بعد دراسة نفسية جديدة.. هل يحتاج رائد الأعمال إلى "شخصية مظلمة"؟
قد لا تكون الريادة مجرد شغف وابتكار، بل تشكل أحيانًا الملاذ المثالي للجانب المظلم من الشخصية؛ فالنرجسيون والسيكوباتيون هم الأكثر إقبالاً على اقتحام سوق الأعمال وتولّي زمام القيادة.
هذه النتيجة صدرت في دراسة علمية نشرتها مجلة Acta Psychologica، وأجرتها الباحثة م. إنماكولادا لوبيز-نونييز وزملاؤها من جامعة كومبلوتنسي في مدريد.
وانطلقت الدراسة من تعريف محدد للتوجه الريادي: استعداد نفسي كامن يشمل تفضيل الابتكار، والقدرة على رصد الفرص، والدافع لخلق قيمة اقتصادية واجتماعية. بموجب هذا التعريف، يمكن لموظف بأجر ثابت أن يحمل شخصية ريادية عالية دون أن يؤسس مشروعاً بعد.
علاقة السمات الشخصية بريادة الأعمال
شمل البحث 591 بالغًا عاملاً في إسبانيا، راوحت أعمارهم بين 26 و76 عامًا، وتوزعوا بين موظفين بأجر ثابت، وعاملين لحسابهم الخاص، وعاطلين عن العمل. تباينت مستوياتهم التعليمية من التعليم الأساسي حتى الدراسات الجامعية العليا.
وأجرى المشاركون ثلاثة استبيانات رقمية: الأول قاس النزوع الريادي عبر تقييم تكرار التعرف على فرص العمل وتوليد الأفكار. والثاني قاس سمات الشخصية الخمس الكبرى بأسئلة مزدوجة. والثالث قاس سمات الثالوث المظلم باستخدام مقياس اثني عشر بندًا يقيس التلاعب والتضخم الذاتي وغياب الندم.
صفات العاملين في مجال ريادة الأعمال
كشفت الدراسة عن تفاصيل العلاقة بين السمات النفسية والتوجه نحو عالم الأعمال، موضحةً الفرق بين "نموذج الشخصية الخمسية الكبرى" -الذي يشمل الانفتاح على التجربة، والضمير الحي، والانبساطية، والمقبولية الاجتماعية، والاستقرار الانفعالي- وبين "الثالوث المظلم" الذي يضم ثلاث سمات غير مستحسنة اجتماعيًا، وهي: النرجسية القائمة على تضخم تقدير الذات والسيطرة، والسيكوباتية المتصلة بالاندفاعية وضعف التعاطف، والمكيافيلية القائمة على الاستغلال المحسوب للآخرين لخدمة المصالح الشخصية.
وأفادت النماذج الإحصائية للبحث بأن العوامل الديموغرافية، إلى جانب السمات التقليدية والمظلمة مجتمعةً، نجحت في تفسير نحو 41% من التباين في النزوع الريادي لدى المشاركين.
وعلى صعيد السمات الخمس الكبرى، تصدر "الانفتاح على التجربة" قائمة العوامل الأكثر ارتباطًا بالتوجه الريادي، تلاه الضمير الحي، ثم الانبساطية. وفيما يتعلق بالثالوث المظلم، جاءت "النرجسية" في المقدمة كأشد السمات ارتباطًا بالنزوع نحو الريادة، تليها السيكوباتية.
وأكد الباحثون أن دمج السمات المظلمة أدى إلى زيادة ملموسة في الدقة التنبؤية للنموذج، ما يعكس تقديمها لرؤى ومعلومات إضافية تعجز النماذج التقليدية بمفردها عن الكشف عنها.
دور العمر والجنس والوضع المهني
وأسهم العمر والجنس والوضع الوظيفي جميعها في تشكيل النزوع الريادي. الأفراد الأصغر سنًا والذكور أبدوا استعدادًا نفسيًا أعلى نحو ريادة الأعمال، وإن أشار الباحثون إلى أن الفجوة بين الجنسين في تأسيس الشركات الفعلي تتقلص عالميًا.
وسجل العاملون لحسابهم الخاص درجات ريادية أعلى من الموظفين بأجر ثابت. الباحثون فسّروا ذلك بأن اختيار العمل الحر يُعبّر عن ميول نفسية كامنة، إذ ينجذب الأفراد بطبيعتهم نحو بيئات العمل التي تتوافق مع احتياجاتهم الداخلية.
واعتمدت الدراسة كليًا على بيانات ذاتية جُمعت في لحظة واحدة، ولذا لا يمكن تحديد اتجاه العلاقة السببية. لا تثبت البيانات أن امتلاك سمات مظلمة يُولّد الميل الريادي، بل تُثبت الارتباط فحسب.
