رحلة المملكة نحو المستقبل.. كيف انعكست التحولات على حياة الرجل اليوم؟
في اليوم الوطني السعودي، تتجدد الذكرى بما حققته المملكة على مدار تاريخها، وما تجلّى من إنجازاتها في تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها الرجل اليوم على أرضها.
ومن التحول الرقمي الذي أعاد رسم ملامح قطاع الرعاية الصحية، إلى التوظيف العملي للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، والاستثمار في الرياضات الإلكترونية بوصفها ركيزة اقتصادية واعدة، وصولًا إلى تجاوز قطاع السياحة مستهدفات رؤية 2030، واتساع فرص العمل المتاحة للمواطنين؛ تشكّلت رحلة حافلة بالتحولات والإنجازات، نستعرض جانبًا منها في السطور الآتية.
من الماضي إلى الحاضر.. كيف تطوّرت الرعاية الصحية في المملكة؟
سلّطت دراسة تحليلية منشورة عام 2026 في مجلة "Journal of Healthcare Leadership" الضوء على رحلة تطور الرعاية الصحية في المملكة، وتتضمن:
التأسيس الرسمي لقطاع الرعاية الصحية
يعود تاريخ التأسيس الرسمي لخدمات الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية إلى أوائل القرن العشرين بعد توحيد المملكة تحت حُكم الملك عبد العزيز في عام 1932. وقبل هذه الفترة، كانت الرعاية الصحية في شبه الجزيرة العربية غير رسمية في المقام الأول؛ إذ عادةً ما يتم العلاج في المنازل أو في الهواء الطلق باستخدام العلاجات العُشبية والكيّ والشفاء الروحي والتقنيات الأساسية التي تنتقل عبر الأجيال.
وقد أدّى التدفق المتزايد للحجاج الدوليين خلال موسم الحجّ السنوي إلى خلق تحديات إضافية للصحة العامة، وكثيرًا ما أدّى وصول أعداد كبيرة من الحجّاج إلى تفشي الأمراض المُعدِية، لذا أنشأ الملك عبد العزيز مديرية للصحة العامة في مكة عام 1925، وكانت هذه أول هيئة صحية حكومية في المملكة.
وبعد عام واحد، تغيّر اسم المديرية إلى مديرية الصحة العامة وخدمات الإسعاف، مع ولاية مُوسّعة لتوفير الخدمات الصحية الأساسية ومكافحة الأمراض المعدية وتنفيذ تدابير الصرف الصحيّ؛ خصوصًا خلال موسم الحجّ.
وفي أعقاب النجاحات المبكرة في مجال الصحة العامة، صدر مرسوم ملكي في عام 1951 يرفع مديرية الصحة العامة وخدمات الإسعاف إلى وزارة الصحة الكاملة؛ المسؤولة عن التخطيط المركزي وتمويل وإدارة خدمات الرعاية الصحية في جميع أنحاء المملكة.
إضفاء الطابع المؤسسي وبناء النظام الصحي (1953 - 1975)
خلال عهد الملك سعود (1953 إلى 1964)، بدأت وزارة الصحة في اعتماد نموذج أكثر تنظيمًا وتنوعًا، وارتفعت ميزانية وزارة الصحة بشكل ملحوظ من 36.9 مليون ريال في عام 1953 إلى 103 مليون ريال بحلول عام 1964، وهو ما يمثّل زيادة بنحو ثلاثة أضعاف في التزام الدولة بتمويل قطاع الصحة.
وكان افتتاح أول مركز طوارئ مخصّص في الرياض في عام 1963 علامة فارقة في مجال رعاية الطوارئ، كما أُنشِئ مستشفى تابع لجمعية الهلال الأحمر السعودي.
التحديث وصعود الرعاية الصحية الأولية (1976 إلى 2005)
كانت إحدى المبادرات البارزة في تلك الفترة مشروع المستشفيات الخمسة، الذي أضاف 2,275 سريرًا جديدًا للمستشفيات في مناطق رئيسة من البلاد، وقد تم الانتهاء من بناء المستشفيات في جدة والمدينة المنورة وجازان والحوف والخبر بين عامي 1976 و1979، ما أدّى إلى تحسين الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية.
وبالتوازي مع ذلك، أحرزت المملكة تقدمًا كبيرًا في توسع نظام الرعاية الصحية الأولية لديها. وبحلول أواخر سبعينيات القرن العشرين، أُنشِئ أكثر من 219 مركزًا للرعاية الصحية الأولية، و157 مستوصفًا، و893 نقطة صحية على مستوى البلاد.
وأصبحت مراكز الرعاية الصحية الأولية أساس نظام تقديم الرعاية الصحية؛ إذ تُقدّم رعاية الاتصال الأول والخدمات الوقائية وصحة الأم والطفل والتحصين وعلاج الأمراض الشائعة.
وفي عهد الملك فهد (1982 إلى 2005)، دخل نظام الرعاية الصحية في المملكة مرحلة من النموّ والتحديث والتخصص الواسع النطاق. وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت وزارة الصحة تدير 270 مستشفى بسعة إجمالية تجاوز 40,300 سرير.
التحوّل الرقمي والرعاية الصحية في رؤية 2030
ومنذ تولّي الملك سلمان الحكم في عام 2015، تقدّم التحول في مجال الرعاية الصحية بوتيرة متسارعة في إطار رؤية 2030.
فأُنشئ مركز وطني مُوحّد للمبادئ التوجيهية داخل وزارة الصحة لتعزيز اعتماد بروتوكولات سريرية موحدة قائمة على الأدلة في جميع أنحاء نظام الرعاية الصحية في المملكة، بهدف تقليل الاختلافات غير المبررة في جودة الرعاية، وتحسين سلامة المرضى ومواءمة الخدمات السريرية مع أفضل الممارسات الدولية.
كما شهد التحول الرقمي تقدمًا سريعًا منذ عام 2016، فقد حفّزت جائحة كوفيد-19 في عام 2020 مزيدًا من الابتكار الرقمي، وتوسّعت منصات التطبيب عن بُعد لتشمل البلد بأكمله، كما ربط مستشفى SEHA الافتراضي، الذي أُطلِق خلال الوباء، 224 مستشفى عبر 44 تخصصًا.
كما أصبح تطبيق "توكلنا" الأداة الوطنية للمملكة لإصدار شهادات التطعيم وتتبّع المخالطين وتصاريح الحركة. ومكّنت منصات الاختبار المتكاملة وأنظمة المراقبة الرقمية من الاستجابة السريعة للأوبئة.
وتُشكّل خصخصة خدمات الرعاية الصحية أولوية استراتيجية أخرى؛ إذ تهدف إلى زيادة حصة القطاع الخاص من إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية إلى 35% بحلول عام 2030.
التقنية والذكاء الاصطناعي.. استثمارات المستقبل
لم يقتصر التطور على قطاع الرعاية الصحية فحسب، بل شهد قطاع التقنية والقطاع الرقمي في المملكة العربية السعودية أحد أسرع التحولات في أي اقتصاد كبير؛ إذ صعدت المملكة إلى المركز السادس في مؤشر الأمم المتحدة للتطوّر الحكومي الإلكتروني.
كما غطّى القطاع طيفًا واسعًا من البنية التحتية للحوسبة السحابية، ومنصّات الحكومة الإلكترونية، وتقنيات المدن الذكية، والرياضات الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي.
فقد اعتمدت المملكة الذكاء الاصطناعي أولوية استراتيجية وطنية بمستوى من الالتزام المؤسسي يميّزها عن معظم الدول؛ إذ تعمل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي كسلطة وطنية مسؤولة عن إدارة البيانات واستراتيجية الذكاء الاصطناعي وتطوير قدرات المملكة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي أن تصبح المملكة من بين أفضل 15 دولة في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.
وتقدّم استخدام الذكاء الاصطناعي عمليًا في القطاعين الحكومي والخاص؛ إذ تُوظَّف الأنظمة القائمة عليه في تشخيص الحالات الصحية، وإدارة حركة المرور، وتقديم الخدمات الحكومية، وغيرها من المجالات.
الرياضات الإلكترونية.. استثمار اقتصادي في قلب رؤية 2030
كذلك استثمرت المملكة في قطاع الرياضات الإلكترونية، تماشيًا مع رؤية 2030، التي تركّز على تطوير القطاع الرياضي، فلم تقتصر المملكة على اهتمامها بكرة القدم ورياضات الفروسية وسباقات الهجن.
بل وسّعت اهتمامها لتضمّ مجموعة واسعة من الرياضات، بما في ذلك الفورمولا 1 والفورمولا 4 والجولف والتنس، والرياضات الإلكترونية.
وزاد صندوق التنمية الوطني في المملكة العربية السعودية استثماراته في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية بشكلٍ كبير من نحو 80 مليون دولار أمريكي (300 مليون ريال سعودي) في عام 2022 إلى نحو 290 مليون دولار أمريكي (1.09 مليار ريال سعودي) بحلول عام 2023.
كما أطلقت المملكة الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية بمشاركة 20 جهة حكومية وخاصّة، وتتضمّن الاستراتيجية إنشاء حاضنات أعمال واستضافة فاعليات كُبرى وتأسيس أكاديميات تعليمية.
والهدف هو تحويل قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية إلى رافد كبير في الاقتصاد بهدف تحقيق 13.3 مليار دولار (50 مليار ريال سعودي)، وخلق أكثر من 39 ألف فرصة عمل جديدة.
وقد رسّخت المملكة نفسها كقوة هائلة في صناعة الألعاب والرياضات الإلكترونية العالمية، مع سوق ألعاب تبلغ قيمته مليار دولار (3.75 مليار ريال سعودي) في عام 2023، وتوقّعات بقيمة 2.67 مليار دولار (10 مليارات ريال سعودي).
سوق السيارات الفاخرة في المملكة اليوم وغدًا
في مجالٍ مختلف وبعيدًا عن الرياضة، تبرز سوق السيارات الفاخرة كأحد الأسواق المُتوقّع نموّها؛ إذ يرتكز طلب السيارات الفاخرة في المملكة على قاعدة وطنية كبيرة من السيارات، فقد وصلت مبيعات سيارات الركاب إلى نحو 705,527 وحدة في عام 2024، في حين مثّلت السيارات الفاخرة ما يُقدّر بنحو 14% من الطلب على السيارات الجديدة ذات الصلة.
ومن المُتوقّع أن يرتفع سوق السيارات الفاخرة في المملكة العربية السعودية من 4,400 مليون دولار أمريكي في عام 2025 إلى 5,893 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2031، حسب تقرير عام 2025 من "Ken Research".
السياحة في المملكة.. آفاق وطموحات
كذلك شكّلت السياحة جزءًا من طموح المملكة في رؤية 2030، بل تجاوزت المملكة هدفها السياحي قبل سبع سنوات من الموعد المُحدّد؛ إذ استقبلت 100 مليون زائر محلّي ودولي.
ومنذ ذلك الحين، رفعت المملكة سقف التوقعات، وحدّدت هدفًا جديدًا يتمثّل في استقبال 150 مليون سائح بحلول عام 2030.
وقد أدّى الاستثمار في السياحة إلى خلق فرص عمل للمواطنين السعوديين من خلال مبادرات تهدف إلى تدريب وتوظيف المواطنين في مجال الضيافة والعمليات السياحية وإدارة الفعاليات، بهدف خلق 1.6 مليون فرصة عمل مرتبطة بالسياحة بحلول عام 2030.
كذلك من المُتوقّع أن تُسهِم السياحة بأكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني بحلول عام 2030.
كما باتت المملكة وجهة عالمية للسياحة؛ إذ احتلّت المرتبة الأولى بين دول مجموعة العشرين من حيث نموّ عدد السياح الدوليين الوافدين، حسب منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة.
كما أنّه من المُقرَّر أن تستضيف السعودية فعاليات عالمية كُبرى، مثل معرض إكسبو 2030، وكأس العالم لكرة القدم 2034، ما يعكس ظهور المملكة كمركز سياحي رائد.
فرص العمل في المملكة.. نمو مُستدام
كذلك لم تدّخر المملكة جهدًا في الاستثمار في تعزيز فرص العمل مدفوعة برؤية 2030، فمنذ عام 2020، دخل أكثر من 2.48 مليون سعودي القطاع الخاص، ما عكس نجاح سياسات توطين العمل.
كما بلغ مُعدّل المشاركة الإجمالي في القوى العاملة 68.2% في الربع الأول من عام 2025، مع ارتفاع المشاركة السعودية إلى 51.3%.
كذلك تضاعفت مشاركة الإناث في القوى العاملة بأكثر من الضعف؛ إذ ارتفعت من 17% في عام 2017 إلى 36.3% في الربع الأول من عام 2025، وهو ما يستمرّ في تجاوز أهداف رؤية 2030.
كما انخفض معدل البطالة بين النساء السعوديات حتى بلغ 10.5% في الربع الأول من عام 2025
ومن ناحية توافر الأمان في بيئة العمل، تُصنّف المملكة العربية السعودية من بين أسواق العمل الأكثر أمانًا على مستوى العالم؛ إذ سجّلت 230.4 إصابة لكل 100 ألف عامل.
ولحماية العاملين من درجات الحرارة القصوى في الصيف، تصدر وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية قرارًا وزاريًا سنويًا بحظر العمل في الهواء الطلق تحت ضوء الشمس المباشر خلال ساعات منتصف النهار الأكثر حرارة (من الساعة 12:00 ظهرًا إلى الساعة 3:00 مساءً)، عادةً من منتصف يونيو حتى منتصف سبتمبر.
فلم تكتفِ المملكة بزيادة فرص العمل لمواطنيها، وإنّما حرصت أيضًا على توفير الأمان في بيئة العمل وحماية العاملين من الأخطار التي قد تحيط بهم.
وفي النهاية كانت تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها الرجل اليوم مرآة للتطوّر الذي شهدته المملكة في الرعاية الصحية والتقنية وتمكين أدوات الذكاء الاصطناعي، وكذلك ريادتها في السياحة والرياضات الإلكترونية.
