You are here

×

أسرار التدخين في لغة الجسد والجمال

 د.جهان- عبد القادر:

التدخين إشارة وحركة خارجية تدلّان على اضطراب او صراع داخلي. يعتقد الكثير بأن التدخين هو ادمان الانسان للنيكوتين فقط، بينما هو عادة سيّئة ليست لها اية اهمية، فهي حاجة الى الطمأنينة وتخفيف التوتر النفسي المتراكم من ضغوط العمل والمواجهات الاجتماعية والاضطرابات النفسية.

حديثاً ظهرت دراسات تدلّل على وجود علاقة واضحة بين رضاعة الطفل من ثدي أمه ورضاعته اصطناعياً، وبين احتمال ان يصبح مدخّناً بعد سنّ البلوغ؛ فالدراسة أوضحت أن الرضّع الذين كانوا يعتمدون بشكل كبير على الحليب الاصطناعي يمثلون النسبة العظمى من المدخّنين البالغين بشراهة، يرجع ذلك إلى ان الاطفال الذين يرضعون من اثداء امهاتهم يتلقون قدراً كبيراً من الراحة والارتباط والأمان أكثر من الذين يحصلون عليه من زجاجات الحليب الاصطناعي، وهذا يعني ان الشخص المدخّن مازال يبحث عن الراحة والامان عن طريق استعمال السجائر، بسبب عدم وجود الاستقرار والطمأنينة مهما كانت انواعهما.

 وأكدت الدراسة ان نسبة رضّع الزجاجات، تزيد بثلاثة أضعاف على الرضّع من أثداء أمّهاتهم. ولكنها مجرد دراسات.

اذا نظرنا إلى حياتنا العملية لوجدنا ان للتدخين نوعين اساسيين: الاول مدمنو التدخين الفعليون، والثاني: التدخين الاجتماعي المرتبط بالمناسبات والطقوس الاجتماعية، حيث ثبت علمياً أن الانفاس الصغيرة السريعة من السيجارة، تحفّز المخّ لتمنحه مستوى اعلى من الوعي واليقظة، في حين ان الانفاس الطويلة العميقة البطيئة، تعمل كعقار مسكّن. مدمنو التدخين الفعليون يعتمدون على الآثار المسكنة للنيكوتين، كي يستطيعوا التعامل مع الضغط والتوتر، سواء كانا مكتسبَيْن من البيئة او جذرييْن مرتبطيْن بالحالة النفسية. امّا التدخين الاجتماعي ذو الطقوس الملفّقة، فهو إيماءة مزيّفة، لخلق انطباعات معيّنة لدى الآخرين، يتبع طقوساً اجتماعية مرتبطة بلغات جسدية قد تكون حقيقية وقد تكون خادعة.

ولضرب مثل عن تحليل الحالة النفسية للمدخن وتقييمها، فالمدخن الايجابي في مشاعره، والواثق بما هو أمامه ومحيط به، ينفث الدخان بالاتجاه الاعلى من جسده، وعلى النقيض من ذلك، فالشخص الذي يعاني حالة سلبية واضطراباً وارتباكاً في حالة معيّنة، ومتكتّم لظروف وأسباب معيّنة، أوربّما يشعر بالخوف والتحفظ التام، فإنه ينفث الدخان إلى الأسفل معظم الوقت، كما في الافلام السينمائية. كيف يظهر رئيس العصابة ذو الشخصية العدوانية المتسلطة، وهو يمسك السيجارة و يدخّن بالاتجاه العلوي، بينما يمسك السجين أو الصبيّ سيجارته معكوسة في يده، وينفخ الدخان إلى الأسفل، من جانب فمه، وهو يفكر في خطة اجرامية جديدة. وهذه تحسب كعلاقة جسدية مرتبطة بين مدى شعور المدخّن بالايجابية او السلبية، وتكون احياناً مرتبطة بسرعة تنفّس الدخان.

هنالك بعض المدخّنين من هو محنّك ويستخدم هذه الايحاءات من اجل خدمة اهدافه الخاصّة، وسيلةً لعدم اظهار اي اشارات جسدية قد تفضح نيّاته، فتستخدم وسيلةً مضلّلة لخداع الآخرين. فهنالك دراسة اخرى اجراها آلان وباربارا بييز على عادات بعض المدخنين عام 1978، اظهرت ان المدخّنين يستغرقون وقتاً اطول كثيراً من غيرهم، للتواصل في المفاوضات، وأنه يتم اداء طقس التدخين عمداً، خلال لحظات التفاوض المشحونة بالتوتر، ليفوزوا بالقرار الايجابي لمصلحتهم، عن طريق تضليل الآخرين، وتحويل انتباههم للتدخين (كما يحصل في صالات لعب القمار)، لذلك ...اذا كنت تريد قراراً سريعأ وحاسماً من شخص مدخّن، فتفاوض معه في غرفة تحتوي لافتةً كبيرة تقول: ممنوع التدخين.

اما عمّا تفعله هذه السيجارة في تحطيم جمال الجسد، بعد تلخيص علاقتها بلغته، فهي عدوّه الاول، كما يعرف الجميع، على ما تسبّبه من امراض داخلية، مثل سرطان الرئة وأمراض القلب وتصلّب الشرايين، وتأثير النيكوتين في الجروح، وغيرها من امور صحيّة. ولكن ماذا عن حدة تأثيره في الجسد الخارجي والمسارعة في تغيّرات الشيخوخة المبكرة؟ إذ إنّ ما لا يعرفه كثُر، هو ارتباط التدخين وأضراره على الشعر والتأثير في شيبه المبكر، حيث تدمّر العناصر السامّة في دخان التبغ الحمضَ النووي لبويصلات الشعر والأوعية الدموية الصغيرة التي تغذّي الشعر والجلد، ممّا يعجّل في الشيخوخة المؤثرة في نوعية ملمس الشعرة والعبث في اطرافها، وتؤثر في كمية سقوط الشعر، حيث تتكوّن الشعرة من مادة البروتين الذي يسمّى الكيراتين، ويساعد التدخين على اضطرابات وتشويه في عمد الشعرة، قد تكون احياناً نتيجة ضغوط نفسية ايضاً.

فلو قدّر الانسان اهمية ما وهبه الله من نعم جميلة يتزيّن بها، ما اهلك نفسه بسموم يعتقد بأنها متع، وما هي الا عدوّ له.  ولكم اجمل ما قال مارتن لوثر في القرن السادس عشر "الشعر أرقى حُلي المرأة".

اما عن الجلد الذي يعدّ اكبر عضو في الانسان، فهو اكثر عرضة لشيخوخة مبكرة مع التدخين والكحوليات، حيث يحدث التدخين تلفاً لخلايا الجلد، خاصة عند النساء، لأنه يستنفد الاستروجين، ممّا يعجّل بشيخوخة مبكرة وانقطاع الطمث وازدياد نسبة التجاعيد في جميع اجزاء الوجه واليدين ايضاً، مما يجعل شكلهما قبيحاً، بالاضافة الى ترهّلات الجفون المبكرة والتجاعيد المحيطة بالعينين.

وكما قالت الرسالة الرابعة والخمسون من رسائل سانت جيروم الحكيم اليوناني الذي عاش في القرنين الرابع والخامس: "الوجه مرآة العقل، والعينان دون الكلام تنمّان عن أسرار القلب".

فكيف لنا ان نحطّم العقل ونمحو أسرار القلب بسجائرنا!

امّا عن الشفاه والافواه، فهي اكثر ما يتضرّر من التدخين عند المرأة اكثر من الرجل، فهي الحاسة الاهمّ عند الانسان في وسائل نيل المتع الحسية، ابتداءً بالرضاعة، مروراً بالشراب والطعام والتذوّق والتقبيل، والأهمّ التحكم في نطق الكلمات وإصدار الاصوات التي تكاد تكون مسحوقة مع التدخين، فأصواتنا هي ارواحنا، وغالباً ما تكون الخشونة الزائدة للصوت، دلالة أكيدة على التدخين، سواء بالنسبة للرجل أوالمرأة؛ فالتدخين يشوّه الأحبال الصوتية مسبّباً انتفاخاً قد يتطوّر إلى أمراض قد تكون خبيثة في المستقبل، ويرتبط بذلك أن التدخين يؤدّي الى فقدان حاسّة الشمّ ايضاً.

وترجع ثقافة اهتمام البشر بأفواههم الى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، دوّنت في كل الاساطير والنقوش السومرية والفرعونية، وحتى الصينية القديمة، وما يفعله التدخين في جوف الفم وخارجه مأساة كبيرة لا يعرفها المرء حتّى يصل إلى النهايات، ابتداءً بالروائح الكريهة، مروراً بتلف الاسنان، وتقرّحات اللثة من الداخل، وشيخوخة الشفتين من الخارج، حيث يعمل على تقلّص حجم الشفتين وازرقاقهما وجفافهما، وتقطيعهما. وكم أرى حالاتٍ في العيادة من شكاوى السيّدات من خطوط التجاعيد الرفيعة المحيطة بالفم! وكم من الصعب علاجها، مهما توافرت اجهزة الليزر الحديثة وحقن التعبئة الدقيقة! وفي هذه الحالات تصبح كتلة الكولاجين الطبيعية في الشفتين، قليلة مؤدية إلى الضمور.

هل يعرف الانسان حقيقة مهمة، وهي انه "يعطي احمرار الشفتين وامتلاؤهما جاذبية في الوجه، في كثير من  الثقافات، حيث تعدّ الشفتان ذاتا اللون الطبيعي والمنتفختان دلالةً على الجمال الطبيعي الكبير، والتمتّع بالخصوبة المميّزة"؟

فلماذا يستهلك بعضنا هذه النعم بعادات مهلكة؟ ولا أريد المقارنة بين ما نمارسه في عياداتنا - نحن الأطباء وإخصائيي التجميل - من تصليح وترميم لتجاعيد البشرة والوجه واليدين والشفتين، وبين الفنان العريق ليوناردو دافينشي. ولكن كي أنهي رسالتي هذه، أودّ ان اذكر انه استغرق عشرة اعوام في رسم شفتي الموناليزا.

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

التعليقات

أضف تعليق