مونشاو: الحياة بنكهة الريف الألماني.. "الرجل" كانت هناك
سياحة 13 يناير 2014
ألمانيا: مايا مشلب
أتحلم بشارع قديم تمشي وسطه بخطوات بطيئة تسترجع معها الهدوء والسكينة؟ أو بمنطقة تتوسط الطبيعة وبعيدة عن صخب الحياة، لكنها مفعمة بالتراث واماكن الجذب الثقافية وبدفء الاستقبال؟ أوربّما تبحث عن مكان تكاد تتلاصق فيه المقاهي والمطاعم التي تتنافس على تقديم الأشهى من الاطباق الألمانية أو العالمية، إنّما من دون أن تعلن تنافسها بنادل يقف خارجاً أو بقائمات تعترض الشارع، ومن دون أن يزدحم المكان بمئات السياح كما في باريس؟
إذا كنت تنشد كل هذا، فتوجه اذا الى منطقة مونشاو في شمال غربي ألمانيا. هذا العنوان ليس في متناول الجميع. جبل قد ترغب في أن تنسى طريق الخروج منه، ذلك ان الاخضر الذي يسود المكان كفيل بجعلك تتخلص من كل ما تعانيه من ضغط نفسي وتعب وتشنج. وتحلّ بشيء من روح المغامرة، فلا تدع برد الشتاء القارس الذي تشتهر به أوروبا أن يمنعك من التجول في المكان، لأن درجات الحرارة المنخفضة تعدّ جزءاً من ذاك الرونق الجذاب الذي يزنّر الارجاء. وحين تصبح قدرتك على تحمل البرد متدنية أيضاً، فالحلّ في انتظارك في أحد تلك المقاهي الصغيرة التي تتقن فن الحلويات والمشروبات الساخنة، خصوصاً شراب الشوكولا الذي يتوافر بأنواع متعددة وبنكهات كثيرة بعضها ممزوج بالفاكهة. تجربة حاول الا تفوّتها.
المنزل الأحمر
حين تقصد المكان، لا بد من التوجه الى "المنزل الاحمر" الذي شيّده في عام 1752، الالماني جوهان هاينريتششايبلر صانع الملابس وأحد كبار التجار آنذاك. وكان هذا المنزل الشاسع منزله ومكان عمله. وقد أثّـثه بالكامل وفق أساليب روكوكو ولويس السادس عشر وحقبة الامبراطورية، ممّا يجسد بشكل واضح الروقي الذي يتحلى به من ينتمون الى الطبقة العليا من الفئة المتوسطة.
واللافت في هذا البيت القديم هو تلك السلالم الداخلية الخشبية،المشهورة عالمياً، ذلك انها تمتد على ثلاث طبقات على نحو حلزوني وهي مثبتة بشكل ذاتي. كما انها مزيّنة بإحدى عشرة صورة تظهر المراحل المختلفة لصناعة الملابس. وفي المكتب القديم، هناك كتابان قديمان جداً يحتويان على 6 آلاف تصميم تبرز مدى ريادة منتجات شايبلروانتشارها في كل أنحاء أوروبا في تلك الحقبة.
قهوةبمذاق مختلف.. وتراث في كل الأرجاء
حين تشعر بالحاجة الى ارتشاف فنجان قهوة، حاول ألا تفوّت عليك زيارة محمصة فيلهيلمماسن التي أسسها في عام 1862 الجد الاكبر للأخوين ماسن اللذين يديران المحمصة حالياً. في هذا المكان، تتوافر أنواع متعددة وبنكهات متنوعة لأجواد أنواع البن، إذ يحرص أصحابها على الحفاظ على الارث العريق لهذا المكانالدافئ.
وللغوص أكثر في التاريخ، يمكن التوجه الى "المتحف الابيض للطباعة" حيث يمكن التعرف بشكل سريع الى تاريخ الطباعة في هذه المنطقة، ذلك ان المتحف يشمل تفسيرات لبعض التقنيات التي استخدمها الالماني جوهانسغوتنبرغ حين بنى اول مطبعة قبل 550 عاماً!
اما إن كنت من هواة السينما وفن التصوير الفوتوغرافي، فعليك التوجه الى متحف "أيفل" المتخصّص بالتصوير والافلام. في هذا المكان، عمل فولفغانغ غايزل على عرض اجمل الصور التاريخية لمونشاو التي التقطها أو تلك التي جمعها وتعود الى عصر الامبراطورية الالمانية.
تشتهر مونشاو أيضا بألفي عام من صناعة الزجاج. وقد رسّخت هذا الفن في محترف يزوره السياح للتعرف الى تطوّر هذا الاسلوب الفني الزخرفي على امتداد القرون الفائتة. من زجاجيات وصحون الى أوانٍ ومزهريات وسواها من القطع الفنية التي يمكن مشاهدة صَهرها مباشرة.
واللافت أن هذه المدينة ترسّخ صناعتها مهما كانت صغيرة، فهي مثلاً لاتزال تحافظ على محترف لصنع الخردل يديره حالياً الجيل الخامس من العائلة المالكة، منذ نحو مئة عام. وفي هذا المكان يمكن التعرف الى 18 نوعاً من نكهات الخردل.
قصر مونشاو
يُعتقَد ان هذا القصر قد شيد في القرن الثالث عشر لكنه خضع لعملية توسيع وتعزيز بإضافة جدران دعم في القرن الرابع عشر. وقد شهد العديد من الغزوات الى ان سيطر عليه الفرنسيون قبل ان يعيدوا بيعه. وقد هُدِّم جزء منه، إنما عمل الألمان على ترميمه. أما اليوم وفي كل صيف، فيستضيف هذا القصر في إحدى قاعاته الرائعة، سلسلة عروض كلاسيكية لفنانين معروفين وفرق أوركسترا وأوبرا رفيعة المستوى تعيد بث الحياة في هذا المكان الذي يعيش أبداً!
