هل كادت البراكين أن تمحو البشر؟ اكتشاف علمي يغيّر القصة
أوضحت دراسة حديثة أن البشر الأوائل تمكنوا من النجاة من ثوران بركان "توبا" الهائل قبل نحو 74 ألف عام، وهو أحد أعنف الانفجارات البركانية في تاريخ الأرض، وذلك عبر التكيف السريع مع الظروف البيئية القاسية.
نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة Nature، حيث وثّق الباحثون أدلة أثرية نادرة تجمع بين الرماد البركاني وبقايا الحيوانات وأدوات الصيد المتقدمة، لتقدم صورة واضحة عن كيفية مواجهة البشر الأوائل لكارثة طبيعية بهذا الحجم، وتبرز مرونتهم في التكيف مع الظروف القاسية.
أثر ثوران بركان توبا على المجتمعات البشرية
توصل فريق بحثي من جامعة تكساس بأوستن، بقيادة عالم الأنثروبولوجيا جون كابلمن، إلى أن المجتمعات البشرية في موقع "شينفا-ميتيما 1" شمال غرب إثيوبيا لم تنهَر أمام تداعيات ثوران بركان "توبا"، بل تكيفت مع الظروف القاسية عبر تغيير أنماط غذائها وسلوكها اليومي لضمان البقاء.
وأظهر التحليل الجيولوجي وجود شظايا دقيقة من الزجاج البركاني تربط الموقع مباشرة بالانفجار الذي وقع في جزيرة سومطرة، فيما كشفت دراسة كيميائية لقشور بيض النعام عن زيادة ملحوظة في معدلات الجفاف بعد وصول الرماد، ما أدى إلى مواسم أكثر طولاً وقسوة.
هذا التحول المفاجئ فرض ضغطًا بيئيًا شديدًا على السكان، لكنه لم يقضِ عليهم، بل دفعهم إلى ابتكار استراتيجيات جديدة للبقاء.
تحولات النظام الغذائي وتطور تقنيات الصيد
قبل الكارثة، كان النظام الغذائي يعتمد على صيد الظباء والقرود والأسماك.
لكن بعد انكماش الأنهار، ارتفعت نسبة الأسماك في بقايا الطعام من 14% إلى 52%، بينما تراجعت نسبة الحيوانات البرية.
آثار القطع والحرق على العظام أظهرت أن الطعام كان يُحضّر ويُطهى في الموقع باستخدام النار، ما يعكس تكيفًا عمليًا مع الموارد المتاحة.
من بين الأدوات الحجرية المكتشفة، برزت رؤوس مثلثة صغيرة يُرجح أنها كانت تُستخدم كسهام، ما يشير إلى تطور تقنيات الصيد في تلك الفترة.
هذا الابتكار منح الصيادين قدرة أكبر على اصطياد فرائس صغيرة وسريعة، وهو أمر حاسم في ظل ندرة الموارد.
الدراسة أوضحت أن الأنهار الموسمية لم تختفِ تمامًا، بل تحولت إلى برك صغيرة جذبت الحيوانات والناس.
ومع نضوب الموارد في موقع معين، كان السكان ينتقلون إلى برك أخرى، ما خلق سلسلة من التحركات القصيرة على طول مجرى النهر.
هذا النمط يوضح أن الجفاف لم يكن عائقًا للهجرة، بل شكل ممرات ضيقة وموثوقة للبقاء.
