لماذا يمنع بعض المليارديرات أبناءهم من استعراض ثرواتهم؟.. قواعد «الثروة المتخفية»
في عالم تُفتح فيه كل الأبواب أمام ملايين الدولارات، يفضل بعض أثرى أثرياء العالم إغلاق بعض تلك الأبواب عمدًا في وجوه أبنائهم.
ويتجلى هذا الخيار التربوي بوضوح لدى مؤسس "ميتا" مارك زوكربيرج وزوجته بريسيلا تشان؛ إذ يتبعان نهجًا صارمًا في تربية بناتهم الثلاث؛ ماكس، أوغست، وأوريليا، بفرض مسؤوليات ومهام منزلية يومية عليهن، واصطحابهن إلى مكاتب الشركة ليتعرّفن عن قرب على قيمة العمل والجهد الفعلي.
وفي مقابلة مع المذيعة جايل كينج على قناة CBS، صرّح زوكربيرج: "نحن لا نعطيهم كل شيء، وهذا أمر جوهري. لديهم مسؤوليات ومهام منزلية". أما تشان فأضافت: "نأخذهم إلى المكتب لنريهم ما نفعله وكيف نُسهم".
ويعلّم زوكربيرج بناته الكتابة على الحاسوب والبرمجة شخصيًا، وهو توجّه يعكس قناعة بأن المهارات العملية أكثر قيمة من الامتيازات المادية في تأهيل الجيل القادم.
فلسفة بيل وميليندا جتيس
واعتمد بيل جيتس وميليندا فرنش جيتس نظام مصروف أسبوعي صارم لأبنائهم الثلاثة، يرتفع تدريجيًا بحسب العمر، مع شرط ادخار ثلثه للأعمال الخيرية.
وكشفت ميليندا في بودكاست بلومبيرج أن جملة واحدة حكمت أسلوبها التربوي: "لمجرد أنني أستطيع لا يعني أنني يجب". حين طلبت ابنتها الكبرى جنيفر، الطبيبة المتخصصة في طب الأطفال حاليًا، شراء حقيبة من ماركة فاخرة، رفضت ميليندا الطلب بسؤال واضح: "ماذا سيعني ذلك لزميلاتك في المدرسة الإعدادية؟ ألن يُشعرهن بالفصل بينكم؟".
موقف ميليندا مستمد من تجربتها الشخصية في الجامعة مع زملاء من أسر ثرية استخدموا ثروتهم كورقة امتياز اجتماعي.
وتوضح: "لم يكونوا مميزين لمجرد ثرواتهم. لم أرد لأبنائي أن يكبروا ظانّين أنهم مميزون بسبب اسم والدهم أو ثروة العائلة".
أسباب قواعد كودويل الصارمة مع أبنائه
على النهج ذاته، يفرض الملياردير البريطاني جون كودويل، مؤسس شركة "Phones 4u"، قواعد صارمة على أبنائه الثمانية وأبناء زوجته؛ متأثرًا بطفولته القاسية وخلفيته البسيطة. إذ يحظر عليهم شراء الملابس من الماركات الفاخرة، ويثبت أقدامهم على الأرض بإلزامهم بالسفر عبر الطيران الاقتصادي فقط.
وفي مقابلة مع Business Insider، قال كودويل: "الجميع يريد الدلال، لكن من الضروري أن نبقي أقدام أبنائنا على الأرض".
وأضاف بلغة مباشرة: "هل الذهاب إلى جوتشي ودفع ألف جنيه يجعل الأطفال أكثر سعادة؟ لا. لكنه يُنتج موقفًا متعجرفًا، ونعم، يحدث ذلك".
هدفه ليس محاكاة الفقر بل تقديم نموذج للحياة الطبيعية. كما صرّح: "علينا أن نُريهم كيف تبدو الحياة الاعتيادية".
رامزي: الدرجة الاقتصادية والمواصلات العامة
يمنع جوردون رامزي، الشيف الشهير صاحب الثروة المقدرة بـ220 مليون دولار، أبناءه من ركوب الدرجة الأولى رغم أنه وزوجته تانا يستخدمانها بانتظام، ويستخدم أبناؤه المترو في تنقلاتهم اليومية ويتطوعون في مستشفى محلي بمهام عملية.
صرّح رامزي لصحيفة The Sun: "حين يسألون عن الجلوس معنا في الدرجة الأولى لتناول الطعام، أرفض بشكل قاطع. الآن يحضرون طعامهم الخاص على متن الطائرة وهم مرتاحون تماماً في الاقتصادية".
ويضيف: "لا يحتاج أي طفل في الرابعة عشرة من عمره إلى كرسي مؤتلف".
الأساس النفسي: تدريب على القرار لا مجرد تقشف
ويرفض الدكتور جيم جروبمان، متخصص في علم نفس الثروة ومؤلف كتاب Strangers in Paradise، وصف هذه الأساليب بـ"محاكاة الشح".
ويقول بوضوح: "الهدف ليس منع الشعور بالاستحقاق. الهدف الحقيقي هو إعداد الشباب لاتخاذ القرار".
ويُكمل: "ما يراه المجتمع شُحًا مصطنعًا هو في الحقيقة جزء من تدريب مالي تدريجي يعلّم المهارات في سياقات تتناسب مع كل مرحلة عمرية. هذه ببساطة تربية جيدة".
ويُحذر من غياب هذا النهج: "حين لا تعتمد الأسر الثرية هذا الأسلوب، تكون العواقب وخيمة في الغالب".
الاستنتاج واضح: القيود التي يفرضها هؤلاء المليارديرون ليست زهدًا في الثروة، بل استثمار في قدرة الأبناء على إدارتها بذكاء مستقبلاً.
