زمن يُقدَّر بالملايين: مزاد سوذبيز يؤكّد سطوة الساعات الراقية
شهد موسم مزادات الساعات لدى Sotheby’s حدثًا استثنائيًا، بعدما بلغت حصيلة المبيعات الإجمالية نحو 48.85 مليون دولار، في واحدة من أقوى النتائج التي يسجلها سوق الساعات الفاخرة في السنوات الأخيرة. هذا الرقم لا يعكس فقط شهية جامعي الساعات، بل يؤكد مجددًا أن الساعات النادرة لم تعد مجرد أدوات لقياس الوقت، بل أصول ثقافية واستثمارية تتقاطع فيها الحِرفية العالية مع التاريخ والقيمة المالية طويلة الأمد.
مزاد سوذبيز للساعات
الحدث الأبرز في هذا الموسم كان بيع ساعة الجيب الأسطورية Audemars Piguet “Grosse Pièce” مقابل 7.7 مليون دولار، لتصبح واحدة من أغلى ساعات الجيب التي تم بيعها في مزاد عالمي. هذه الصفقة لم تكن مفاجأة للمتابعين المتخصصين، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التقدير المتزايد للساعات التاريخية فائقة التعقيد.
لماذا ترتفع قيمة الساعات الفاخرة في المزادات؟
هناك ثلاثة عوامل رئيسية تفسر هذا الارتفاع اللافت في أسعار الساعات خلال المزادات العالمية.
أولاً: الندرة المطلقة
الساعات التي تحقق أرقامًا قياسية غالبًا ما تكون قطعًأ فريدة أو أنتجت بأعداد محدودة جدًا. في عالم الساعات الراقية، الندرة لا تعني فقط قلة العدد، بل أيضًا صعوبة إعادة إنتاج القطعة نفسها، سواء بسبب تقنيات صناعتها أو المواد المستخدمة أو تعقيد آلياتها.
ثانيًا: التاريخ والهوية
كل ساعة نادرة تحمل قصة. قد تكون مرتبطة بمرحلة مفصلية في تطور صناعة الساعات، أو تمثل قفزة تقنية غير مسبوقة، أو تعكس ذروة إبداع دار معينة. هذا البعد التاريخي يمنح الساعة قيمة تتجاوز المعدن والآلية، لتصبح وثيقة زمنية يمكن ارتداؤها أو حفظها.
ثالثًا: التحول إلى أداة استثمار
خلال العقد الأخير، بدأت الساعات الفاخرة تدخل بقوة ضمن فئة الأصول البديلة، إلى جانب الفن والسيارات الكلاسيكية. بالنسبة لكثير من المستثمرين، الساعة النادرة تمثل مزيجًا مثاليًا بين الجمال والقيمة المالية، خصوصًا في ظل تقلبات الأسواق التقليدية.
“Grosse Pièce”: ساعة جيب تتجاوز الزمن
ساعة الجيب Grosse Pièce من Audemars Piguet تُعد مثالاً نموذجيًا على كل ما سبق. هذه القطعة ليست مجرد ساعة جيب فاخرة، بل عمل ميكانيكي بالغ التعقيد، يجمع بين عدد كبير من الوظائف والتعقيدات التي كانت، في وقت صنعها، قمة ما وصلت إليه الهندسة الساعاتية.
تضم الساعة تعقيدات متعددة مثل التقويمات المتقدمة وآليات دقيقة تتطلب مستوى استثنائيًا من المهارة والخبرة. إنتاج مثل هذه القطعة استغرق سنوات من العمل، ما يجعل وجودها اليوم نادرًا للغاية. لهذا السبب، لم يكن سعر 7.7 مليون دولار مجرد رقم، بل تعبير عن إدراك جامعي الساعات لقيمتها التاريخية والفنية.
اقرأ أيضًا: تحف ميكانيكية تحتضن الزمن… وساعات تُهدي اللحظات قيمة لا تزول
المزادات كمقياس للذوق العالمي
نتائج هذا الموسم من مزادات سوذبيز تعكس أيضاً تحولاً في ذوق جامعي الساعات. فبدلاً من التركيز فقط على الساعات الحديثة أو ذات الطابع الرياضي، عاد الاهتمام بقوة إلى القطع الكلاسيكية وساعات الجيب والتصاميم التاريخية التي تبرز الحِرفية التقليدية.
هذا التوجه يشير إلى نضج أكبر في سوق الجمع، بحيث يبحث المشترون عن القطع التي تمتلك عمقًا ثقافيًا وتاريخيًا، لا مجرد شهرة عابرة. كما يبرز الدور المتنامي للمزادات الكبرى في توجيه هذا الذوق، عبر تسليط الضوء على قطع استثنائية وتقديمها ضمن سياق ثقافي وفني متكامل.
الساعات الفاخرة بين الفن والمال
ما يميز الساعات الفاخرة، مقارنة بغيرها من فئات الرفاهية، هو قدرتها على الجمع بين الدقة العلمية والجمال الفني. كل ترس، وكل نابض، وكل نقش يدوي هو نتيجة توازن دقيق بين الهندسة والإبداع. لهذا السبب، ينظر كثيرون إلى هذه الساعات بوصفها أعمالاً فنية ميكانيكية، لا تقل قيمة عن اللوحات أو المنحوتات.
في مزادات مثل هذه، يصبح السعر انعكاسًا لهذا الإدراك الجماعي. الرقم القياسي لا يعبّر فقط عن قوة الطلب، بل عن احترام عميق للحِرفة والزمن الذي تطلبه صنع هذه القطع.
