«البوبح» في حوار مع «الرجل»: أنا صانع أفكار.. والمحلية أهم عندي من العالمية
بين أحمد الذي يبدع بعيدًا عن الأضواء، و«البوبح» الذي يعرفه الجمهور، لا نتحدث عن شخصيتين بقدر ما نقترب من صوت واحد وجد في التصميم وسيلةً ليمنح أفكاره حضورًا أوسع.
من بداياته مع «فوتوشوب» إلى أعمال تستلهم الهوية السعودية وتحوّل تفاصيلها إلى منتجات تحمل قصة، ظلّ السؤال الذي يقوده أكبر من شكل القطعة: ما الفكرة التي تستحق أن تُرى؟
في هذا الحوار نتحدث مع أحمد عبدالوهاب عن الرحلة خلف الشخصية، والعلاقة بين الفكرة والتصميم والهوية، وحدود الجرأة ومسؤولية الظهور، ومستقبل الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي؛ حوارٌ عن الأشياء التي نصنعها، والمعاني التي نضعها فيها، وما نأمل أن يبقى منها.
بين أحمد والبوبح
أهلًا بك أحمد عبدالوهاب، أو «البوبح». ما الفرق بين أحمد الإنسان و«البوبح» الشخصية التي صنعتها؟ ومتى شعرتَ أن هذه الشخصية أصبحت ضرورية لإيصال أفكارك؟
لا أرى الأمر تقصيرًا من أحمد، لكن أفكاري صارت تحتاج إلى صوت يوصلها وشخصية تُظهرها. وقد أعطى البوبح الجانبَ الجريء مني مساحة أكبر.
هل صنعتَ «البوبح» ليعبّر عنك، أم أصبح مع الوقت شخصيةً لها قراراتها وطريقتها؟ وهل حدث أن قال شيئًا لم تكن لتقوله بالطريقة نفسها؟
صنعتُه ليعبّر عني، ومع الوقت صار له أسلوب يعرفه الناس ويتوقعونه، وهذا يؤثر في طريقة تقديمي لنفسي. ويظهر الفرق في جرأة التعبير ونبرته؛ فالبوبح يقول الفكرة بصوت أعلى. لكن الاسم لا يعفيني من مسؤولية كلامي، ولا أستخدمه عذرًا لأي خطأ؛ فالقرارات قرارات أحمد، والمسؤولية عليه بالكامل.
أين تنتهي شخصية البوبح ويبدأ أحمد عبدالوهاب؟ وهل تستطيع الظهور أمام الناس اليوم من دونها؟
الحدود متداخلة، أنا واحد، لكن البوبح هو الجانب الذي يراه الجمهور، وأحمد هو الإنسان بكل ما يحدث قبل الظهور وبعده، بحماسه وحساسيته وتردده أيضًا؛ وأنا في هذه المقابلة بوبح وأحمد في الوقت نفسه، وأستطيع الظهور من دونها؛ قد أكون أهدأ وأقل اندفاعًا، لكنني الشخص نفسه، فقد أخذ البوبح صفاتٍ موجودة فيّ أصلًا ومنحها حضورًا أوضح.
يواجه البوبح النقد والهجوم مباشرة، بينما يتأثر أحمد بالكلام الإيجابي والسلبي. كيف تحمي الإنسان خلف الشخصية من أثر ما يحدث حولها؟
أحاول أن أفصل بين قيمة العمل وقيمتي بوصفي إنسانًا. قد لا ينجح تصميمي، وقد لا يعجب أحدًا، وهذا يحتاج إلى فهم ومراجعة. أما تحويل كل تعليق إلى حكم على نفسي فأحاول ألا أقع فيه، فلديّ أيضًا أعمال كثيرة ناجحة.
من منهما أثّر في الآخر أكثر: أحمد الذي صنع البوبح، أم البوبح الذي صنع لأحمد مكانًا في ذاكرة الناس؟
التأثير متبادل. أحمد يمدّ البوبح بالأفكار والتجربة، والبوبح يفتح لأحمد أبوابًا وفرصًا وعلاقات جديدة. وأحرص على أن يبقى لديّ ما أقوله مهما كبر حضوري، وأن أتذكر دائمًا من أين بدأت.
الرحلة: من الفوتوشوب إلى صناعة الأفكار
بدأتَ رحلتك من «فوتوشوب» ثم انتقلتَ إلى التصميم والصحافة والمحتوى واليوتيوب قبل العودة إلى التصميم. كيف أسهمت هذه التجارب المختلفة في تشكيل أحمد الذي نراه اليوم؟
كنت أبحث عن طريقة أوصل بها كل ما يدور في رأسي. فأحيانًا تخدم الصورةُ الفكرةَ، وأحيانًا الكلام أو الفيديو، وأحيانًا تحتاج الفكرة إلى أن تصبح قطعة تمسكها بيدك، منتجًا أو تحفة فاخرة. وأراها تجربة تراكمية؛ فالتصميم درّب عيني، والمحتوى درّبني على بناء الحكاية، والظهور عرّفني بطريقة استقبال الجمهور، واليوم أحتاج إلى هذه الأشياء كلها معًا.
ماذا أعطاك العمل في المحتوى والإعلام والظهور أمام الكاميرا مما لم تكن لتتعلمه في دراسة التصميم؟
علّمني الانتباه إلى المتلقي: ماذا يعرف؟ وما الذي يشدّه؟ وأين يمكن أن أفقد اهتمامه؟ فوضوح الفكرة في رأسي لا يعني بالضرورة أنها وصلت إلى الناس بالوضوح نفسه، فقد يفهمها كل شخص بطريقته. أما الكاميرا فتدرّبك على تقديم نفسك وأفكارك، وتكشف لك الفرق بين الصورة التي تتخيلها عن نفسك والصورة التي تصل إلى الآخرين، وهذا ساعدني لاحقًا في صناعة «البوبح».
متى أدركتَ أن فكرتك قد تكون أهم من مهارتك في تنفيذها؟ وما الذي كان عليك أن تتخلص منه في بداياتك لتبني أسلوبك الخاص؟
حين فهمتُ أن الناس قد تنسى تفاصيل التنفيذ، لكنها تتذكر الفكرة التي فاجأتها أو لمستها؛ والمهارة مهمة لأنها تمنح الفكرة فرصة الظهور بأفضل صورة.
أما ما تخلصتُ منه فهو الانشغال بإثبات المهارة في كل عمل؛ فليس من الضروري أن أضع كل ما أعرفه في تصميم واحد، وأحيانًا يكمن النضج في معرفة ما يمكن حذفه.
حين تصبح الهوية السعودية مادة للإبداع
كثير من أعمالك لا يكتفي باستخدام رمز سعودي، بل يعيد تقديمه في شكل غير متوقع. أين ترى الحد الفاصل بين استلهام الهوية وتكرارها؟ وهل أصبحت الهوية بالنسبة إليك مصدر إلهام أم مسؤولية؟
أسأل نفسي دائمًا: ماذا أضفتُ إلى علاقتنا بهذا الرمز؟ فوضع رمز معروف على منتج قد يكون جميلًا، لكنه يظل مجرد طباعة على شيء. أما ما يحمّسني فهو أن أكتشف له استخدامًا أو معنى جديدًا يجعلنا نراه من زاوية مختلفة. تبدأ هذه العناصر بالنسبة إليّ مصدر إلهام بحكم المكان والثقافة التي عشتها، لكنها تتحول إلى مسؤولية عندما أقدّم عملًا يستند إليها؛ وهذا يدفعني إلى فهم العنصر، واحترام سياقه، وتقديم معالجة تليق به.
عندما تستخدم السيفين والنخلة، أو عناصر من السدو والرواشين والقط العسيري وغيرها، كيف تمنعها من التحول إلى مجرد زخارف؟
أحاول أن أمنحها دورًا في الفكرة نفسها، ففي ساعة «Saudi Time» مثلًا، يرتبط تطوّر الرموز حول الميناء بالوقت واكتمال الشعار؛ فوجودها جزء من طريقة قراءة التصميم، وهي ليست سيفين ونخلة بشكل مباشر، بل استلهام برسم هندسي تجريدي.
هل يمكن أن تصنع تصميمًا سعوديًا تمامًا من دون أن يظهر فيه أي رمز سعودي معروف؟
نعم. يمكن أن تنطلق من طريقة استقبال الضيف، أو جلسة البيت، أو علاقتنا بالقهوة والمكان، كما في «المق» وبعض تصاميمي الأخرى مثل سجادة الصلاة. فهذه التجارب تؤثر في وظيفة المنتج وشكله حتى لو لم يظهر عليه رمز سعودي معروف.
ما العنصر السعودي الذي تشعر أنه لم ينل بعدُ المعالجة الإبداعية التي يستحقها؟
تفاصيل حياتنا اليومية: أدوات الضيافة، والألعاب الشعبية، والأشياء التي اعتدنا رؤيتها حتى لم نعد نتأملها. أرى فيها مساحة كبيرة لأفكار قريبة من الناس وتحمل هويتهم.
هل تحتاج الهوية السعودية إلى أن تكون مفهومة للعالم، أم يكفي أن تكون صادقة بالنسبة إلينا؟ وهل هدفك أن يتعرف العالم إلى السعودية عبر تصميماتك، أم أن يرى السعوديون أنفسهم ما يعرفونه بطريقة جديدة؟
الصدق نقطة البداية، وطريقة التقديم تساعد الآخرين على الاقتراب، ولا أتوقع من شخص خارج ثقافتنا أن يعرف كل التفاصيل، لكنني أتمنى أن يجذبه العمل فيسأل عن قصته، وأحب كثيرًا لحظة اكتشاف الشخص شيئًا يعرفه أصلًا فيقول: «كيف لم أنتبه له من قبل؟»؛ فهذه اللحظة قريبة من جوهر شغلي، ومن خلالها يمكن أن يصل العمل إلى جمهور أبعد، والمحلية عندي أهم من العالمية، وهي بإذن الله الطريق الصادق إلى الاثنتين.
الفكرة قبل المنتج
كيف تعرف أن الفكرة التي في رأسك تستحق أن تتحول إلى منتج حقيقي؟ وما الذي يأتي أولًا: المشكلة أم القصة أم الشكل أم الوظيفة؟
أسأل: هل فيها ما يستحق الوجود؟ وهل تضيف تجربة أو إحساسًا أو فائدة؟ ثم تأتي الأسئلة العملية عن التصنيع والجودة والتكلفة، وقد تغيّر قراري، وليس لديّ ترتيب ثابت؛ فكثير من أفكاري يبدأ بملاحظة بصرية أو ارتباط بين شيئين، ثم أبحث عن الشكل والوظيفة المناسبين، وأحيانًا تبدأ من حاجة واضحة، فمسارات التفكير ليست قالبًا ثابتًا، لأن التفكير الإبداعي غير متوقع.
هل يمكن أن تفشل فكرة جميلة إذا لم يكن لها معنى؟ ومتى تترك التصميم كما هو، ومتى تعيد التفكير فيه؟
يمكن ذلك، لكن الجمال نفسه قيمة، والمتعة معنًى أيضًا، والسؤال عندي: هل تستحق التجربة التي يقدمها المنتج أن يُقتنى؟ فالقصة وحدها لا تكفي إذا كان الاستخدام مزعجًا أو التنفيذ ضعيفًا، وأترك التصميم حين يؤدي غرضه بوضوح وتصبح الإضافات عبئًا عليه، وأعيد التفكير حين أحتاج إلى شرح طويل لتبرير مشكلة ظاهرة فيه؛ فحين لا يمكن حذف أي عنصر من القطعة فهذا يعني أنها كاملة.
هل سبق أن أحببتَ فكرة إلى درجة أنك لم ترَ عيوبها؟
نعم، ففي بداية تصميم «المق» أحببتُ الفكرة كثيرًا ونشرتُها فورًا، ومن خلال تعليقات المتابعين وملاحظات المصانع بعد ذلك طوّرتُ التصميم وتلافيتُ عيوبه.
ما الفرق بالنسبة إليك بين تصميم يلفت النظر وتصميم يبقى في الذاكرة؟
لفت النظر يحدث في اللحظة الأولى، أما البقاء في الذاكرة فيحتاج إلى ارتباط: مفاجأة، أو إحساس، أو قصة، أو تجربة استخدام جميلة؛ شيء يعود إليه الشخص بعد أن يغيب التصميم عن عينه.
حين تتحول الفكرة من رسم إلى منتج حقيقي، ما أكثر مرحلة تخيفك؟
الانتقال من الصورة إلى العينة الحقيقية؛ فهنا تنكشف النسب والخامة والوزن والتفاصيل التي قد تبدو بسيطة على الشاشة، لكنها تغيّر إحساسك بالمنتج كليًّا.
من الرموز الصغيرة إلى الأشياء التي تحمل قصة
نلاحظ في أعمالك اهتمامًا واضحًا بالتفاصيل الصغيرة التي قد لا تُلاحظ من النظرة الأولى. لماذا تستحوذ عليك هذه التفاصيل، وهل تكمن قيمة التصميم أحيانًا في القصة التي يكتشفها الشخص بعد اقتنائه؟
لأنها تمنح العمل فرصة أن يُكتشف أكثر من مرة، أحب أن يعجبك المنتج أولًا، ثم تلاحظ تفصيلًا يدفعك إلى التأمل وفهم سبب وجوده، والقصة قد تعمّق علاقة صاحب القطعة بها؛ يعجبه شكلها عند الاقتناء، وبعد معرفة معناها تصبح أقرب إليه، وربما يحب أن يحكيها لغيره.
في «Saudi Time» جعلتَ رموز الساعات تتطور حتى يكتمل الشعار السعودي عند الساعة الثانية عشرة، ما الذي تريد أن يفهمه الشخص من هذا التصميم بعد أن يعرف قصته؟
أردتُ أن تصبح قراءة الوقت تجربة مرتبطة بهويتنا، فتطوّر الرموز حتى يكتمل الشعار عند الثانية عشرة يمنح حركة النظر حول الساعة معنًى، ويجسّد عبارة «وقت السعودية»، وهو تعبير عن اكتمال رؤية سمو ولي العهد للمملكة العربية السعودية بمرور الوقت.
هل تبحث دائمًا عن طبقة ثانية أو ثالثة من المعنى داخل التصميم؟
أحب وجودها حين تأتي بصورة طبيعية، لكنني لا أريد أن يتحول التصميم إلى لغز يحتاج صاحبه إلى فكّه ليستمتع به، فالمفترض أن تنجح التجربة الأولى، ثم تكافئ من يتأمل أكثر، وقد فعلتُ ذلك في الساعة بالخط الثالث عشر، وهو خط مؤشر فوق الرقم اثني عشر لا يُقرأ مع الأعداد، لكنه يكمل عدد مناطق المملكة الثلاث عشرة.
ما التصميم الذي تشعر أن الجمهور لم يكتشف قصته الحقيقية بعد؟ وهل يزعجك أن يحب شخص تصميمًا لك لأسباب مختلفة عن الفكرة التي صممته من أجلها؟
ربما مجسم البشت؛ فالمعنى الأول الذي يظهر للمشاهد هو تجسيد صورة سمو ولي العهد فقط، بينما الحقيقة أنه يجسّد معاني ملهمة مرتبطة به، مثل الطموح والنجاح والوطنية، ولا يزعجني أن يحب أحدهم تصميمًا لأسباب مختلفة، بل يسعدني أن يجد فيه علاقة تخصه؛ فأنا أضع نقطة البداية، لكن تجربة الشخص وذكرياته قد تضيف إلى العمل معنًى لم أفكر فيه.
النجاح والنقد والذاكرة
أنت تصنع أشياء تحمل اسمك؛ فهل يهمك أن يتذكر الناس «البوبح» أم أن يتذكروا الفكرة نفسها؟
أتمنى أن يتذكروا الفكرة، وأن يرتبط اسمي بنوعية من الأفكار تستحق التذكر، يهمني أن يكون للاسم رصيد من الأعمال يشرح سبب حضوره، وأن يرتبط اسم البوبح بالإبداع.
قلتَ إن «الدعاية السيئة تسويق جيد» حين تحدثتَ عن الشخصية التي تواجه الهجوم. أين تضع الحد بين الاستفادة من الجدل وخسارة جزء من صورتك؟
قد تجلب الدعاية السيئة الانتباه، لكن الانتباه وحده لا يضمن نتيجة جيدة، وأفرّق بين اختلاف الناس حول فكرة وبين خسارة ثقتهم بسبب إساءة أو تضليل، فالسمعة أهم من موجة انتشار مؤقتة، وأنا أهتم كثيرًا بسمعتي مصممًا وفنانًا مبدعًا.
كيف تتعامل مع النقد حين يأتي من شخص لا يفهم الفكرة التي تقف وراء العمل؟
أراجع طريقة تقديمي أولًا؛ فربما لم أوضحها جيدًا، وأحيانًا يفهم الشخص الفكرة ولا تعجبه، وهذا حقه. فشرح القصد يساعد على النقاش، لكنه لا يُلزم أحدًا بالإعجاب.
هل تغيرت علاقتك بالنجاح منذ فوزك بالمركز الأول في تصميم كأس السعودية؟ وما الذي يرضيك أكثر: الفوز في مسابقة، أم رؤية شخص يستخدم شيئًا صممتَه في حياته اليومية؟
أعطاني الفوز ثقة ومسؤولية أكبر تجاه ما أقدمه بعده، وأحب أن يبقى محطة تدفعني إلى العمل، مع مساحة أجرّب فيها وأتعلم وأخطئ، والنجاحات القادمة بإذن الله أكبر، غير أن رؤية شخص يستخدم شيئًا صممتُه في حياته اليومية لها طعم خاص؛ فالمسابقة تمنحك تقديرًا مهمًا، والاستخدام يمنحك علاقة مستمرة بحياة الناس.
هل هناك نجاح حققتَه ولم تشعر بعده بالسعادة التي توقعتها؟
نعم؛ ففي البداية لم يلقَ تبسيط السيفين والنخلة بشكل هندسي تجريدي النجاح الذي يستحقه برأيي، لكنني استخدمتُه بعد ذلك في الساعة فنجح نجاحًا كبيرًا، ولله الحمد.
ما الذي تخشى أن يضيع منك إذا أصبح «البوبح» أكبر وأكثر شهرة؟
حرية التجريب، أخشى أن أنشغل بتوقعات الناس إلى درجة أن أكرر ما أحبّوه وأتردد في تقديم فكرة مختلفة، أريد أن أحافظ على فضولي ومساحتي الخاصة للعمل، فالخطأ والفشل جزء أصيل من تجارب المبدع.
أحمد خارج «البوبح»
من هو أحمد عبدالوهاب حين لا يكون هناك جمهور ولا كاميرا ولا منصات تواصل؟ وما الذي لا يعرفه الناس عن الشخص خلف هذه الشخصية؟
إنسان فضولي وحساس، تستوقفه الأشياء الصغيرة فتتحول عنده إلى أسئلة وأفكار، وهذا الجزء موجود حتى لو لم أصوّره ولم يتحول إلى عمل منشور، وربما لا يعرف الناس أن الجرأة الظاهرة لا تعني أن الكلام لا يؤثر في تفكيري؛ فأستطيع أن أظهر بثقة وأدافع عن فكرة، وأظل أتأثر بما يُقال عنها وعني.
هل أصبحت الشهرة جزءًا من حياتك يصعب فصله عنك؟ وما أكثر ما تغيّر فيك منذ أن أصبح لك حضور عام؟
وجود الجمهور يجعلني واعيًا بكيفية استقبال كلامي وأعمالي، وأحاول أن يبقى لديّ مساحة أعيش فيها وأفكر من دون أن يكون النشر غاية كل شيء، وأكثر ما تغيّر هو إحساسي بالمسؤولية عن طريقة التعبير؛ فالفكرة قد تكون واضحة في رأسي، لكن وصولها إلى عدد أكبر من الناس يجعلني أفكر أكثر في صياغتها وسياقها.
من الشخص الذي يستطيع أن يقول لك إن تصميمك سيئ فتستمع إليه حقًا؟
كل فرد من عائلتي، وكذلك صديقي، لأنني أثق في صدقه وفي فهمه لما أحاول تقديمه، ويهمني أن يشرح لي موضع المشكلة؛ فالنقد المحدد يفيدني أكثر من حكم عام بالقبول أو الرفض.
هل ما زلتَ تستطيع أن تصمم شيئًا لأنك تحبه فقط، من دون أن تفكر في كيفية استقبال الناس له؟
أحرص على ذلك، أحتاج إلى أفكار أستكشفها بدافع الفضول والمتعة، حتى لو لم أعرف من البداية هل سأنتجها أو أنشرها. وهذه المساحة تغذّي بقية شغلي، وحتى لو فشلت التجربة فلا بأس.
رجال في حياة البوبح
من الرجل الذي رأى موهبتك قبل أن يعرفك الناس باسم «البوبح»؟ وهل كان هناك من دفعك في لحظة معينة إلى قرار غيّر مسارك؟
أبي؛ فقد كان يخبرني دائمًا ألا أتوقف عن النجاح بعد الوصول إلى أي محطة مهما كانت كبيرة، وكنت أستغرب كلامه حينها لأنه لم يكن في رصيدي أي نجاح بعد، لكنني فهمتُه في وقته، وكل معلم علّمني له أثر، وبخاصة الأستاذ شهم في الجامعة اللبنانية الدولية، فقد كان سببًا في اهتمامي بتصميم الشعارات سنواتٍ طويلة، وفي تغذية فكري وإبداعي بهذه التجربة قبل الانطلاق إلى تجارب بلا حدود.
ما الذي تعلمتَه عن النجاح من والدك أو الرجال الأقرب إليك؟
حاول أبي مرة إيقاظي من النوم للذهاب إلى المدرسة، وكنت أشعر بكسل شديد فتظاهرتُ بالنوم مع أنني كنت مستيقظًا، فقال ببساطة: «لا يمكن إيقاظ شخص مستيقظ»، وتركني، وفهمتُ حينها أن هذا ينطبق على الحياة كلها؛ فالشخص المستيقظ هو كل واحد منا، ولا أحتاج إلى من يوقظني، لأن الحاجز الوحيد بيني وبين اليقظة الحقيقية هو أنا.
هل يحتاج الرجل المبدع إلى من يدفعه إلى الأمام، أم إلى من يوقفه أحيانًا ويعيده إلى الأرض؟
يحتاج إلى الاثنين، والفرق في التوقيت. فأحيانًا تنقصه الشجاعة فيحتاج إلى التشجيع، وأحيانًا يأخذه الحماس بعيدًا عن الواقع فيحتاج إلى من يسأله الأسئلة التي يتجنبها.
كيف أثّرت علاقتك بالرجال الذين مرّوا في حياتك في نظرتك إلى النجاح والمنافسة والمسؤولية؟ وهل هناك نصيحة من رجل ما زالت عالقة في ذهنك؟
أقيس أثر العلاقة بما تضيفه إلى فهمي وتصرفاتي، وأقدّر من يشجعني ويصارحني ويذكّرني بأن الطموح يحمل مسؤولية تجاه الأشخاص الذين يعملون معي ويثقون بي، أما النصائح فكثيرة، وبعض أصحابها لم ألتقِ بهم قط؛ فأنا أحب الاقتباسات والمقولات وأتعامل معها كأنها نصائح شخصية، ولا أريد تحديد واحدة بعينها لأن الفكرة أوسع من ذلك.
لو جلس أحمد عبدالوهاب اليوم أمام «البوبح» الذي صنعه قبل سنوات، فما أول شيء سيقوله له؟
شكرًا لأنك أوصلتَ صوتي. لكن تذكّر أن تمنحني وقتًا؛ فالأفكار التي نقدّمها تحتاج إلى هذا الوقت.
الذكاء الاصطناعي: هل يقتل الفكرة أم يحررها؟
في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج آلاف الأفكار والصور خلال دقائق، ما الذي يبقى للمبدع؟ وهل تراه منافسًا للمصمم أم أداة توسّع قدرته؟
يبقى السؤال الذي يريد طرحه، وما يهمه أصلًا، وحكمه على النتائج. فكثرة الخيارات تزيد أهمية أن أعرف لماذا أختار هذه الفكرة وماذا أريد أن أفعل بها؛ والتفكير هو أهم مهارة للمبدع اليوم، وأتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً توسّع قدرتي على التجريب وتقرّب بعض الأفكار من التنفيذ، وهو في الوقت نفسه يدفعني إلى مراجعة القيمة التي أقدمها مع كل عمل.
أين تضع الخط الفاصل بين استخدامه لتطوير فكرة واستخدامه لصناعتها من الأساس؟
لا مشكلة عندي في أن يشارك في اقتراح البداية، لكن يهمني دوري في تطويرها وفهم قراراتي ووضوحي بشأن مساهمة الأداة. فإعجابي بنتيجة جاهزة لا يعني أنني فكرت في كل ما فيها، والتفكير الإبداعي ينبغي أن يكون مني في النهاية.
هل تخشى أن يمتلئ العالم بتصميمات جميلة تفتقر إلى الأفكار الحقيقية؟ وإذا أصبح تنفيذ الفكرة متاحًا للجميع تقريبًا، فهل ستكمن قيمة المصمم في اختيار الفكرة الصحيحة أكثر من تنفيذها؟
هذا احتمال يشغلني؛ فسهولة الوصول إلى صورة جذابة تجعلني أسأل أكثر: ماذا تضيف؟ ولماذا نحتاج إليها؟ وأتوقع أن يزداد تقديري للأعمال التي تحمل ملاحظة خاصة أو تجربة واضحة، أو ببساطة فكرة، وأتوقع كذلك أن تزداد قيمة الاختيار والتوجيه، لكن الاختيار الجيد يحتاج إلى فهم؛ فلا بد أن أعرف لماذا هذا الحل أنسب، وكيف سيعمل، وهل يمكن تنفيذه بالجودة المطلوبة. وقد كانت الفكرة عبر التاريخ أهم جزء في عمل المبدع.
ما الشيء الذي تعتقد أن الذكاء الاصطناعي لن يستطيع تقليده في «البوبح»؟
لا أحب أن أبني إجابتي على ادّعاء أن أسلوبي يستحيل تقليده. ما أعتز به هو تجربتي وعلاقتي بالأشياء، والأسباب التي تجعل تفصيلًا معينًا يهمني. ودوري أن أستمر في تحويل هذه التجربة إلى اختيارات وأعمال تخصني، وقد يتفوق علينا الذكاء الاصطناعي جميعًا مستقبلًا، وحينها سيكون ما يميزني أنني إنسان.
إلى أين يريد أحمد أن يصل؟
تتنقل اليوم بين التصميم والمجسمات والجواهر والمنتجات والهويات البصرية؛ فهل ترى نفسك مصممًا، أم صاحب أفكار يمكن أن تتحول إلى أي شيء؟
التنوع جزء من طريقتي في التفكير؛ أتبع الفكرة إلى التنفيذ الذي يناسبها، فقد تصبح ساعة أو مجسمًا أو قطعة جواهر، والرابط بينها هو نظرتي إلى الأشياء، أريد أن أُعرف بصفتي صاحبَ أفكار يمنحها الشكل المناسب؛ فالتصميم لغتي الأساسية، وأحب أن تبقى قادرة على العمل في مجالات مختلفة.
ما الفكرة التي ما زالت في رأسك ولم تجد طريقها إلى الواقع؟
أفكار المسلسلات والأفلام والأغاني وغيرها؛ فلديّ مجالات كثيرة لم أجرّبها بعد.
إذا أزلنا كلمة «مصمم» من تعريفك لنفسك، فماذا ستضع مكانها؟
صانع أفكار، وبصياغة أقرب إلى ما أحاول تقديمه: أبيع مشاعر عقلية جميلة بهوية سعودية عربية محلية.
ما الذي تريد أن تضيفه إلى المشهد الإبداعي السعودي ولم يحدث حتى الآن؟ وعندما تتوقف يومًا عن التصميم، ما الأثر الذي تريد أن يبقى باسم أحمد عبدالوهاب بن بوبح؟
أريد أن أسهم في إثراء الهوية السعودية، وفي انتقال المزيد من الأفكار المحلية إلى منتجات تعيش مع الناس، ويهمني أن تنجح الفكرة في التصنيع والاستخدام والاستمرار، وأن يكون نجاحها فرصة لأفكار أخرى، وأما الأثر، فأتمنى أن يُقال ببساطة: مبدع.
