في اليوم العالمي للبودكاست.. ما سر التعلّق به وبمقدميه؟
يميل مستمعو البودكاست إلى إكمال الحلقات والتزام البرامج بمعدلات عالية؛ إذ يُظهِر تقرير "Infinite Deal" عام 2019 أنّ أكثر من 80% من مستمعي البودكاست يحقّقون ذلك (حتى لو كانت مدة الحلقة 30 دقيقة أو أكثر).
وهذا المعدل يتجاوز بكثير التفاعل النموذجي مع مقاطع الفيديو أو المقالات عبر الإنترنت؛ إذ غالبًا ما يتوقف البشر عن استهلاك المحتوى بعد بضع دقائق.
إذًا لا بد من وجود سر يدفع الناس إلى البقاء مستمعين إلى حلقات البودكاست، ومتابعتها حلقة تلو الأخرى، وربّما يلبّي البودكاست بعض احتياجاتنا النفسية الدفينة دون أن نشعر.
وفي اليوم العالمي للبودكاست نحاوِل استكشاف سرّ هذا الارتباط العميق بالبودكاست ومُقدِّميه.
اليوم العالمي للبودكاست
يُخصّص يوم 30 سبتمبر كلّ عام ليكون اليوم العالمي للبودكاست؛ إذ يعدّ الاحتفال فرصة للتواصل مع مقدّمي البودكاست، ومُستمعيه، وعُشّاقه.
وكما تطوّر البودكاست على مدار السنين، فقد فعل اليوم العالمي للبودكاست الشيء نفسه، ففي عام 2014، جرى الاحتفال باليوم الوطني للبودكاست. وبعد إدراك قوة البودكاست على المستوى الدوليّ، حدّدت مؤسسة "International Podcast Day" اليوم العالمي للبودكاست، الذي يُحتفَل به في 30 سبتمبر.
كيف يلبّي البودكاست احتياجاتنا النفسية؟
ربّما تستمع إلى بودكاست حينما تكون مشغولًا في أمرٍ ما؛ إذ يُنسِيك صعوبة المهمة التي تفعلها، أو يُمكّنك من استقبال المحتوى المُفضّل لك بينما تنجِز أعمالك.
ولكن هذا ليس السبب الوحيد للرغبة في الاستماع إلى البودكاست؛ إذ ثمّة أسباب لا شعورية وإنسانية عميقة للسعي وراء محتوى البودكاست.
وحسب دراسةٍ أجراها المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية "National Center for Biotechnology Information" عام 2022، فإنّ الاستماع إلى البودكاست قد يساعد الناس على تلبية الاحتياجات النفسية الأساسية، بما في ذلك:
1. حرية الاختيار
توفّر مقاطع البودكاست حرية أكبر من معظم أشكال الوسائط؛ إذ يمكِنك الاستماع في أثناء القيادة أو العمل أو إنهاء الحلقات بالطريقة التي تريدها في روتينك اليومي.
أنت تختار ما تستمع إليه، ومتى وكيف، وتنظّم تجربة الاستماع حول اهتماماتك وبالوتيرة التي تحبّ. وهذا الشعور بالاستقلالية يوحِي باحترام وقت المُستمِع واهتمامه، وبمرور الوقت يؤدي ذلك إلى بناء الثقة والولاء في المقابل.
2. البحث عن الاختصاص
غالبًا ما يتابع الناس مقاطع البودكاست لتحسين مجال ما من حياتهم، سواء كان مرتبطًا بالعلاقات أو الصحة أو العمل التجاري.
فهم لا يبحثون عن الحقائق المجرّدة فحسب، بل يريدون أن يشعروا بالتحسّن الشخصي أو المهني، وحين يشعر الجمهور أنّ المحتوى الخاص بهم يساعدهم على أن يصبحوا أكثر ثقة في مجال ما من مجالات حياتهم، فمن المرجّح أن يتابِعوا حلقات مُقدِّم البودكاست.
3. الحاجة إلى التواصل
تعتمد مقاطع البودكاست على الصوت البشري، وبينما نتعرّض لتحفيز مفرط من كلّ الجوانب كلّ يوم، تُعدّ بساطة البودكاست بارتكازه على البشر جزءًا من قوته.
لذا فالبودكاست يشجّع المشاركة العاطفية والترابط مع مُقدِّمي البودكاست، بل يشعر المستمعون كأنّهم يعرفون مُقدِّمي برامج البودكاست عن قُرب، حتى لو لم يلتقوا بهم من قبل. وهذا الشعور بالألفة سبب كبير يُبقِي الناس متمسّكين ببرامج البودكاست، كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقًا.
كيف يملك البودكاست انتباهنا حتى حين نتحرّك؟
مما يميّز البودكاست أيضًا الحرية في الحركة الجسدية بينما تستمع إلى برنامجك المُفضّل، ولكن هل يتأثّر تركيزنا فيما نستمع إليه بتلك الحركة؟
بيّنت دراسة عام 2022 في مجلة "Cureus" أنّ انتباه المُستمِعين الذي قِيس بوساطة تخطيط كهربية الدماغ "EEG" لم يكُن مختلفًا، سواء جلسوا ساكنين أو مشوا على جهاز المشي في أثناء الاستماع إلى بودكاست تعليمي.
بل كانت شبكات انتباه أدمغة المشاركين منخرطة في أثناء الاستماع إلى البودكاست تمامًا كما لو كانت منخرطة في أثناء القراءة المُركَّزة.
كما أشارت دراسة "BBC Global News Neuroscience" إلى أنّه عندما استمع الأشخاص إلى حلقات البودكاست في أثناء نشاطهم (مثل القيام بالأعمال المنزلية)، كان انخراطهم أعلى بنسبة 18%، وشِدّة عواطفهم أعلى بنسبة 40%، مقارنةً عندما استمعوا في حالة خمول.
كذلك أدّى هذا النشاط البدني إلى زيادة ترميز الذاكرة طويلة المدى للمحتوى بنسبة 22%، بما يعني أنّ الجسم النشط باعتدال قد يُبقِي الدماغ متيقظًا، ما يجعل المستمعين يظلّون منتبهين.
والخلاصة أنّ برامج البودكاست تتيح للأشخاص الانتباه والتعلّم حتى في أثناء أداء الأنشطة الأخرى، التي لا تتيح الاطلاع على الوسائط الأخرى، مثل القراءة أو الفيديو، كما أنّها تساعد على الاستفادة من قدرة الدماغ على تقسيم الانتباه بين مهمة روتينية وسرد صوتي.
كيف يعزّز السرد الصوتي التركيز ويمنع تشتت الانتباه؟
تتطلّب حلقات البودكاست انتباهًا مستمرًا لمتابعة السرد، نظرًا لأنّ الصوت يمرّ متتابعًا دون انقطاع، فلا يمكنك التوقف مؤقتًا في منتصف الكلام أو الجملة كما في حالة قراءة النصوص مثلًا.
وفي دراسة عام 2024 في مجلة "Brain Sciences"، وجد الباحثون أنّ الاستماع إلى المعلومات المنطوقة يتطلّب تركيزًا قويًا؛ إذ يجب على المستمع متابعة ما يسمع بنشاط، وهو ما يمكن أن يكون بمثابة تعزيز للانتباه، ما يساعد على منع شرود الذهن وتشتيت الانتباه.
كما أظهرت تجربة أخرى أنّ تشغيل التسجيلات الصوتية للسائقين يمنع تشتّت الانتباه، مقارنةً بالصمت، ما يجعلهم محافظين على تركيزهم خلال القيادة.
السرد القصصي.. سرّ جاذبية البودكاست
من منّا لا يحبّ القصص؟ ربّما كان البودكاست أفضل وسيلة لإيصال القصص إلينا، فقد أظهرت دراسة عام 2013 في دورية "Trends in Cognitive Sciences" أنّه خلال الاستماع إلى قصّة ما يبدأ دماغ المستمِع في التزامُن مع دماغ المتحدِّث، حتى أنّه يذهب إلى عكْس (بمثابة المرآة) أنماط صوت المُتحدِّث.
فأنت تشعر بما يدور في القصّة، من حُزن حين تنزل بالبطل مُصِيبة، أو بالغضب حين يعاني الظُلم، ويؤدي هذا التزامُن إلى ما يُطلِق عليه الباحثون اسم "تأثير الحرباء"؛ إذ يقلّد الناس سلوكات بعضهم بعضًا دون وعي، وهو ما يؤدي إلى تعزيز الترابط الاجتماعي بين الناس.
ولذا فإنّ السرد القصصي للبودكاست أو حين يروي مُقدِّم البودكاست قصصًا يخلق ترابطًا تلقائيًا مع من يستمع إليه.
لماذا نتعلّق عاطفيًا بمُقدِّمي برامج البودكاست؟
لكن ليس هذا فقط ما يجعلنا نرتبط بالبودكاست، بل ثمّة ارتباط عاطفي يُنسَج في الخفاء مع مُقدِّمي البودكاست أيضًا، أو ما يُصطلَح عليه باسم العلاقات شبه الاجتماعية "Parasocial relationships"، التي تشير إلى الروابط أحادية الجانب التي يُشكّلها الجمهور مع الشخصيات المشهورة.
فقد بيّنت دراسة عام 2024 في مجلة "Journal of Radio & Audio Media" أنّ المستمعين يبدؤون بالشعور بأنّهم يعرفون مُقدِّمي البودكاست شخصيًا، رغم أنّ العلاقة تسير في اتجاه واحد فقط.
وهذا الشعور بالقُرب ليس عرَضيًا، بل يُبنَى تدريجيًا من صِدق المُقدِّم وصوته والاستمرار في متابعته، ولهذا السبب فإنّ الظهور بمظهر "المُحترِف" غالبًا ما يعمل ضد مقدِّمي البودكاست.
وللسبب ذاته أيضًا فإنّ "السكريبت" المكتوب بعناية مفرطة يُجرِّد المستمعين من الشيء الذي يجذبهم إلى البودكاست: الإنسانية.
فالناس يبحثون عن الكلام الطبيعي، وردود الفعل الطبيعية، ولحظات عدم اليقين، وبالأحرى اللحظات التي تبدو حقيقية، وهو ما يوفّره البودكاست بطبيعته دون تكلّف.
