أوقات استجابة الدعاء في رمضان: أفضل الأوقات وشروط الإجابة
شهر رمضان الكريم موسم إيماني فريد ينتظره المسلمون كل عام بشوقٍ كبير، ففيه تُفتح أبواب الجنّة، وتصفو القلوب، ويُقبل المسلم على ربّه بقلبٍ خاشعٍ ونفسٍ متطلعة إلى المغفرة والقبول.
ويحتلّ الدعاء منزلةً رفيعة بين القربات والطاعات التي يواظب عليها المسلمون في هذه الأيام المباركة، فإن كان الدعاء عبادة مشروعة في سائر الأوقات، إلا أنّه في أوقات مخصوصة يعظم شأنه، ويكون أشدَّ طلبًا، وأرجى قبولًا.
فضل الدعاء في رمضان
يتحوّل الدعاء في شهر رمضان من عادة يومية إلى مقياس عملي لعلاقة الإنسان بربّه؛ إذ يُظهر ما يحمله قلبه حقًا، وما يحتاج إلى أن يثبّته أو يغيّره في حياته خلال هذا الموسم الذي يتيح له مساحة للتفكير وإعادة ترتيب أولوياته.
وقد أرشد الله سبحانه وتعالى المسلمين إلى الاجتهاد في الدعاء خلال هذا الشهر الكريم، حين ذكر في كتابه العزيز آيةً عظيمة تحث على الدعاء، فقال سبحانه: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ".
وردت هذه الآية بين آيات الصيام الواردة في سورة البقرة، دلالةً على فضل الدعاء خلال الصيام، وتشجيعًا للمسلم على الاجتهاد في مناجاة الله والتضرع إليه. فشهر رمضان ليس شهر الامتناع عن الطعام فحسب، بل هو موسم القرب من الله، وتجديد العهد معه، وبناء صلةٍ لا تنقطع بالدعاء والعبادة.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المقبولين، وأن يرزقنا دعاءً مستجابًا وقلوبًا خاشعة، ويكتب لنا فيه الأجر العظيم والقبول الواسع.
أفضل أوقات استجابة الدعاء في شهر رمضان
أوقات استجابة الدعاء في شهر رمضان المبارك هبات ربانية عظيمة، تتطلّب من المسلم وعيًا وحرصًا على اغتنامها. فالسعيد من ملأ هذه الأوقات بالدعاء الصادق، والرجاء الخالص، واليقين بوعد الله سبحانه وتعالى. وفيما يأتي بيان الأوقات التي يُرجّح كونها أرجى للقبول:
أولًا: وقت الصيام حتى الإفطار
خلال ساعات الصيام يكون القلب أقرب إلى الخشوع والانكسار، ويبلغ الدعاء ذروته قبيل أذان المغرب، حيث تجتمع مشقة الصيام مع صدق التوجّه، فتكون الاستجابة أقرب وأرجى.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم". هذا النصّ يبيّن بوضوح فضل دعاء الصائم قبل الإفطار.
ثانيًا: عند الإفطار
تُعدّ لحظة الفطر من الأوقات التي يُرجى فيها قبول الدعاء؛ لأنها تأتي عقب أداء عبادة شاقة على النفس، فيقترن شكر الله على تمام الصيام برفع الدعاء إليه.
وثبت في الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: "للصائم عند فطره دعوةٌ لا تُردّ". وهو نصّ يدل على أن هذا الوقت يحمل خصوصية لا تتكرر في غيره، وأن الدعاء فيه من المواضع التي ينبغي للصائم أن يحرص عليها.
اقرأ أيضًا: وزارة التعليم تحدد مواعيد التقييم في رمضان
ثالثًا: في جوف الليل
جوف الليل، وبخاصة الثلث الأخير منه، من أوضح الأوقات التي يُرجى فيها قبول الدعاء؛ فقد جاء في الحديث أن الله سبحانه ينزل نزولًا يليق بجلاله فيقول:
"هل من داعٍ فأستجيب له؟".
ويمتاز هذا الزمن بخلوّه من الانشغال وهدوء الساعات المتأخرة، ما يجعل القلب أكثر تركيزًا واستعدادًا للدعاء. ولهذا يحرص المسلمون في رمضان، وبخاصة في العشر الأواخر، على الإكثار من الدعاء في هذا الوقت لما فيه من رجاء عظيم للإجابة.
رابعًا: وقت السَّحر
وقت السَّحر، وهي الفترة التي تسبق الفجر، من أوقات البركة واستجابة الدعاء، ويفتح الله فيه أبواب السماء لعباده الصادقين. وقد أثنى الله سبحانه على المستغفرين فيه بقوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
لذا، يُستحبّ للمسلم أن يجمع في هذا الوقت بين الدعاء والاستغفار والتضرّع إلى الله تعالى.
خامسًا: ليلة القدر
ليلة القدر أعظم ليالي العام، تتضاعف فيها الحسنات وتُستجاب فيها الدعوات أكثر من غيرها. وقد قال الله تعالى في بيان فضلها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
وقد عَلّم النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة رضي الله عنها الدعاء المستحب في هذه الليلة الكريمة وهو: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني".
في تلك الليلة، التي يلتمسها المسلمون في العشر الأواخر من رمضان، فرصة لا تُعوّض لمن أراد المغفرة والقبول، وموعد عظيم لاغتنام رحمة الله وكرمه.
شروط استجابة الدعاء
الدعاء في رمضان من أعظم أبواب القرب إلى الله تعالى ووسائل نيل رضاه، غير أنّ قبول الدعاء ليس أمرًا مطلقًا؛ إذ تحكمه شروط وضوابط ينبغي مراعاتها. ومن أهم هذه الشروط:
- إخلاص الدعاء لله تعالى.
- حضور القلب والنية الصادقة.
- الإلحاح في الدعاء وعدم العجلة.
- عدم التوجه بطلب ما فيه ظلم أو قطيعة رحم.
- تفضيل الأدعية الواردة في القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من جوامع الكلم وقربها من القبول.
- يُستحبّ أن يكون الدعاء خفيًا بين العبد وربه، بعيدًا عن رفع الصوت والرياء.
يسهم الالتزام بهذه الشروط والآداب في جعل الدعاء أقرب إلى الإجابة، وأعظم تأثيرًا في صفاء النفس وسكينة الروح، ويقوى رجاء العبد في فضل الله ولطفه.
