ماذا يبطل صيام الرجل في رمضان؟
الصيام من أجلِّ العبادات وأعظمها شأنًا في الشريعة الإسلامية، إذ يقوم على معنى الإمساك الواعي المنضبط تعبّدًا لله تعالى، مع استحضار النية وصيانة الجوارح عن كل ما يُخلّ بحقيقة هذه العبادة.
وباعتبار الصوم عبادة دقيقة ذات أبعاد تربوية وروحية، حرص الفقهاء على تبيان كل ما يبطله ويضعف أثره، صونًا لحرمة الشهر وتحقيقًا لمقاصده العظيمة.
ما هي مبطلات الصيام المتفق عليها شرعًا؟
اتفق فقهاء الشريعة على أن هناك أفعالًا محددة إذا باشرها الصائم عامدًا مختارًا في نهار رمضان، فإن صومه يفسد ويلزمه القضاء، وقد يترتب على بعضها، فضلًا عن القضاء، الكفارة المغلظة، وذلك بما يترتب على طبيعة الفعل وجسامته. وبحسب ما صدر عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فإن من المبطلات المتفق عليها ما يأتي:
أولًا: الأكل والشرب عمدًا
وهو إدخال الطعام أو الشراب إلى الجوف عن قصدٍ واختيارٍ في نهار الصيام، سواء كان المعتاد من المأكولات والمشروبات أو غير المعتاد مما يُقصد به التغذي أو التلذذ. أما من أكل أو شرب ناسيًا فلا إثم عليه وصومه صحيح؛ لانتفاء العمد.
ثانيًا: الجماع في نهار رمضان
من أعظم المفطرات وأشدها أثرًا، ويقصد به حصول الإيلاج بين الزوجين في نهار الصيام. وقد أجمعت المذاهب على أنه يفسد الصوم ويوجب القضاء، وتلزَم به الكفارة المغلظة (صيام شهرين متتابعين أو إطعام 60 مسكينًا) لما فيه من انتهاكٍ لحرمة الشهر وإخلالٍ بمقصود العبادة.
ثالثًا: الاستمناء عمدًا
وهو تعمد إخراج المني بوسيلةٍ مباشرة كالمسّ أو غيره. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى اعتباره من مبطلات الصوم إذا وقع عن قصد، لأنه في معنى قضاء الشهوة المنافي لحقيقة الإمساك المشروع.
اقرأ أيضًا: رمضان 2026: أطول وأقصر ساعات صيام في العالم
رابعًا: ما كان في معنى الأكل والشرب
ويشمل كل ما يصل إلى الجوف ويقوم مقام التغذية، ولو لم يكن بطريق الفم المعتاد، كإدخال مواد مغذية عبر الأنف إلى المعدة. فالعبرة بوصول ما يُغذّي إلى الجوف على وجهٍ يناقض مقصود الصيام.
خامسًا: القيء عمدًا
وهو تعمد إخراج ما في المعدة، سواء بإدخال إصبع أو باستعمال وسيلةٍ تؤدي إلى التقيؤ. أما من غلبه القيء بغير قصد فلا يفسد صومه؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقضِ".
سادسا: إخراج الدم عمدًا
يُعدّ إخراج الدم بكميات واضحة أثناء الصيام من الأمور التي تُفسد الصوم عند جمهور الفقهاء، سواء كان ذلك عن طريق الحجامة، أو الفصد، أو سحب كميات كبيرة من الدم لغرض علاجي أو غيره.
سابعًا: الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة
فإذا طرأ دم الحيض أو النفاس في أثناء النهار فسد الصوم، ولو كان قبيل الغروب بلحظات، ويلزم القضاء بعد الطهر، وذلك بإجماع العلماء.
خلاصة القول أن هذه المبطلات تدور حول معنى واحد، هو نقض حقيقة الصيام المتمثلة في الإمساك الواعي المتعبد به، ولذلك شددت الشريعة في بعضها ورتبت عليها أحكامًا مغلظة صيانةً لحرمة هذه العبادة العظيمة.
مبطلات الصيام الخاصة بالرجال
الأصل أن الرجال والنساء سواءٌ في أحكام الصيام ومبطلاته، إذ إن الخطاب الشرعي في هذا الباب عامٌّ يشمل المكلَّفين جميعًا من غير تفريق، باستثناء ما اختصت به المرأة من عوارض طبيعية كالحَيض والنفاس، وهما مانعان من الصوم ومفسدان له بحكمٍ مستقل. وما عدا ذلك فإن سائر المبطلات تجري أحكامها على الجميع على حدٍّ سواء.
غير أن بعض صور المفطرات قد يكثر وقوعها في جانب الرجال بحكم غلبة بعض الدوافع، وهو ما يجعل التنبيه إليها في حقهم آكد وأشد حضورًا في الخطاب الفقهي، لا من جهة اختلاف الحكم، وإنما من جهة شيوع الابتلاء بها.
ومن أكثر هذه الصور حدوثًا : الجماع عمدًا في نهار رمضان وما يترتب عليه من أحكامٍ مغلَّظة، وكذلك الاستمناء عمدًا، فضلًا عن الأكل والشرب المتعمدين.
هذه الأفعال، وإن كانت مندرجةً في عموم المبطلات التي تقدّم بيانها، إلا أن غلبة وقوع هذه الصور في جانب الرجال أوجبت مزيدًا من التنبيه عليها، وأكسبتها حضورًا أوسع في المعالجة الفقهية، من حيث البيان والتحذير، دون أن يقتضي ذلك تمييزًا في أصل الحكم.
الفرق بين ما يُبطل الصيام وما يُنقص الأجر
بعد استعراض المبطلات التي يفسد بها الصوم وتترتب عليها أحكام القضاء أو الكفارة، يجدر التنبيه إلى مسألةٍ يلتبس فهمها على بعض الناس؛ إذ قد يظن البعض أن كل معصيةٍ تصدر من الصائم تُبطل صيامه، رغم أن الفقهاء يفرّقون بوضوح بين ما يُفسد الصوم من حيث صحته، وبين ما يُنقص أجره ويُخلّ بكماله دون أن يُبطله.
فما يُبطل الصيام هو ما يُخرج العبادة عن وصفها الشرعي، كالأكل والشرب عمدًا، والجماع، والاستمناء المتعمد، ونحو ذلك مما تقدّم بيانه؛ وهذه الأفعال يترتب عليها فساد الصوم ووجوب القضاء، وقد تجب معها الكفارة في بعض الصور.
أما ما لا يُبطل الصيام مع كونه محرّمًا أو مذمومًا، فهو ما يتصل بسلوك الصائم وأخلاقه، كالسبّ، والغيبة، والشتم، والغضب المنفلت، والرفث، وسائر المعاصي التي قد تقع في نهار رمضان.
هذه الأمور لا تُسقط صحة الصوم من الناحية الفقهية، لكنها تُنقص ثوابه وتُضعف أثره التربوي؛ لأن الصوم في حقيقته ليس امتناعًا عن المفطرات الحسية فحسب، بل هو أيضًا تربية للنفس على ضبط اللسان والجوارح، وصيانة القلب عن الآثام.
وعليه، فإن صحة الصوم شيء، وكمال أجره شيء آخر؛ فقد يصحّ الصوم من حيث الحكم، بينما يتفاوت أجره بحسب ما يلتزمه الصائم من تقوى وانضباط، وهو المعنى الذي تشير إليه النصوص في ربط الصيام بتحقيق التقوى.
أخطاء شائعة يقع فيها الرجال في رمضان
رغم أن الصيام في أصله عبادة يسيرة ومحددة في ضوابطها، إلا أن كثيرًا من الرجال يقعون في أخطاء شائعة لا تبطل الصوم من الناحية الفقهية، لكنها تؤثر على صحته وتقلّل من أجره.
من أبرز هذه الأخطاء، هي الاكتفاء بالامتناع عن الطعام والشراب فقط، دون الانتباه إلى ضبط النفس عن المعاصي والذنوب، وهو ما يفقد الصوم أبعاده التربوية والروحية. فيكثر في بعض الأحيان أذية الناس بالقول أو الفعل، سواء أثناء القيادة أو في التعامل اليومي مع الآخرين، وهذه الأفعال لا تفسد الصوم، لكنها تنقص أجره وتضعف أثره في تهذيب الأخلاق.
ومن الأخطاء الأخرى التي قد يقع فيها الرجال، التركيز المفرط على الطعام والشهوة، بحيث يستهلك التفكير جزءًا كبيرًا من الوقت والجهد، بدلًا من توجيه القلب نحو العبادة والخشوع.
إلى جانب ذلك، ينشغل بعض الأشخاص بما يثقل القلب من المعاصي، كمتابعة ما هو محرم أو الانغماس في اللعب المطوّل أثناء النهار، بدل استثمار الوقت فيما ينفع من الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله.
إدراك هذه الأخطاء الشائعة والحرص على تجنّبها يسهم في رفع كفاءة الصوم، ويجعل رمضان فرصة حقيقية للتهذيب الروحي وضبط النفس، لا مجرد امتناع عن الطعام والشراب.
