الإنفلونسر المالي بين الإلهام والخطر: هل تهدد نصائح الإنترنت استثماراتك؟
خلال العقد الأخير، ظهر جيل جديد من صانعي المحتوى يُعرف بـ"الإنفلونسر المالي" أو Finfluencer، يقدم معلومات اقتصادية وشروحات مبسّطة حول الأسهم والعملات الرقمية وفرص الاستثمار للشباب، بدلا من المحتوى الترفيهي التقليدي.
ومع تصاعد شعبيتهم، تحوّلت حساباتهم على يوتيوب وإنستغرام وتيك توك إلى "منصات مالية موازية" تحظى بمتابعة تفوق أحيانًا القنوات الاقتصادية التقليدية.
بات الكثير من الشباب يعتمد على هؤلاء المؤثرين كمصدر رئيسي للمعلومة المالية، متجاوزًا المؤسسات المصرفية والمستشارين، ما يجعلهم فاعلين حقيقيين في صياغة توجهات الاستثمار الفردي والجماعي، ومثالاً على التحوّل في العلاقة بين المعرفة والسلطة الاقتصادية في زمن المنصات الرقمية.
ما هي ظاهرة الإنفلونسر الاقتصادي؟
في السنوات الأخيرة، ظهر جيل جديد من المؤثرين يُعرف بـ"الإنفلونسر المالي" (Finfluencer)، يقدم نصائح حول الأسهم والعملات الرقمية والثراء السريع بلغة بسيطة تجذب الشباب عبر يوتيوب وإنستغرام وتيك توك.
وتشير دراسة لجامعة Northeastern إلى أن كثيرًا من الشباب يعتمدون على هذه الحسابات كمصدر رئيس للمعلومات المالية، متجاوزين البنوك والمستشارين التقليديين.
هذا التحوّل جعل الإنفلونسر المالي شخصية محورية في توجيه قرارات الاستثمار الفردية وروح المبادرة بين رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الناشئة.
لماذا ينجذب الشباب لنصائح المؤثرين؟
يتفاعل الشباب بشكل لافت مع المؤثرين الماليين، إذ يجدون فيهم صورة تعكس هويتهم وتطلعاتهم. يستخدم هؤلاء المؤثرون لغة قريبة من الشباب ويشاركون تجارب شخصية تجعل الثراء يبدو ممكنًا.
وأظهرت دراسة "تأثير صدق وثقة المؤثرين الماليين على نية الاستثمار لدى جيل Z" (فيتنام 2025) أن الثقة تعتمد أكثر على الإحساس بالألفة والصدق وتكرار الظهور على الشاشة، وليس على المؤهلات المهنية.
كما تلعب مشاعر مثل الخوف من فقدان الفرصة وحب المجازفة دورًا مهمًا في دفع الشباب لتبنّي نصائحهم، خاصة حين تُقدّم بأسلوب يشبه حديث الأصدقاء أكثر من التقارير المالية التقليدية.
بين التوعية المالية الحقيقية والمحتوى الترويجي
ليس كل المحتوى المالي على وسائل التواصل الاجتماعي مضللاً، فبعض المؤثرين يقدمون معلومات تثقيفية تعزز الوعي بالادخار والاستثمار طويل الأجل وإدارة المخاطر.
ومع ذلك، تحذر تقارير مهنية من أن جزءًا كبيرًا من هذا المحتوى يروّج لمنتجات استثمارية أو منصات تداول مدفوعة، أحيانًا من دون توضيح كافٍ لطبيعة الإعلان أو مستوى المخاطر.
تتميز التوعية المالية الحقيقية بالحياد والتركيز على المخاطر قبل العوائد، بينما يركز المحتوى الترويجي على الأرباح السريعة وقصص الثراء المفاجئ.
وأظهرت دراسة Capital One في المملكة المتحدة (2024) أن 74% ممن اعتمدوا على نصائح مالية عبر وسائل التواصل الاجتماعي واجهوا نتائج سلبية، مثل خسارة الأموال أو ضرر في سجلهم الائتماني.
اقرأ أيضًا: ماذا فعلت "أوبن إيه آي" بعمالقة التكنولوجيا؟
كيف تُدمّر النصائح السطحية المحافظ الاستثمارية؟
تكمن المشكلة في أن نصائح المؤثرين غالبًا ما تُقدّم عبر مقاطع قصيرة، مما يحدّ من توضيح السياق وملاءمة الاستثمارات لكل فرد، ويؤدي إلى اعتماد المتابعين على وصفات جاهزة دون دراسة كافية.
وتشير تقارير أوروبية ودراسة بريطانية من Positive Wealth Creation إلى أن نحو ثلاثة أرباع من اتبعوا هذه النصائح واجهوا خسائر أو آثارًا سلبية، سواء في قيمة استثماراتهم أو سجلهم الائتماني.
مخاطر الإعلانات المقنّعة
تُعد الإعلانات المقنّعة من أخطر تأثيرات الإنفلونسر الاقتصادي، بحيث يروّج المؤثرون لمشاريع أو منصات تداول على أنها "فرص ذهبية" من دون الإفصاح عن حصولهم على أجر.
وتحذر الهيئات التنظيمية من أن كثيرًا من هذه المنتجات، مثل المشتقات أو العملات المشفرة المتقلبة، قد تكون معقدة ويصعب على المستثمرين الشباب فهمها، مما يعرضهم لخطر خسارة رأس المال.
وتشير IOSCO في تقريرها (مايو 2025) إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت قناة رئيسية لاستهداف ضحايا الاحتيال الاستثماري، مستغلة ثقة المتابعين في المؤثرين أكثر من ثقتهم في المؤسسات المالية التقليدية.
دور الخوارزميات في تضخيم التضليل المالي
تم تصميم خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي لزيادة التفاعل ووقت التصفح، ما يفضّل المحتوى العاطفي والمثير على حساب الدقة والفائدة.
وتشير الدراسات إلى أن المستخدمين الذين يتابعون مقاطع فيديو استثمارية مثيرة يتلقون مزيدًا من المحتوى المشابه، ما يخلق "فقاعة معلوماتية" تعزز قناعاتهم وتقلل قدرتهم على استيعاب الآراء المخالفة.
كما توضح مراجعة أكاديمية نشرها ستيفن لي ميرز اعتمادًا على تقرير Integrity Institute أن هذا التخصيص الخوارزمي يسهم في انتشار المعلومات المضللة والوعود غير الواقعية بالعوائد، مهيئًا بيئة لاتخاذ قرارات استثمارية غير سليمة.
اقرأ أيضًا: ليس المال.. السبب الرئيسي الذي جعل راي داليو يتفوق في عالم الاستثمار
خطوات عملية لحماية المدخرات
لحماية المدخرات، ينصح خبراء الاستثمار الشباب باتباع قواعد تجمع بين الانضباط المالي والوعي بالمخاطر، منها:
بناء ثقافة مالية من مصادر موثوقة قبل التعامل مع منتجات استثمارية معقدة.
التأكد من مؤهلات من يقدم النصيحة وعدم الاعتماد على شهرة المؤثر فقط.
تجنّب استثمار مبالغ لا يمكن تحمل خسارتها، خصوصًا في الأصول عالية المخاطر.
تنويع المحفظة وعدم وضع الادخار في توصية واحدة.
وضع خطة استثمارية واضحة مرتبطة بالأهداف والأفق الزمني، بعيدًا من الترندات.
التروي قبل اتخاذ القرار، البحث والمقارنة واستشارة مختص مرخّص.
اعتبار محتوى المؤثر مجرد مدخل للمعلومة، مع تحمّل مسؤولية القرار الشخصي.
