وقتها.
حتى ديسمبر 1996، وهذه الإحصائية وفقًا "لمركز بيو للأبحاث Pew Research Center"، ارتفعت نسبة من قالوا إنهم يُدخِلون الإنترنت في منازلهم من 14% إلى 22%، ففكرة التنبؤ بشيوع الإنترنت في كل مكان بالعالم لم تكن بالبداهة التي قد تعتقدها.
جوبز قال نصًا: "Web dial tone everywhere"، أي أن الوصول إلى الإنترنت سيصبح متاحًا دائمًا وشامل الانتشار، وهذا بناءً على 3 عوامل هي: البساطة، واللامركزية، والتجارة.
أما العامل الأول، فالمقصود به سهولة استخدام الإنترنت وإدخاله إلى أجهزة المستخدمين أيًا كانت مواصفاتها.
والثاني أن الإنترنت لا ولن يمكن احتكاره أو السيطرة عليه بخلاف الحواسيب المكتبية -مثلًا- التي كانت تحت سلطة مايكروسوفت في ذلك الوقت.
أما السبب الثالث والأخير فيتمثل في التوقع الآتي.
التسوق الإلكتروني
من أسباب شيوع الإنترنت كان صعود ظاهرة التسوق الإلكتروني وانتهاء الوساطة بين الشركات والمستهلكين.
مجددًا، عند وضع هذا التنبؤ في سياقه الزمني، سنراه ينم عن رؤية ثاقبة، فأمازون بجلالةِ قدرها دشّنت متجرها الإلكتروني في يوليو 1995، أي قبل مقابلة جوبز بأشهر معدودة، ما يعني أن فشلها كان أمرًا واردًا حالها حال أي مشروعٍ ناشئ.
استطلاع ثانٍ لشركة بيو، أُجري في أكتوبر 1995، أظهر أن 8% فقط من مستخدمي الإنترنت تسوقوا عبره في ذلك الوقت.
إحصائية أخرى يمكنك الحكم على أساسها: في عام 2000، كانت التجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة تمثل 0.8% فقط من إجمالي مبيعات التجزئة في العالم!
إحقاقًا للحق، لم تكن دقة هذا التنبؤ بالتحديد مطلقة، فقد قلل جوبز نسبيًا من صناعة المحتوى والنشر الفردي عمومًا، حيث قال: "It’s more than publishing. It’s commerce"، وفي عبارةٍ أخرى أفاد أن الإنترنت سيكون أقرب إلى "قناة توزيع" منه إلى مساحة ثقافية أو إعلامية تقوم على صناعة المحتوى. هو لم يذكر "صناعة المحتوى" صراحةً، لكن هذا يُفهَم من السياق.
التخزين السحابي
رُغم أن فكرة التخزين السحابي كانت موجودة قبل مقابلة جوبز بسنوات، بل كانت شركة AT&T قد استخدمت مصطلح "السحابة Cloud" عام 1994، فإن جوبز توقع شيوع هذا النوع من التخزين بصورة تدعو إلى الإعجاب.
المؤسس المشارك لآبل لم يستخدم مصطلح "التخزين السحابي" بالطبع، لكنه قال بوضوح ما يفيد بأن المستخدمين في المستقبل قد لا يحتاجون إلى الوحدات التخزينية المعروفة (مثل الهارد ديسك)، موحيًا بأن الحياة الرقمية ستنتقل إلى نماذج التخزين السحابي.
صرح جوبز نصًا: "لم أعد أخزن أي شيء. الآن أستخدم الإيميل والويب كثيرًا، وبفضلهما لم أعد بحاجة لإدارة التخزين".
وهذا جوهر مفهوم التخزين السحابي الذي نعتمد عليه كلنا؛ من خلال جوجل درايف ودروب بوكس وغيرهما من الخدمات المشابهة.
شراء السيارات أونلاين
قال ستيف جوبز في مقابلته مع شبكة WIRED إن من الأفضل تقليل المخزون في معارض السيارات، لأن العميل سيستطيع اختيار مواصفات سيارته ثم طلبها مستقبلًا عبر الإنترنت.
بالنظر لواقعنا الحالي، سنرى أن هذا التوقع تحقق إلى حد كبير، فتسلا مثلًا تتيح لك تصميم السيارة وطلبها أونلاين مباشرة، كما تؤكد في صفحة الدعم الرسمية أن هذه العملية لا تحتاج سوى إلى دقائق.
شركة BMW هي الأخرى تُمكنك -عبر خدمات مثل "Build Your Own" أو "Shop Online"- من اختيار مواصفات سيارتك بنفسك وطلبها أونلاين، وكل هذا أصبح متاحًا لأي شخص يمتلك وصولًا للإنترنت.
توقعات أخرى مثيرة للاهتمام
إلى جانب التوقعات المذكورة، التي تحققت إلى حدٍ كبير، تضمنت المقابلة رؤى أخرى تستحق أن نشاركها معكم، منها:
نهاية عصر الحاسوب المكتبي
قال ستيف جوبز نصًا: "صناعة الحواسيب ماتت The desktop computer is dead".
يمكن أن يُنظَر إلى هذا التصريح من زاويتين؛ الأولى أنه في طريقه للتحقق نظرًا لانتشار الهواتف والحواسيب المحمولة وغيرهما من البدائل، والثانية بخلاف ذلك تمامًا، حيث يزداد الإقبال على الحواسيب المكتبية بسبب القيمة التي تقدمها مقابل السعر.
لكن نعود ونقول؛ الإدلاء بتصريح كهذا عام 1996 هو شيء مثير للإعجاب، وإن كان تحققه من عدمه غير واضح الآن.
المتصفحات لن تكون أداة ربحية، وستكون مجانية للأبد
جميعنا نعرف أن لا شيء مجاني في هذا العالم، وأنك إذا لم تدفع ثمن المنتج ستكون أنت المنتج. لكن فكرة متصفحات الإنترنت كانت ثوريةً في أواخر التسعينيات، وعدم التربح من ورائها لم يكن ليخطر على البال.
لكن هذا التوقع صحيح نسبيًا، فبينما نستخدم جميع المتصفحات تقريبًا بشكل مجاني، تتربح الشركات العملاقة مثل جوجل وغيرها من المتصفحات عبر الإعلانات وبيانات المستخدمين.
لا أحد سيملك الويب
كما ذكرنا، كانت مايكروسوفت في ذلك الوقت تُهيمن على أنظمة تشغيل الحاسوب -حتى الآن- وكانت تستفيد من علاقاتها القوية مع مُصنعي أجهزة الحاسب بحيث تُثبت نظام الويندوز مُسبقًا على أجهزة المستخدمين.
وصلت هيمنة الشركة إلى الحد الذي دفعها إلى محاولة احتكار المتصفح والويب نفسه (باعتراف وزارة العدل الأمريكية)، ونظرًا لمكانتها آنذاك، لم يكن هذا الأمر مستبعدًا.
لكن جوبز كان جيدًا في استشراف المستقبل التقني وقال إن الإنترنت سيكون ملك الجميع وأن أحدًا لن يستطيع السيطرة عليه، وهذا صحيح، جزئيًا! حيث إن الإنترنت مفتوح للجميع ولا يخضع لهيمنة شركة واحدة، لكن لا يمكننا إنكار أنه يخضع لاحتكار مجموعة من الشركات الكبرى مثل جوجل وأمازون وميتا، ولو بشكل نظري.
ختامًا: لم يكن ستيف جوبز رائدًا تقنيًا من فراغ؛ لقد امتلك حدسًا ثاقبًا وتوقع الكثير من الأحداث قبل وقوعها بعشرات الأعوام. صحيحٌ أن بعض نبوءاته لم تُصب، لأنه ببساطة لا يعرف الغيب، لكن يكفي ما تمخضت عنه عبقريته الفذة.
